تحقيق مخطوطة: رسالة في فقه الحج لمؤلفها المحدث الشي. ناصر بن عبدالله البربوري البحراني
قصة المخطوطة:
نظراً لاهتماماتي السابقة في تتبع ومراجعة كتب التراث والمخطوطات لعلماء البحرين الأقدمين، كنت خلال زياراتي المتكررة لبعض مراكز حفظ التراث في إيران والعراق منها: مكتبة المرعشي النجفي بقم المقدسة والمكتبة الوطنية بطهران ومكتبة الحضرة الرضوية المركزية ومكتبة كوهرشاه بمشهد وكذلك
في العراق مكتبة الإمام علي (عليه السلام) للعلامة الأميني ومكتبة الإمام الحكيم ومكتبة آل كاشف الغطاء ومكتبة الروضة الحيدرية بالنجف الأشرف ومكتبة الروضة العباسية بكربلاء المقدسة، أطالع بعض المخطوطات وأراجع قوائم وفهارس تلك المكتبات. لفت نظري في فهرس مخطوطات مؤسسة آل كاشف الغطاء كتاب لمؤلف بحراني، هذا المؤلف لم أسمع به مسبقاً ولم ألحظ له مؤلفاً. ومما شوقني للبحث في موضوع المخطوطة، أنه عالم ينتسب لمنطقة عزيزة علينا وهي بربورة، والتي عرفت في سالف الدهر بأنها موطن وملتقى للعلماء ولكن أين أولئك العلماء؟ نعم كانوا في كنفها ولكن اختفى ذكرهم وضاع تراثهم، ففكرت بإخراج هذا السفر لعلنا نسترجع شيئاً من ثمار هذه البلدة الطيبة.
فأكثر ما أثار انتباهي في هذا المخطوط اسم مؤلفه أكثر من عنوانه، فالمؤلف هو الشي. ناصر بن عبدالله بن ناصر البربوري البحراني. فأخذت بمراجعة كتب الرجال وتراجم علماء البحرين الأقدمين فلم أقف عند اسم هذا العالم. وعند رجوعي لديباجة المخطوط أجد المؤرخات في المخطوطة تعود لبدايات القرن الثالث عشر الهجري (1209هـ)، أي قبل 220 سنة تقريباً. فلما تأكد لي بعد استلام المخطوطة وقراءتها بتمعن بأنها عائدة لهذا العالم الجليل، وراجعت كتب الرجال التي ترجمت لعلماء البحرين فما وجدت له ذكراً. الأمر الذي زاد اهتمامي بإخراج هذا السفر الجليل ولو لإظهار هذا العالم رضوان الله عليه، وبرجاء استفادة الآخرين العلمية لما حوى كتابه من مسائل في فقه الحج. فقمت بعملية العناية بالمخطوطة وتحقيقها من أجل أن نسترجع شيئاً من مكانة بربورة وعلمائها التي ظلت مغمورة ومجهولة، والتي لا يعلمها سوى الخواص من القوم ممن يحبونها وممن يعادونها.
من هذا المنطلق عنيت بأهمية هذه المخطوطة عندما بلغ لعلمي تواجدها في مؤسسة آل كاشف الغطاء بالنجف الأشرف، تلك المؤسسة الكريمة المعنية بحفظ التراث والمخطوطات وتحقيقها. فكانت لي مراسلات وتواصل عبر الإنترنت معهم أولاً خصوصاً مع سماحة الشي. أحمد آل كاشف الغطاء مدير المؤسسة ونجل الشيخ عباس كاشف الغطاء المؤسس لها. وتوجهت في أغسطس 2008 م للزيارة الشعبانية، فذهبت للنجف الأشرف والتقيت بسماحة الشي. أحمد آل كاشف الغطاء ومنتسبي المؤسسة الذين لقيت منهم من التعاون ما يعجزني عن وصفه. كما كان من حسن توفيقي الحصول على الملاحظات العلمية والمساهمة الكريمة ببعض نكات التحقيق من الصديق العزيز والمحقق البارع الشي. أحمد الحلي.
أهمية المخطوطة:
وتأتي الأهمية التي اكتسبتها المخطوطة إلى جانب قيمتها التاريخية بحكم الفترة الزمنية التي تم تأليفها فيه أي قبل تاريخ شعبان 1209هـ، وقيمتها العلمية بأنها رسالة فقهية في أحكام الحج تتضمن استدلالات ورأياً فقهياً ناهضاً للمؤلف. فإلى جانب هذين الأمرين فهي إلى أحد العلماء الذين ضاع ذكرهم، فلم يذكر في كتاب موجود ولم يرصده رجالي ولم يُتعرف على مؤلفات له سابقة، بل لم تتناقل أحواله الأجيال اللاحقة في البيئة التي انتسب لها. والسبب في اعتقادي قد شخصه صاحب كتاب أنوار البدرين الشيخ علي البلادي المتوفى 1340هـ في مجمل حديثه عن تراجم علماء البحرين وأحوالهم، حيث قال:
“وإن كان قليلاً من كثير، ونقطة من غدير لتشتت أهلها في البلدان، بما لعبت بهم أيدي الزمان، وما نالوه من البلاء والهوان من أهل الجور والعدوان، والحوادث والوقائع التي أخلت منهم الأوطان وبددت شملهم في كل مكان”. إلى قوله: “حتى بلغ الحال أن كثيراً من الأولاد لم يعلموا ب«ثار »بائهم ولم يدروا بأنسابهم”.
المخطوطة لم تؤرخ من المؤلف ولكن في ديباجة الكتاب وُجد خط لاحق لغير المؤلف يؤر. لمالك الكتاب آنذاك. وبطبيعة الحال سيكون التأليف سابقاً لذلك التاريخ.
أنوار البدرين: 518.
ولكن مؤلفنا وإن غيبت «ثاره و»ثار أمثاله من العلماء الظروف التي مرت بمجتمعهم آنذاك إلا أنه شهدت له صحائف يراعه في كتابه هذا بأنه ماسك بأسباب العلم وحاضن لأحكام الدين، فتجلت الأهمية في إظهار إرثه وتقديمه عالماً من علمائنا الذين نفتخر بهم في بحريننا المؤمنة. هذه الرسالة الموسومة بـ”رسالة في فقه الحج” لمؤلفها الشي. ناصر بن عبدالله بن ناصر البربوري البحراني.
هذا إضافة لأهمية خاصة اكتسبتها المخطوطة وصاحبها في زماننا، فنظراً للهجمة الراهنة على هوية المنطقة التي ينتسب لها المؤلف “بربورة”، تلك الهوية التي تمتلك التاري. والجغرافيا والثقافة، هوية عصفت بها ألسنة الجهل عبثاً تهرول لإقصائها ونسيانها، وكأن الهوية حج1 يُبنى ويُهدم، وأنها ستزول بزوالها، فلا يدركون بأن الهوية أعمق من ذلك بكثير، وكان لزاماً إظهار بعضاً مما اكتنزته تلك الأرض المعطاءة عبر تاريخها من عطاء فكري وإنساني.
وهذا الكتاب هو أحد إسهامات علماء “بربورة” في المجال العلمي، لكي يكون شاهداً على حقبة «ن أن تظهر حقائقها، و»ن أن تكشف الغطاء عن مكنوناتها.
الوصف العام للمخطوطة: