تاريخي

رئاب بن البراء الشني: نبي من البحرين وقبر الآجام

1100024472 بحث رائع نشرته مجلة الراصد بقلم الباحث والمؤرخ عبدالخالق عبدالجليل الجنبي. البحث يستحق القراءة والتأمل حيث يتناول فيه حقيقة قبر ال«جام الواقع في واحة القطيف، التي كانت جزءًا من إقليم البحرين، ويتطرق لل»راء المختلفة حول القبر ثم يستخلص بالنتيجة أنه نبي من أنبياء البحرين القدامى.

وللباحث كتاب باسم قبر ال«جام وهو كتاب قيم ويتناول فيه نفس الموضوع. وال»ن نترككم مع البحث.

قبر الآجام لمن؟

في قرية الآجام من قرى واحة القطيف، وبالتحديد في مقبرة هذه القرية الواقعة جنوبها. وفي بداية المقبرة يوجد قبر يتضح من الوهلة الأولى أنه كان مشيدًا فهُدم. يظن أهالي قرية

 

الآجام وبعض أهالي واحة القطيف عمومًا أنه قبر يضم جدث أحد الأنبياء، ألا وهو نبي الله اليسع. وهو اعتقاد قديم جدًا، وخصوصًا عند أهالي القرية الذين يقولون إنهم توارثوا علم ذلك أبًا عن جد، وهم يعلمونه أولادهم وكل من قصد قريتهم لزيارة هذا القبر الشهير.

اهتمام العلماء بهذا القبر

ظل هذا القبر مهتمًا به من قبل أهالي واحة القطيف عامةً، وأهالي قرية الآجام على وجه الخصوص. غير أنه لم يُسعفنا تراث القطيف المطبوع قبل عام 1382هـ بأي معلومات تفيد الباحث حول هذا القبر، وإن كان التراث ـ المروي والمتوارث عند الأهالي حول هذا الموضوع ـ قديمًا حقًا، ولكنه غير موثق.

وكان لعالم القطيف الجليل الشي. فرج العمران (رحمه الله تعالى) السبق في تدوين معلومات مفيدة عن هذا القبر وكان ذلك في عام 1382هـ عندما خرج إلى النور الجزء الثاني من كتابه القيم «الأزهار الأرجية» الذي هو عبارة عن سيرة ذاتية للمؤلف دون فيها كل ما جرى له من أحداث ورحلات وأدبيات خاصة وعامة ليس هنا مقام الحديث عنها. ولكن الذي يهمنا أن هذا الجزء قد حوى ولأول مرة حسب إطلاعي على معلومات هامة حول قبر ال«جام المنسوب للنبي اليسع. فقد حدد فيه موضع القبر من القرية وذكر توارث ال»جاميين معرفة هذا القبر كابرًا عن كابر، ثم ذكر بعض الكرامات التي يرويها أهالي القرية عن هذا القبر. وأخيرًا ذكر ترجمة وافية عن نبي الله اليسع، تطرق فيها لنسبه ونبوته على بني إسرائيل وحياته قبل البعثة وبعدها. وتكلم حول خلاف ـ ارتآه [ر] ـ على موضع قبره بين المؤرخين والمفسرين. ثم تكلم عن زيارة العلماء والفضلاء لقبره وذكر على رأسهم العلامة حجة الإسلام الشيخ حسن علي بن الشيخ عبد الله آل بدر القطيفي (توفي عام 1334هـ)، الذي عُزي إليه أنه أول من اهتم بالقبر من العلماء وأمر ببناء قبة على ضريحه، لازالت آثارها باقية حول القبر. [ز]

وفي موضع «خر ينقل الشي. فرج أنه سمع من الحاج محمد صالح الصفار بن الحاج صالح بن الحاج علي الصفار »ل فردان أن الذي أمر بتعمير قبر نبي الله اليسع في ال«جام هو حجة الإسلام والمسلمين »ية الله السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي أعلى الله مقامه [س]. وأنه أمر حجة الإسلام الشيخ حسنعلي البدر الذي أشار على الحاج منصور بن الحاج صالح بن جمعة [ش] بتعمير القبر، فشرع في ذلك إلا أنه لم يستطع إكماله لبعض الحوادث. [ص]

نبذة عن نبي الله اليسع

قبر نبي الله اليسع في بلدة الأوجام. اختلف المؤرخون في نسبه، ففي حين ينقل الشي. فرج العمران أنه اليسع بن أخطوب بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران بن فاهت بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل [ض]. يروي ابن عساكر في تاريخ دمشق أنه اليسع وهو الأسباط بن عدي بن شوتلم بن أفراثيم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل [ط]. ويرى أبو إسحاق الزجاج أنه يقال في اسمه الّلَيْسَع واليَسَع بتشديد اللام وتخفيفها [ظ].

وقد ذكر بعض المؤرخين أن البلد التي بُعث فيها نبيًا هي بعلبك، لأنه خليفة ابن عمه نبي الله إلياس الذي أُرسل إلى أهالي بعلبك [ع]. في حين أن هنالك رأيًا آخر يقول إنه كان في بانياس [رذ]. ولا يهمنا هذا الاختلاف فكلا البلدين في الشام، ولا يهمنا هنا إلا أن نتطرق لأقوال المؤرخين في موضع قبره، فهو موضع اهتمامنا الأول.

الاختلاف في موضع قبره

ذكر صاحب تفسير البحر المحيط من أسماه بروبيل وقال إنه أحد الأسباط، فقال في تحديد قبره: «وقبره في قرافة مصر، في لحف الجبل، في تربة أليسع.» انتهى [رر]. ويفهم من ظاهر كلامه أنها سُمّيت بتربة اليسع لاحتوائها على قبره. وقد أكد ذلك ياقوت الحموي عندما ذكر في رسم بمصرة أن بها قبر النبي اليسع. كما ذكر ياقوت في رسم ببُسْرة قوله: بُسْر (بالضم) اسم قرية من أعمال حوران من أراضي دمشق بموضع يقال له اللحا، وهو المسلك إلى جنب التي تسميها العامة ويقال إن بهذه القرية قبر اليسع النبي.

غير أن الشي. فرج نفسه نقل عن القرماني أنه دفن في قرية تُستر من أعمال أذرح [رز]. في حين نقل عن بدائع الزهور أن قبره في فلسطين [رس]. وأذرح التي من أعمالها تستر هذه ربما تكون محرفة عن أذرح بالحاء وهي بلد تقع داخل الأردن حاليًا ولا تزال معروفة بهذا الاسم حتى هذا اليوم [رش] أو هي المعروفة بـ بأذرعاتة وهي أيضًا تقع في الأردن حاليًا [رص] وهي منسوبة لأذرح أيضًا [رض]. وأذرح وأذرعات قريبتان جدًا من فلسطين [رط] وهما في الأردن بينها وبين فلسطين. وكان اسم فلسطين في السابق قد يتسع فيضم حتى الأردن. وإذًا فإن هنالك إجماع من هذين العالمين الذين نقل عنهما الشي. العمران في كتابه على أن قبر اليسع في بلاد الشام على العموم، وأنه يقع بين فلسطين والأردن على وجه التحديد. وعبارتاهما واضحتان وصريحتان في أن اليسع بقي في قومه وبلده إلى أن وافاه أجله [رظ]. فلا خلاف إذًا ـ كما نرى بين من نقل عنهم في موضع قبره، وإنما هو سهو من قلم الشي. العمران (رحمه الله). والخلاف الذي عناه ليس خلافًا في الواقع، وإنما كان توضيحًا من الفيروز آبادي والطريحي في كتابيهما القاموس المحيط ومجمع البحرين (على الترتيب) حول تستر المدينة، وأنهما تستران: تستر خوزستان الفارسية وتستر أذرح الشامية. وأن الخلاف الذي نسبه الشي. العمران لهما إنما كان في تهجئة الاسم فقط، هل هو تستر بالسين أم ششتر بالشين؟ والواضح أن كلا الاسمين صحيحان لمدينة واحدة هي تستر فارس، فيقال فيها تستر وهو تعريب لاسمها الفارسي القديم ششتر، كما نقل ذلك عن القاموس للفيروز«بادي ومجمع البحرين للطريحي. أما خلاف في محل قبر النبي اليسع فلا يوجد لدى هذين العالمين ـ الفيروز »بادي والطريحي ـ بل لم يذكرا اليسع على الإطلاق في هذا الموضع.

ليس كل إجماع صحيح، والشي. العمران لم يؤكد نسبة القبر

إن ما توصلنا إليه حتى ال«ن يضع أمامنا أكثر من علامات استفهام حول نسبة قبر ال»جام إلى نبي الله اليسع. فقد رأينا أن مؤلِّفَي «أخبار الدول» و «بدائع الزهور» متفقان على أن اليسع بقي في قومه حتى وافاه أجله ودفن في إقليم الشام سواء في فلسطين أو في أذرح التي هي اليوم في الأردن قرب إربد بينهما 13 ميلاً كما ذكر ذلك ياقوت الحموي [رع]. وإن القول بأنه انتقل قبل مماته إلى القطيف ثم مات ودفن فيها يحتاج إلى دليل قوي يؤيده، لا نراه متوفرًا في تواتر الإجماع بين أهالي الآجام بأن هذا القبر هو للنبي اليسع. ولسنا في حاجة إلى القول بأن كثيرًا من مثل هذه الاعتقادات الخاطئة ـ وخصوصًا فيما يتعلق بقبور الأنبياء وآل البيت ـ منتشرة ليس في واحة القطيف فقط بل وفي جميع دول الساحل العربي من الخليج الفارسي والدول العربية بشكل عام. ومنها ما كان يعتقده حتى وقت قريب بعض أهالي الأحساء في أن القبر الذي يقع قرب مسجد جواثا من الأحساء هو قبر الإمام علي. وكذلك الحال في اعتقادهم بأن العين التي تعرف بعين الوطية الواقعة للغرب من قرية بني معن أنها موضع وطية أمير المؤمنين. وهو اعتقاد مشابه للاعتقاد الخاطئ والباطل الذي كان يعتقده كثير من أهالي قرية القديح بالقطيف من أنه يوجد في قريتهم موضع بخطوة للإمام المهدي. وهذه كلها اعتقادات باطلة رغم تواترها بين الأهالي. بل وأقرب من ذلك إلى موضوعنا ما يعتقده أهالي قرية مرباط جنوب ظفار من سلطنة عمان حول قبورٍ ثلاثة نسبوها للأنبياء أيوب وهود ومن يسمى بالنبي عمران ولا أعرف من هو هذا النبي الذي يسمى عمران [زذ]. وهناك أحاديث مروية تقول إن قبر النبي هود في الغري قرب مرقد الإمام علي. وعليه فهذه الاعتقادات الخاطئة، وغيرها كثير مما يجعلنا نتخذ موقف الحيطة والحذر، بل والتشكيك أيضًا في كون قبر الآجام هو قبر النبي اليسع.

كما أن الشي. فرج العمران (رحمه الله) لم يجزم أو يؤكد في كتابه الأزهار أن هذا القبر هو قبر النبي اليسع حتى وإن سماه بذلك. وكلامه في الأزهار واضح وصريح في أنه إنما كان يزوره بنية حصول المطلوب أو على أمل أن يكون قول أهالي القرية صحيحًا، فيتم المقصود من الزيارة، وإلا فهي أجر وثواب حتى وإن لم يكن القبر قبر النبي اليسع.

لا دخان بلا نار

غير أننا لا يمكننا تجاهل القول القديم المأثور: «لا دخان بلا نار.» وفي الواقع إن الناس جميعًا، ومنذ قديم الزمان، تعودوا على نسبة كثير من الأشياء والمواضع إلى غير أهلها، في حين أن لها أهلًا حقيقيين لم تُنسب لهم هذه المواضع، إما لإعجاب الناس بهذا الشخص الذي نسبوا إليه، أو لحدوث لبس لدى أحد علمائهم في فترة من الفترات حول شيء ما فقرره على جماعته فأخذوا به مسلِّمين اعتمادًا على ثقتهم المطلقة بهذا العالم. وقد يجوز أيضًا أن أحد الناس ـ أيًا كان غرضه ـ ادّعى أنه شاهد في المنام وعالم الرؤيا أن القبر الفلاني ـ مثلًا ـ لفلان من الأنبياء والأولياء، ويؤيد كلامه ما قد يشاهده ويسمعه الناس من كرامات حدثت حقًا أو لم تحدث حول هذا القبر أو الموضع، فتسري الإشاعة بذلك ثم تنتشر حتى تصير يقينًا لا يقبل الشك أو المناقشة. وهكذا دواليك.

لكل ذلك فإنه لا يسعنا أن نعتقد أن قبر الآجام أو الموضع الذي يليه نال هذه الشهرة الكبيرة دون أن يكون فيه رفات رجل عظيم كنَّ له الناس في حياته، وبعد مماته احترامًا عظيمًا. وقد يكون نبيًا أو صديقًا أو صالحًا أو وليًا من أولياء الله، إلا أنه ليس بالضرورة كون هذا القبر هو للنبي اليسع بالذات، والذي لم تسعفنا أي رواية في القول أنه هاج1 من بلده في الشام إلى القطيف أو ما كان يعرف قديمًا بإقليم البحرين [زر]. وإجماع الأهالي، وكذلك وجود جالية من اليهود في هذا الإقليم في السابق، لا يكفي دلالة على أن هذا القبر هو لهذا النبي الكريم. ثم لماذا هذا النبي بالذات من أنبياء بني إسرائيل؟ ولماذا لم يكن لغيره؟ ولماذا اختار الهجرة إلى هذا القطر؟ ولم يختر الهجرة إلى يثرب أو اليمن حيث كان اليهود فيهما أظهر منهم في القطيف وأسبق وجودًا؟

لهذا كله فإني أرى أننا لا نستطيع الجزم بأن قبر الآجام هو قبر النبي اليسع. ولكني في نفس الوقت أرى وأكاد أجزم بأن هذا القبر هو قبر لرجل عظيم فذّ أحبه قومه، ورأوا فيه الحكمة والعلم، والنبوة أيضًا. غير أنه بمرور الوقت أُسْقِط على هذا القبر اسم نبي الله اليسع دون أن نعرف العلة في ذلك، أو السبب الذي جعل الناس يعتقدون بأن هذا القبر هو قبر اليسع.

ولكن يبقى السؤال الملحّ: من هو هذا العظيم الذي اعتقد فيه قومه النبوة يا ترى؟ وما هو اسمه؟ ونسبه؟ ومن هي قبيلته؟

رئاب بن البراء الشني

هنا يبرز اسم شخصية خطيرة من سكان هذه المنطقة القدماء، وصفه بعض المؤرخين العرب القدامى بأنه كان نبي قومه، و«خرون قالوا عنه إنه كان كاهنهم، وقال البعض ال»خر إنه كان حجة زمانه. هذه الشخصية هي شخصية رئاب بن البراء الشَّنّي. وقد توفر لي من القرائن ما يجعلني أكاد أجزم أن هذا القبر إنما هو لنبي قومه هذا، ولكن قبل أن نلقي القول جزافًا تعالوا بنا نتعرف عن كثب على هذه الشخصية الخطيرة.

اسمه ونسبه

اختلف المؤرخون في اسمه واسم أبيه، وإن كان اختلافهم هو إلى التحريف أكثر منه إلى الاختلاف، اللهم إلا اختلافهم في اسم أبيه فهو اختلاف واضح بالفعل. فعند الكلبي وابنه هشام ـ وهما عميدا النسب العربي ـ أن اسمه رئاب [زز]. ووافقهما على ذلك كلٌّ من المسعودي [زس] وابن قتيبة [زش] وابن دريد [زص] وابن عبد ربه [زض] وأخيرًا ابن حزم [زط]. في حين ورد عند آخرين أن اسمه رباب، وهو ما نلاحظه عند أبي الفرج الأصفهاني [زظ]. وأعتقد جازمًا أن ذلك تصحيف من النسا. الذين نسخوا كتاب الأغاني، أو هو تطبيع من قبلهم أو من قبل من طبعوه ونشروه، وذلك لأني وجدت في ديوان ابن المقرب الذي طبعه المكتب الإسلامي بدمشق مصورًا عن الطبعة الهندية نفس الخطأ حيث كتبوا عن شارح ابن المقرب أن اسمه رباب أيضًا بالباء وليس بالهمزة أو الياء، وذلك في قول ابن المقرب:

فقبلي أخو شَنِّ بن أقصى        أضاعه بنو عمّه دون الورى وفصائله

وعلق الشارح على ذلك بقوله: وأخو شنّ: رباب بن البر. انتهى [زع]. غير أنه بالرجوع إلى نسخة خطية ونادرة لهذا الديوان نسخت عام 963 هجرية تحتفظ بها المكتبة الرضوية [سذ]، وناسخها رجل من الأحساء يدعى محمد بن علي بن محمد النجار الحساوي، وجدنا في البيت السابق نصًا نادرًا عن رياب أو رئاب الشني، وقد ذكر باسمه الصحيح رياب وذلك بتسهيل الهمز كما هي عادة أهالي المنطقة. ويتضح من القصة النادرة التي أوردها عنه ـ وستراها فيما بعد ـ أن الشارح لم ينقل ذلك عن مصدر من المصادر العربية المعروفة لدينا، والأرجح أنه نقلها إما من مصدر مفقود الآن أو من الروايات المتوارثة في الشارح، وهو قريب جدًا من ابن المقرب الذي توفي تقريبًا سنة 633هـ. ثم يبدو أن الشارح من بني عبد القيس قبيلة الشاعر ابن المقرب وكذلك قبيلة صاحب الترجمة رئاب الشني، وهو من نفس المنطقة أيضًا ـ أي إقليم البحرين القديم ـ قد ذكر لنا نسب رئاب كاملًا، وهو أكثر كمالًا حتى من السلسلتين اللتين ذكرهما عميدا النسب العربي محمد بن السائب الكلبي وابنه هشام. ففي قول ابن المقرب:

فإن ضيعت حقّي لكيزٌ وأنكرت         بنو عامرٍ سعيي لها واجتهاديا

فقد ضيّعت قبلي ربابًا نبيها وما        كنت أرضى لابن أفصى مساويًا

وقال الشارح يعني رياب بن البراء بن زيد بن عمرو بن معاوية بن جابر بن الضبيب بن عوف بن هريم بن مرة بن ثعلبة بن الجعيد. تزعم عبد القيس أنه كان نبيًا، وله حديث طويل.

وكما نلاحظ فإن الناسخ قد كتب في بيت الشعر «ربابًا» في حين أنه رجع في الشرح فكتبه «ريابًا» بالياء. وإن كان يبدو أنه لم يكن متأكدًا من ذلك فوضع نقطتي الياء إحداهما كبيرة والأخرى أصغر منها. وهذا كله لا يجعلنا نشك في اسم صاحب الترجمة، بل إننا صرنا أكثر يقينًا من أن اسمه رياب بالياء المثناة وليس رباب بالباء الموحدة. هذا مع العلم أن تصحيف رباب إلى رئاب أو العكس وارد جدًا، ولا سيما إذا عرفنا أن الناسخ قد كتب الاسم في موضع آخر سوف نراه بعد قليل بالضبط الصحيح. كما وأن الهمزة في رئاب قد تكتب ياءً حسب القاعدة التي كان أهالي المنطقة يكتبون بها، وهو مما يقوي الظن على أن رباب ما هو إلا تحريف واضح عن رياب للتقارب اللفظي الكبير بين هاتين الكلمتين. وبالتالي فإننا نرجح جازمين ومحقين أنه «رئاب» بالهمزة، أو «رياب» بتسهيلها، وأن أبا الفرج الأصفهاني وابن المقرب قد كتبا الاسم «رياب» بالياء ثم حرفه من نس. كتابيهما إلى «رباب» لغرابة الاسم الأول واشتهار الثاني، وهو ما يعرف في اللغة بالتطبيع.

وكذلك الخلاف في اسم أبيه، فهو عند الكلبي وابنه هشام اسمه زيد بن عمرو [سر]. وعن أحدهما أو كلاهما نقل صاحب العقد الفريد ذلك [سز]. وأما ابن قتيبة وابن دريد وأبو الفرج الأصفهاني وابن حزم وشارح ديوان ابن المقرب فقد اتفقوا جميعًا على أن اسم أبيه هو البراء بن زيد بن عمرو [سس]. وواضح من النسب الذي ساقه شارح ديوان ابن المقرب العبدي أن اسم أبيه هو البراء، وأن زيدًا هو اسم جده لأبيه، وأن اسم البراء قد سقط (لعل ذلك من النساخ) من النسب الذي ساقه الكلبيان، واللذان انفردا بذكر سلسلة نسبه كاملة إلى البطن الذي ينتمي إليه وهو (شن بن أفصى)، ثم إلى القبيلة التي تفرع منها هذا البطن وهي قبيلة عبد القيس. وفي آخر البحث يرى القارئ سلسلة نسب رئاب كما وردت عند الكلبيين في كتابيهما النسب ونسب معد واليمن الكبير على التوالي، وكذلك السلسلة التي ساقها شارح ديوان ابن المقرب والتي نرجح أنها أصح السلاسل الثلاث.

ويلاحظ هنا أن محمد بن السائب الكلبي اختصر في ذكر آبائه بين صُبيب (أو ضبيبة) وبين ثعلبة بن الجعيد، الذين انفرد ابنه هشام بذكرهم إلا أن هشامًا لم يذكر في آبائه معاوية الذي ذكره أبوه كما هو واضح هنا. وإن كانا قد اتفقا جميعًا مع شارح الديوان المقربي على أن رئاب من بني ثعلبة بن الجعيد بن صَبِرة بن الدِّيل بن شَنِّ بن أفصى بن عبد القيس بن أَفْصى بن دُعْميّ بن جَديلة بن أسد بن نزار بن معد بن عدنان. وبنو ثعلبة هؤلاء لا نعرف عنهم شيئًا، ولم تسعفنا المصادر بذلك. غير أن القبيلة (شن بن أفصى) التي ينتمي إليها الفخذ (بنو ثعلبة بن الجعيد) معروفون جدًا ولهم في التاريخ ذكر مشهور. ويهمنا أن نسجل هنا بعض هذا الذكر لتعلقه بموضوع بحثنا هذا.

بنو شن بن أفصى من قبائل القطيف القديمة

لقد اشتهر بنو شن بن أفصى هؤلاء من قديم الزمان. فمن أقدم ما وصل إلينا من أمثال العرب مما ذكره الميداني في مجمع الأمثال وغيره قولهم: «يَحْمِلُ شَنٌّ ويُفَدَّى لُكَيْز.» ويروي الكلبي في قصة هذا المثل أن شنًّا ولكيزًا ابنا أفصى بن عبد القيس، وأن أمهما ليلى بنت فَرَان بن بلي بن الحاف بن قضاعة. وكان شن يلطفها ولكيز يعقها، فحملها شن ذات يوم فجعلت تقول «فديت لكيزًا» فرمى شن بها من الجبل، وكانت عجوزًا كبيرة فماتت. فقال شن: «دُونك لُكيْز جَعَراتُ أمِّك.» وقال «يَحْمِلُ شَنٌّ ويُفَدَّى لُكَيْز.» فذهبت هاتان الكلمتان مثلًا [سش].

هذا عن الأب، أما نسله فقد تكاثروا بعد ذلك حتى صار يضرب بهم المثل في القوة والمواجهة في الحروب، حتى قيل في الأمثال القديمة: «يا شَنُّ أَثْخِني قاسِطًا.» وأصله كما يقول الميداني أنه لما وقعت الحرب بين ربيعة بن نزار عبأت شنُّ لأولاد قاسط، فقال رجل: «يا شنّ أثخني قاسطًا.» فذهبت مثلًا [سص]. ولأجل ما أظهروه من شجاعة منقطعة النظير في حروبهم هذه وغيرها، فقد تسلموا زعامة عبد القيس بل وربيعة كلها دون منازع، وبقيت هذه الزعامة فيهم حتى وصلت إلى قائد عظيم منهم هو الجُعَيْدُ بن صَبرَة بن الدِّيْل بن شَنّ بن أفْصَى بن عبد القيس، وهو الجد الحادي عشر لرئاب بن البراء صاحب الترجمة [سض]، الذي لم يكن زعيمًا لعبد القيس فحسب بل كان زعيمًا لقبائل معدّ بن عدنان قاطبة، وهو ما عناه الحارث بن مرة بن ذهل بن شيبان البكري عندما قال:

غنينا في تهامة قاطنيها      ليالي العزّ أيام الجعيد

تدين له القبائل من معدٍّ      كما دانت قضاعة لابن زيد [سط]

ثم بعد موته انتقلت الزعامة إلى ولده عمرو بن الجعيد الذي لا يقل شهرة عن أبيه، وهو أخٌ لثعلبة بن الجعيد الجد العاشر لرئاب الشني. وإن كان أبو الفرج الأصفهاني يرى أن رئاب أو رباب بن البراء من أولاد عمرو بن الجعيد هذا لا أخيه ثعلبة بن الجعيد [سظ]. وعلى كل حال فقد كُتب لعبد القيس على يد زعيمها عمرو بن الجعيد أن تفارق ديارها الأولى وهي أرض تهامة ليرحلوا نحو شرق الجزيرة العربية، وبالتحديد على الساحل الغربي للخليج الفارسي، فيما كان يعرف سابقًا باسم إقليم البحرين الممتد من البصرة إلى عمان [سع]. وكان عليهم أن يتقاتلوا مع قبائل ذات قوة ومراس شديدين، ألا وهم قبائل تنو. وبكر وقبيلة إياد ذات الصيت الذائع والبأس الشديد. وكما هو المتوقع كان لبني شن بن أفصى بن عبد القيس الفضل الكبير في حربهم مع إياد وطردهم عن قرى البحرين ونزولهم هم وباقي بني عمومتهم من عبد القيس في هذه القرى والمواضع، في حين انسحبت قبيلة إياد منكسة الرأس إلى أراضي العراق. ولما أظهره بنو شن بن أفصى من شجاعة نادرة في هذه الحرب فقد سجلت لنا كتب الأمثال مثلًا شهيرًا جدًا يبين لنا مدى قوة هذا البطن وشدته وهو قولهم: «وافق شَنٌّ طبقة.» وفي ذلك يقول الميداني: «وقال ابن الكلبي: طبقة قبيلة من إياد كانت لا تطاق، فوقع بها شن بن أفصى بن عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار، فانتصف منها، وأصابت منه، فصار مثلًا للمتفقين في الشدة وغيرها. قال الشاعر: