تاريخي

مذكرات بلجريف: الجزء الأول

مذكرات بلجريف مستشار حكومة البحرين سابقاً
تأليف السير تشارلز بلجريف
ترجمة مهدي عبد الله
الطبعة الأولى 1411 هـ ـ 1991 م

اهداء
إلى أم أيمن
رفيقة الدّرب
أُهدي باكورة أعمالي
مهدي عبد الله
المترجم
ـ مهدي عبد الله
ـ بحريني الجنسية
ـ بعد إكماله الثانوية العامة حصل على بعثة لدراسة الهندسة في الجامعة الأمريكية في بيروت حيث أمضى ثلاث سنوات هناك، لكنه لم يستكمل دراسته.
ـ حصل على شهادات في مجال برمجة الكمبيوتر والمحاسبة واللغة الإنجليزية.
ـ عمل مترجماً ومحرّراً في العديد من الصحف والمجلات المحلية.
ـ له اهتمامات بكتابة القصة القصيرة وترجمة المواضيع المتعلقة بتاري. البحرين الحديث، كما يهوى التصوير الفوتوغرافي.
ـ يشغل حالياً منصب مساعد سكرتير مجلس الإدارة بالشركة العربية لبناء وإصلاح السفن بآسري في البحرين.
ـ عضو مجلس إدارة نادي جد حفص الثقافي والرياضي.
شكر واجب
أتقدم بالشكر إلى الأستاذ علي سيار، رئيس تحرير مجلة صدى الأسبوع البحرينية، الذي أتاح لي الفرصة لترجمة الكتاب، كما أشكر أسرة تحرير المجلة على تعاونها معي لإخراج حلقاته بالصورة اللائقة، وأخص بالذكر الصديق الشاعر أشرف عامر والمخرج عبد العزيز الحميد.
الفصل الأول
جريدة التايمز وراء عملي في البحرين.
في صباح يوم العاشر من أغسطس 1925، كنت أتناول طعام الإفطار في شقتي الكائنة في تشلسي. وبعد أن انتهيت من إفطاري أخذت أتصفح جريدة التايمز، ولفت نظري الإعلان التالي في زاوية الوظائف الشاغرة:
مطلوب شاب يتراوح عمره بين 22 إلى 28 سنة على أن يكون جامعياً أو أنهى الدراسة العامة وذلك للعمل في دولة شرقية.
يعطى المرشح المناسب راتباً جيدًا. ويجب أن يكون المتقدم لائقاً جسمانياً، وله معارف كثيرون يمكن الرجوع إليهم. الطلاقة في اللغة الإنجليزية عامل مساعد للقبول. يرجى الكتابة إلى جريدة التايمز.
كنت وقتها في إجازة بعد أن مضيت عامين في تنجانيقا بشرق أفريقيا حيث كنت أعمل ضابطاً إدارياً في قسم خدمات المستعمرات وكان هناك أمل ضئيل بعودتي إلى تلك البلاد، بالإضافة إلى إنني أعتزم الزواج، وكنت أرى أن لا مستقبلاً مشرقاً ينتظرني في تلك الوظيفة بمرتبها المحدود الذي أحصل عليه من العمل في ذلك القسم.
قبل الذهاب إلى أفريقيا، كنت ضابطاً احتياطياً في الجيش بعد أن درست في جامعة أكسفورد وحصلت على شهادة جامعية. وقد عملت في خدمة الجيش في السودان وفلسطين ومصر، وتعرّفت خلال خدمتي في هذه البلدان العربية على العديد من الأصدقاء وتعلمت التحدث باللهجة المصرية ولكن ليس إلى درجة الإتقان.
وكان أن كتبت إلى الجريدة أرشح نفسي لشغل الوظيفة المعلن عنها ربما بداعي الفضول أكثر مما كنت أتوقع بأن ذلك قد يؤدي إلى شيء ما في المستقبل.
وبعدها بأيام استلمت رسالة تتضمن أسئلة كثيرة عن شخصي أكثر من الأسئلة الموجهة لمعرفة قدراتي الوظيفية.
لذلك رأيت قبل أن أجيب عن الأسئلة أن أستشير شخصين خبيرين بأُمور الحياة وعلى معرفة بالعالم. أحدهما قال لي أن هذه الوظيفة غير مأمونة العواقب ومشبوهة، بينما قال لي الشخص الآخر: من الأفضل أن تبقى هنا.
لكن السير ريجنالد ونجيت الذي عملت تحت خدمته في السودان نصحني بمتابعة الموضوع. وقد أخذت بنصيحته وأجبت على استفسارات الرسالة. وكان من ضمن الأسئلة سؤال حول هواياتي، وذكرت في ردي على هذا السؤال بأنني أهوى الرسم. وقد علمتُ فيما بعد، أن هذه الهواية كانت سبباً كبيراً في تقليل فرصتي للحصول على الوظيفة.
ولا زلت حتى اليوم لا أفهم كيف ينظر إلى الرسم بعين الشك والحذر.
بعدها بأيام دعيت لحضور مقابلة بفندق يقع في وست إند حيث التقيت مع رجل بدا من هيئته أنه غير عادي ومليء بالنشاط وله لحية بارزة. وقد سألني أسئلة كثيرة لا حصر لها وبعدها أخبرني أن الوظيفة ستكون في البحرين بالخليج العربي.
كانت معلوماتي عن الخليج شحيحة جدًا، وأذكر أن طاقم السفينة التي نقلتني في طريق عودتي من الإجازة وصفه لي بأنه جهنم. أما البحرين فلم أكن أعرف عنها شيئاً. وقال لي الرجل الذي قابلني وهو الميجور كليف ديلي، من قسم الخدمات السياسية الهندية منهياً المقابلة بأن هناك عدداً كبيراً من المرشحين لهذه الوظيفة.
بعد المقابلة رأيت نفسي في شوق للحصول على الوظيفة، وعندها حاولت أن أجمع كل ما أستطيعه من المعلومات عن البحرين. لم يكن أحد قد سمع عن ذلك البلد من قبل وظن أصدقائي أنه من العيب جداً أن يعلن عن وظيفة ذات مسؤولية حكومية في زاوية الوظائف الشاغرة بجريدة التايمز.
وفجأة ورد اسم البحرين ضمن الأخبار، حيث هبت عاصفة شديدة الخليج العربي وتسببت في غرق العديد من قوارب أسطول صيد اللؤلؤ وذكرت الصحف البريطانية بعض المعلومات الخاطئة عن جزر البحرين والتي قرأتها بتلهف.
ولا يزال أهل البحرين إلى اليوم يتذكرون تلك السنة المشهورة لديهم والمعروفة باسم سنة الطبعة، حيث يؤرخ بها للأحداث التي وقعت في البحرين على أنها قبل الطبعة أو بعدها.
ثم دعيت لحضور مقابلة أخرى في لندن، هذه المرة مع الكولونيل بريدوكس المقيم البريطاني في الخليج الذي أوضح لي بأن البحرين إمارة عربية مستقلة تربطها علاقة معاهدة حميمة مع بريطانيا لمئات السنين.
وأضاف الكولونيل أن الحاكم الحالي للبحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة قد زار إنجلترا مؤخراً لأول مرة وأعرب عن رغبته في توظيف شخص إنجليزي كمستشار له. واستطرد الكولونيل: إنه نظراً لعدم توفر الشخص المناسب لهذا المنصب رأى الوكيل السياسي كليف ديلي أن ينشر إعلاناً عن تلك الوظيفة في التايمز.
ثم جاءت اللحظة الفاصلة في مكتب الهند بلندن الذي كان يختص بشؤون الخليج حيث قابلني هناك السير آرثر باثرمان المستشار السياسي لوزير الخارجية لشؤون الهند الذي أعرب عن قبوله لي لشغل منصب مستشار الشيخ براتب قدره 720 جنيهاً إسترلينياً سنوياً بالإضافة إلى علاوة شهرية مقدارها 15 جنيهاً، وكان هذا المبلغ مغريًا بالنسبة لي قياساً إلى رواتب تلك الأيام.
وكان أحد شروط التعيين ألاّ آخذ إجازة بعد إكمال أربع سنوات من العمل وقد وافقت على هذا الشرط. لكنني بعد أن عشت في البحرين وجربت صيفها الملتهب الحرارة قبل توفر المراوح الكهربائية والثلاجات والمياه الموصلة للبيوت، طلبت من الشي. أن يعطيني إجازة مرة واحدة كل سنتين وقد وافق الشيخ على ذلك.
وبناء على نصيحة الميجور كليف ديلي التحقت بمعهد الدراسات الأفريقية والشرقية لمدة ثلاثة أشهر لتقوية حصيلتي من اللغة العربية وللتحدث بصورة سليمة.
في يناير من عام 1926 تمت خطوبتي على مارجوري لبل باريت لينارد التي كان والداها صديقين قديمين لعائلتنا. كما لم تكن لأحد من أفراد العائلتين أية علاقة خاصة بالشرق. كما لم أكن أنا أو خطيبتي في ذلك الوقت نتصور الظروف المعيشية البدائية المتعبة التي سنواجهها خلال سنواتنا الأولى التي سنقضيها في البحرين.
قبل السفر، أبلغني الميجور ديلي بأنه بإمكاني أن أنفق مبلغ 200 جنيه لشراء أثاث للبيت الذي تم بناؤه خصيصاً لي في البحرين. وفي تلك الأيام كان هناك شيء قليل جداً يمكن أن يشتريه الناس لاستعمالهم الخاص ولذلك طلبت تزويدي بمؤونة من الخضروات ومن الأطعمة المعلبة لفترة سنة كاملة.
وقد اكتشفت إنني ارتكبت خطأ بطلب كميات كبيرة من علب طحين الكعك والكاسترد، حيث يندر استعمالهما في البحرين.
تزوجت في 27 فبراير 1926 بكنيسة القديس مارك في برايتون وكان حفل الزواج كبيراً وممتعاً. وعند ذهابنا للندن أخبرت زوجتي بأنني لا أعتقد بأننا يجب أن نبقى في البحرين لأكثر من أربع سنوات كحد أقصى.
مكثنا خمسة أيام في لندن ثم بدأنا رحلة شهر العسل في طريقنا إلى البحرين. وكان أول خط في الرحلة هو التوجه بالقطار إلى سويسرا حيث قضينا عدة أيام ركبنا بعدها سفينة نقلتنا إلى ميناء الإسكندرية ومنها إلى القاهرة. وبعد قضاء ليلة واحدة في القاهرة استقللنا قطاراً متجهاً إلى حيفا بفلسطين، وهي قرية جميلة وهادئة. ومن حيفا ركبنا السيارات إلى بغداد عبر بيروت وطرابلس وبعلبك والرطبة. وكانت السيارات التي ركبنا فيها مكشوفة تقريباً، والرحلة شاقة ومرهقة جداً.
عموماً كان السفر عبر الصحراء مغامرة غير مأمونة حيث كان رجال القبائل من الدروز في حالة ثورة وتمرد ضد الفرنسيين وكان هناك خطر دائم من مهاجمتهم لنا. وصلنا بغداد ونحن متسخين جداً ومتعبين.
وبعد أن بقينا ليلة واحدة فيها انطلقنا بالقطار إلى البصرة للحاق بالسفينة التي تنقل البريد الخاص بالهند البريطانية كل أسبوعين مرة واحدة مروراً بالبحرين. لكن لسوء حظنا، كانت السفينة قد أبحرت قبل موعدها على غير المعتاد. لذلك فاتتنا فرصة السفر على متنها.
في ذلك الوقت كان لديّ القليل من المال، ولم أكن أعرف أحداً في البصرة وخشيت أن يحدث لنا مكروه أثناء فترة الانتظار التي امتدت لأسبوعين فقمت بإرسال برقية إلى الكولونيل بريدوكس في مدينة بوشهر بإيران أسأله فيها عما ينبغي عمله. ولحسن حظي قام الكولونيل بعد استلام برقيتي بترتيب نقلي في سفينة حربية متجهة إلى الهند مروراً ببوشهر.
قضينا أنا وزوجتي ليلة واحدة في منزل الكولونيل بريدوكس ببوشهر التي كانت واحدة من أهم الموانئ سابقاً ولكنها أصبحت الآن مليئة بالدكاكين الخالية التي يبدو أنها في طريقها إلى الانقراض.
هذه المدينة الفارسية الرئيسية هي أقرب ميناء للبحرين. وعبر هذه المدينة هاجم الإيرانيون البحرين واستطاعوا أن يحكموا سيطرتهم عليها لفترات متفاوتة من تاريخها. لكنهم لم يكونوا الدولة الوحيدة التي سيطرت على البحرين.
فقد احتلها البرتغاليون لفترة تقارب المائة عام إلى أن تم طردهم على أيدي الفرس والعرب من سكان البحرين في عام 1602.
وقد حكم الإيرانيون جزر البحرين حتى تم دحرهم بواسطة العمانيين تحت سيطرة الوهابيين، ولكن ولمرة أخرى استطاع حاكم بوشهر أن يدخل البحرين ويسيطر عليها في منتصف القرن الثامن عشر، على أن الأمر لم يدم للإيرانيين فقد تمت هزيمتهم وطردهم على يد آل خليفة أجداد الحاكم الحالي للبحرين الذين هاجموا الجزيرة من الزبارة على الساحل القطري حيث كانوا يقطنون. وهكذا ومنذ عام 1783 أصبح «ل خليفة هم حكام البحرين حتى ال»ن.
كانت تلك هي المرة الأولى والوحيدة التي تحط فيها قدماي على أرض فارسية وكان أسفي عظيماً لأنني لم أتمكن طوال حياتي من رؤية المدن الفارسية الجميلة. ويعود السبب في ذلك إلى أن إيران كانت تطالب بالبحرين باعتبارها تابعة لها.
في اليوم التالي ركبنا سفينة البرقيات باتريك ستيوارت التي كانت متجهة إلى البحرين. وبعد قضاء ليلة صعبة في البحر وقفت السفينة على بعد ثلاثة أميال من ساحل الجزيرة الطويلة والمنخفضة. كان البحر ساعتها هادئًا ومياهه خضراء لامعة. وعلى الساحل انتشرت أشجار النخيل. وكان قبالة المرسى الذي وقفنا فيه مدينة. وإلى الشرق على بعد أميال قليلة توجد مدينة أخرى على جزيرة مجاورة. وتجمعت قوارب صغيرة لتنقل الأهالي الذين يرتدون الثياب البيضاء عبر البحر إلى هاتين المدينتين.
لقد وصلنا إلى نهاية رحلتنا: إذن هذه هي البحرين.
الفصل الثاني
الشيخ حمد تولى رئاسة البلدية لتأخذ قراراتها قوة القانون.
نزلنا من السفينة إلى قارب صغير بلنش في المياه الضحلة التي تبعد ثلاثة أميال عن الساحل وبعد قليل وصلنا إلى رصيف حجري بالفرضة، حيث كان الميجور ديلي في استقبالنا.
تذكرت وأنا أطأ أرض الفرضة اللورد كروزن نائب ملكة بريطانيا في الهند عندما زار البحرين عام 1901 م حيث لم يكن الرصيف قد بني بعد.
وقد تم يومها نقل ذلك الرجل المهم جداً في قارب خاص وهو يجلس على كرسي شد إلى ذلك اللنش.
وبعد سنوات من هذه الحادثة نُقل أحد المقيمين السياسيين بنفس الطريقة بحجة أنه كان مصاباً بداء المفاصل ولا يقوى على الحركة أو تحمل اهتزازات القارب وما كان ذلك صحيحاً وإنما كان الرجل يريد أن يقلد اللورد.
بعد بناء الرصيف، لم تكن عملية نزول الشخصيات الرسمية تجري بصورة لائقة بمقامها: إذ كان على هذه الشخصيات أن تقفز من قارب متحرك إلى درجات سلم الرصيف غير الثابتة، وعادة ما تكون في استقبالها فرقة الاستقبال إلى جانب الحرس الشرفي وفرقة الشرطة.
أما اليوم فالناس ـ في البحرين ـ أو معظمهم يسافرون جواً أو عن طريق البحر لكن بسهولة أكثر، إذ أصبح باستطاعة القوارب أن تنقل المسافرين من السفينة إلى الرصيف الممتد مسافة ربع ميل فقط داخل البحر، بكل يسر.
مع ذلك ما زالت السفن ترسو على بعد ثلاثة أميال من الفرضة.
a a a
استقبلنا الميجور ديلي على الرصيف وكان قد وصل إلى هناك بسيارته.
a a a
بعد أن رحب الرجل بنا، أخذنا معه في سيارته في جولة بالمنامة حيث شاهدنا السوق ذي الشوارع بالأزقة شديدة الضيق ومن ثم اتجهنا إلى الوكالة (القنصلية) البريطانية المنتصبة على الساحل. كان مبناها ضخماً وبه شرفات ونوافذ كثيرة. وقد تم تشييده سنة 1900 م بتكلفة قدرها ألفي جنيه إسترليني. وكان الناس يعتبرونه في ذلك الوقت المبنى الأكثر جمالاً واتساعاً في البحرين. وقد أجريت بعض التعديلات والتوسيعات عليه خلال النصف قرن الماضي.
وفي سنة 1954 انهار سقف المبنى دون سابق إنذار وحطم بذلك غرفة الأكل بعد لحظات من انتهاء المقيمين من تناولهم الطعام في نفس المكان.
وعلى أثر ذلك الحادث تم تشييد مبنى جديد في عام 1955.
هناك استقبلتنا زوجة الميجور ديلي بحفاوة بالغة وتم تعريفنا بالشخصيات القيادية في هذا البلد.
ونظراً لوصولنا في شهر رمضان فقد كان المكان هادئاً جداً.
مدينتا المنامة والمحرق كانتا نموذجين للمدن العربية الساحلية، إذ كانت البيوت مشيدة من الصخور المستخرجة من البحر. وقليل منها كان يتألف من طابقين أو أكثر.
أما الأزقة والطرق داخل المدينتين فقد كانت جداً ضيقة ومتعرجة والدكاكين صغيرة ذات أبواب خشبية ولا توجد إلاّ بضائع قليلة ذات منشأ أوروبي.
أما الأسماك والخضروات واللحوم فقد كانت تباع في محلات صغيرة مكشوفة بفرشات.
وكانت المباني الوحيدة الملفتة للانتباه: الوكالة البريطانية وبيوت الإرسالية الأمريكية التبشيرية، ومكتب شركة ما بين النهرين وفارس، وكيلة خطوط الملاحة الهندية البريطانية في البحرين.
بعد أيام قليلة من وصولنا أخذني الميجور ديلي إلى المكاتب الحكومية وهي: مبنى الجمارك، ومكتب الشيخ، والمحكمة، وكلها موجودة في بيتين آيلين للسقوط قرب الميناء. وكان معظم الموظفين والكتاب من الهنود العاملين تحت إشراف كلودي جيردينير ضابط الجمارك الإنجليزي.
كما كان هناك ضابط شرطة إنجليزي يعمل هو الآخر معهم وهو من الجيش الهندي. وكان الرجلان هما المسؤولين الوحيدين يعملان في خدمة الشيخ.
رئيس مكتب الشيخ حمد اسمه الحاج صق11 الزياني، وهو رجل طاعن في السن ذو شخصية جذابة. كما يعرف كل كبيرة وصغيرة عن كل شخص في البحرين. وكان لهذا الرجل فضل تعليمي الطريقة التي يجب أن أتعامل بها مع الناس بحسب مكانتهم وكان مواظباً على العمل في مكتبه حتى وفاته. وكان الشابان اللذان يعملان تحت إشرافه يتكلمان القليل من الإنجليزية.
أما مكتب الشرطة فقد كان موجوداً في قلعة خلف المدينة فيما كان مركز الشرطة يقع وسط السوق بأحد الدكاكين.
في ذلك الوقت لم يكن يوجد بالبحرين سوى مدرسة واحدة أما البلدية فكانت بالمنامة ويرأسها الشيخ حمد بنفسه؛ وذلك حتى يضفي على القرارات التي تتخذها صبغة القانون.
كان لدى البعثة التبشيرية الأمريكية مستشفى صغير يعمل به مساعد جراح ملحق بالوكالة، وبه أُسرّة قليلة في الطابق الأرضي في بيته ويحمل اسم مستشفى الملكة فكتوريا التذكاري ذا الشهرة الواسعة.
كما كانت طرقات المدينة غير معبدة، والطرق المؤدية إلى داخل الجزيرة يغلب عليها الطابع الصحراوي.
أما البيوت فقد كان معظمها مسقفاً بسعف النخيل والحصر، وتسمى الحجرة الواحدة منها برستي.
الماء الذي يشربه الناس كان يجلب من العيون الجارية. وهو غير صحي، مع ذلك كان يباع في السوق.
أما الماء الذي يستخرج من أحد الآبار التي تقع على بعد ثلاثة أميال من المنامة، فقد كان يباع بسعر مرتفع جدًا، إذ كانوا ينقلونه في قرب من الجلد على ظهور الحمير، ورغم هذه الظروف البائسة كان الناس أصحاء الأبدان، سعداء.
a a a
بعد أيام انتقلنا إلى سكن آخر مؤقت في بيت عربي قديم يطل على مكاتب بصدد البناء، وتوجد فوق هذه المكاتب شقة تعد لسكننا في أقرب وقت.
كان الدور الأرضي للبيت الذي انتقلنا إليه والذي يستخدمه المالك مخزنًا له، مليئًا بالفئران.
والطابق العلوي مكون من غرفتين واسعتين، وعلى السطح يوجد المطب. والحمام. ولم تكن الكهرباء قد دخلت بعد إلى البحرين ولذلك كان لزاماً علينا استخدام الشموع والمصابيح الزيتية وقد عانينا طويلاً من الحرارة المنبعثة من المصابيح التي تهدد بالانفجار، ومن ذوبان الشموع.
الماء المالح كان يحمله إلينا رجل في تنكتين يعلقهما في عصا طويلة يحملها على كتفيه.
أما الماء الصالح للشرب فقد كان يأتينا من السفن التي كانت تحمل البريد للبحرين مرة كل أسبوعين ولأن الثلج لم يكن متوفراً آنذاك فقد كنا نضع الماء في أوانٍ فخارية لتبريده، وكانت المرافق الصحية على النمط الهندي.
بالنسبة للطب. فقد كان يتم في موضع طيني وذلك بإشعال النار في الفحم.
وكنا ندفع للخدم الثلاثة تسعة جنيهات شهرياً مقابل خدمتهم لنا وكنت أرى المبلغ ـ آنذاك ـ كبيرًا لكنه تضاعف بعد ذلك ليصل في السنين الأخيرة إلى ستين جنيهاً.
من ناحية ثانية كانت جدران المطب. الخشبية كثيرة الاهتزاز تصدر عنها أصوات مزعجة كلما هبت الرياح.
وعند بداية إقامتنا بالسكن الجديد سلمنا الميجور ديلي بعض القطع من الأثاث على سبيل الإعارة في انتظار وصول حاجياتنا من بريطانيا.
a a a
كان أول ظهور لي أنا وزوجتي في حفلة أقامتها البعثة الأمريكية وحضرتها الجالية الأوروبية في البحرين والتي كانت مكونة من اثني عشر شخصًا.
وقد أشاعت الشركة التي كان يتم بها إقامة المبنى، الذي سنقيم به مستقبلاً، فينا روح التفاؤل، إذ كان البناؤون ينجزون عملهم وهم يرددون الأغاني والأهازيج الشرقية.
ونتيجة عملية البناء أصبحت جميع قطع الأثاث بما في ذلك هدايا زواجنا مغطاة بطبقة سميكة من الغبار. رغم ذلك فقد استمتعنا بالحياة هناك.
a a a
بعد أربعة أيام من وصولنا دعانا الشيخ حمد إلى لقائه بقصره الكائن بالصخر. وقد أقلتنا سيارتان يصحبنا الميجور ديلي وزوجته وابنه ذي السبع سنوات وعبد الله بن جبر الدوسري سكرتير الشي. وهو رجل وسيم جدًا من قبيلة الدواسر شبيه بكبار نجوم السينما هذا فضلاً عن الميجور فرانك هولمز.
وفرانك هولمز نيوزيلاندي مثل شركة بريطانية صغيرة حصلت على امتياز للتنقيب على النفط وحفر الآبار في البحرين من قبل الشيخ حمد. ولم يكن هذا الشخص عادياً فقد كان يذكرني سومرست موم الأديب الشهير الذي عاش متنقلاً بين أرجاء العالم، يشتاق الجميع إلى سماع قصصه الحية عن الناس الذين قابلهم في حياته. ورغم أنه كان يبدو كشخص استعماري ماكر، فإن سلوكه ينطوي على قدرة كبيرة في التعامل مع العرب لم يكن يتحدث إلا بلغته مع ذلك فهو يستطيع التفاهم جيدًا مع المواطنين البحرينيين الذين تعودوا على طريقته في الصرا. في وجوههم بل وضربهم على ظهورهم أحيانًا.
وهو رجل ضخم الجثة، أحمر الوجه بفعل حرارة الشمس ذو عينين زرقاوين يضع قبعة على رأسه، ويرتدي صدرية تحت معطفه دائماً حتى في فصل الصيف ويحمل عصاً يستخدمها للمشي ويضرب بها سائقه إذا أسرع كثيرًا أو أبطأ من اللازم.
كان دائماً يتباهى بأنه كان يعطي خدمه أجوراً إضافية مقابل معاملتهم بمثل هذه القسوة.
وكان الرجل واسع الخبرة والمعرفة في مجالات الأدب والتاري. الطبيعي والإنجيل وعلوم الفضاء والجيولوجيا، إضافة إلى اهتمامه بالتحف الشرقية المصنوعة في الصين.
لقد كان هولمز إحدى الشخصيات القليلة التي قابلناها في الأيام الأولى لوصولنا، والذي كان يتكلم لغتنا، وقد ازداد حبنا له بقدر تعرفنا عليه.
ويرجع الفضل في اكتشاف النفط في الخليج لهذا الرجل. فقد كان واثقاً منذ البداية من وجود البترول في البحرين.
a a a
بعد مغادرتنا مدينة المنامة، سلكنا طريقاً ملتوياً تمتد على جانبيه بساتين النخيل.
وبعد أن اجتزنا هذه البساتين دخلنا في الصحراء المفتوحة ثم صعدنا إلى مرتفع عبر مساحة واسعة من القبور والمدافن التلالية ذات التلال العالية، ومن هناك شاهدنا جبل الدخان الذي لا يزيد ارتفاعه على مائة وخمسين قدماً في وسط الجزيرة.
كان قصر الشيخ حمد الواقع عند سفح الجبل وسط الصحراء مكوناً من مبان بيضاء اللون. وكانت المنطقة خالية من كل ما هو أخضر.
عند وصولنا إلى القصر شاهدنا رجلاً طويلاً مهيباً يرتدي ثياباً بيضاء. ينتظرنا على الباب في ضوء القمر. وقد ارتدى ببشت أبيض مصنوعاً من الحرير الفاخر وعلى رأسه غترة كشميرية عليها عقال ذهبي اللون. وكان ضوء القمر ينعكس على الخنج1 الذهبي الذي يضعه في خصره، وعلى الخاتم الذي يضعه في أحد أصابع يده اليمنى. وكان نصل الخنج1 جلديًا مزينًا بخيوط حريرية ملونة.
وعندما اقتربنا منه قدمه لي الميجور ديلي قائلاً: هذا هو الشيخ حمد.
بدا الشي. أنيقاً وسيماً جميل الوجه ذا عينين سوداوين ولحية سوداء، رحب بنا بحرارة ثم استدار نحو الميجور ديلي قائلاً: إذن هذا هو مستشاري.
ثم أخذني من يدي وقال لي: نرحب بك في البحرين ونتمنى أن تكون سعيداً بيننا.
ومن حسن حظي أنني لم أجد صعوبة في فهم ما قاله الشي. نظراً لمعرفتي باللغة العربية.
وعندما استق11 بنا المقام بدأ الشيخ يسألني عن رحلتي الطويلة وعن الصعوبات التي واجهتها.
ثم جلسنا في غرفة الاستقبال المجلس المفروشة بالسجاد وقد بدت في صورة بديعة. وكان طول المجلس أربعين قدماً، جدرانه مكسوة بالزخارف العربية المصنوعة من الجبس، وهو فن آيل للانقراض في البحرين وكانت أبواب المجلس ونوافذه مصنوعة من خشب الساج المستورد من الهند ويتكون السقف من أعمدة خشبية عليها شبكة من خطوط الخيزران المتواصلة ثم مجموعة من الحصى تغطيه طبقة سميكة من الطين حيث أن بناء الكونكريت لم يدخل البحرين بعد.
نادى الشيخ بالقهوة وبعد لحظات جاء أحد الخدم وصب لنا كمية قليلة منها من دلة نحاسية في فنجان وبعد القهوة حان وقت العشاء فجاء الخدم يحملون الطعام في صوان نحاسية كبيرة وجاء خادم آخر فصب على أيدينا الماء من إبريق طويل. وبعد ذلك جلسنا حول سفرة دائرية صنعت من سعف النخيل، وتناولنا طعام الغوزي ونحن على الأرض. وكان الطعام لذيذاً.
أثناء الأكل كنا صامتين، إذ أن العرب يرون أن فترة الأكل هي للأكل فقط وليست للكلام أو النقاش.
بعد الانتهاء من العشاء هممت بتدخين سيجارة لكن الميجور ديلي أشار علي بعدم التدخين لأن الشيخ حمد لا يدخن ولا يحب أن يرى من يدخن أمامه.
وبعد فترة طويلة من اكتشاف النفط كان أحد الضيوف الأمريكيين الكبار يتعشى مع الشيخ حمد، وكان يستمد معلوماته عن الشرق من الصحافة الأمريكية وهي معلومات خاطئة
[مختصر]