تاريخي

كارثة “طبعة البلاد القديم” عام 1949: شهادة الحاج عبدالمهدي البصري

7(9) 1دلف إلى سوق المنامة كعادته مع والده ليبيع القماش. وكان حينها شابًا يافعًا في مطلع الأربعينيات من العمر. لم يدر بخلده، بعد أن سمع صوت الناعي في السوق قرب صلاة الظهر، مرددًا: “أسرعوا إلى السيف فالأمر فظيع”، أن 41 نفسًا من أهالي قريته قد غرقوا في كارثة بحرية مفجعة عُرفت لاحقًا باسم “طبعة البلاد القديم”.
لا يزال الحاج عبدالمهدي البصري، وهو أحد رجالات البلاد القديم، يتذكر بعضًا من تلك المشاهد من الفاجعة، ولا يزال يتذكر كيف
أسرعت رجلاه إلى الساحل، وكيف خفق قلبه، ودمعت عيناه. لم يفارقه منظر الجثث تمر من حوله، والجنازات التي كانت تخرج زرافات لتواري الثرى.
“الوسط” التقته ليسرد ما يتذكره عن “طبعة البلاد القديم” باعتباره شاهدًا من أهالي القرية وممن ساهموا في إنقاذ بعض الناجين وإخراج جثث الضحايا.

التفاصيل:
قضى فيها 41 من أهاليها. شاهد على “طبعة البلاد القديم” يروي التفاصيل.
البصري: غابت الأفراح عن القرية سنتين وكانت دموعنا تتساقط كلما شاهدنا البحر.
كان ذلك اليوم يومًا عاديًا كسائر الأيام في بدايته، فدلف إلى سوق المنامة كعادته مع والده ليبيع القماش. وكان حينها شابًا يافعًا في بداية الأربعينيات من العمر. لم يدر بخلده أن الأمر سيكون كما وجد ونظر وشاهد، ما إن سمع صوت الناعي ينادي في السوق مرددًا: “أسرعوا إلى السيف فالأمر فظيع”.
حينما وصل إلى الساحل ذهل من المشهد المفجع. الجثث من الرجال والنساء والأطفال يتناقلها الأهالي في حركة دؤوبة. لم يكن لديه متسع من الوقت ليسأل عما جرى. خاض المياه كأقرانه من الشبان الذين امتلأ بهم سيف البلاد القديم يومها.
كانت الجثث تأتي فرادى ومثنى وثلاث ورباع. وكان الأهالي يجدّون في نقلها إلى مغتسل القرية، فتستقبلهم جماعات أخرى لتصلي عليهم صلاة الأموات، ثم يجري تشييعهم. فعدد منهم دُفن في مقبرة داخل القرية، وعدد آخر دُفن في مقبرة “أبوعنبرة” التي تقع على أطرافها.
المآتم والمساجد وحتى البيوت أُنيرت لتستقبل جموع المعزين في تلك الفاجعة التي آلمت القاصي والداني، إذ راح ضحيتها 41 نفسًا من أهالي القرية فيما عُرف بكارثة “طبعة البلاد القديم” التي حدثت في العام 1949، أي قبل 60 عامًا بالتمام.
لا يزال الحاج عبدالمهدي البصري يتذكر المشاهد في تلك الفاجعة، ولا يزال يتذكر كيف أسرعت رجلاه إلى الساحل، وكيف خفق قلبه، ودمعت عيناه كما دمعت عيون كل الأهالي في ذلك اليوم. لم يفارقه منظر الجثث تمر من حوله، والجنازات التي كانت تخرج زرافات زرافات لتواري الثرى، وكيف أن البلاد القديم دخلت في حزن عميق استمر أكثر من عام، غابت فيه الأفراح عن الأهالي، ولم يكن أحد منهم يرغب في الحديث عما جرى أو حتى تذكره، لعلهم أرادوا بذلك أن يقتلعوا الأسى الذي بدا حينها أنه كان زائرًا ثقيلًا لا يريد أن يغادر حياة قريتهم وحياتهم.
“الوسط” التقت البصري ليسرد مشاهد فاجعة “طبعة البلاد القديم”، من الجانب الذي عايشه هو باعتباره أحد الأهالي الذين عاصروا تلك الحادثة، وكان أحد من ساهموا في إنقاذ الناجين من الغرق في حادثة “الطبعة”. وفيما يلي ما سرده لنا مما يتذكره للآن.
كان عمري في ذلك العام 1949 حوالي 22 عامًا تقريبًا، وكنت في ذلك اليوم في الدكان مع والدي -رحمه الله- في سوق المنامة، إذ كنا نعمل في بيع الأقمشة. وكان الوقت ضحى، قريبًا من صلاة الظهر، حينما نادى المنادي في السوق أن جالبوت (سفينة) كانت قد خرجت من ساحل القرية بالبلاد القديمة إلى جزيرة النبيه صالح قد انقلبت بفعل ريح عاتية قلبت الجالبوت.
وما زلت أتذكر صوت المنادي وهو رافع صوته بالنداء: “حدث أمر فظيع”.
وكان يدعو الجميع للتوجه إلى الساحل للمساعدة في انتشال جثث الضحايا ومساعدة من كتب الله لهم النجاة.
فتوجهنا سريعًا على الدواب إلى القرية، فيما اتجه الوالد إلى البيت وأخذ كل البز (القماش) الذي لديه مما يصلح للأكفان واتجه به إلى المغتسل.
وأضاف: “حينما وصلت إلى الساحل، أخذنا قاربًا صغيرًا واتجهت مع أحد الشباب به ناحية جدعلي حيث تبعثرت الجثث بين ثلاث مناطق: جدعلي وتوبلي والنبيه صالح. وأحطنا بالمناطق المذكورة مع البقية. وما زلت أتذكر منظر تلك الرضيعة التي كان الموج يتلاعب بمهدها المصنوع من القش والخيش وهي تبتسم دون اكتراث، إذ تمكنا من انتشالها من البحر ونجت بفضل الله”.
وكان ذلك من أعجب ما وجدناه في تلك الحادثة، بالإضافة إلى أنه من ألطاف الله أن تنجو عجوز تجاوز عمرها الثمانين، ورجل ضرير كذلك من الغرق، في حين أن أغلب الرجال الأشداء قضوا في تلك الحادثة. وربما يعود السبب في العدد الكبير للضحايا هو أن شراع “الجالبوت” حينما سقط غطى على الغارقين فلم يستطيعوا النجاة.
وتابع: “رجعنا بعد ذلك إلى الساحل، ونزل بعضنا بالقرب من المسجد المطل على البحر والذي انطلق منه “الجالبوت”. وما إن امتلأ الساحل عن بكرة أبيه بالناس الذين كانوا ينتظرون جثث الضحايا التي استطاع الناس انتشالها من البحر، وكنا ننقلهم بواسطة العربات التي تسحبها الحمير إلى المغتسل، ومن ثم كان يتم تشييعهم مباشرة إلى مقبرة “الجبل” وهي موجودة داخل القرية، أو إلى مقبرة “أبوعنبرة” المعروفة”.
وبسبب العدد الكبير للضحايا، فقد تطلب إخراج جميع الجثث بين يومين إلى ثلاثة أيام كما أتذكر. أما التعازي فكان ذوو كل عائلة يستقبلون المعزين كلًا على حدة، ففتحت جميع المآتم والمساجد، وحث بعض الأهالي على فتح منازلها للتعزية.
وعما إذا كان للسلطات الرسمية دور في عمليات الإنقاذ، قال البصري: “لم تتدخل الجهات الرسمية في مسألة الإنقاذ بتاتًا، كما أن لا أحد -كما أعتقد- طلب منها ذلك في ذلك الوقت، لأننا كنا في ذروة انشغالنا بعمليات الإنقاذ والتشييع والدفن، كما أن هذه الأمور كانت تجري عادة بجهود الأهالي. غير أنه تم إرسال برقيات ومكاتيب (رسائل) تعزية لوجهاء القرية، بالإضافة إلى أن بعض كبار المسؤولين زار القرية للتعزية في الضحايا”.
وعن حالة القرية بعد تلك الحادثة قال: “ظلت الكآبة بادية على جميع أهالي البلاد القديم لمدة تصل إلى السنتين، حتى أن الأهالي لم يكونوا يقيمون الأعراس لأكثر من عام، على الرغم من أن مظاهر الفرح فيها في الأصل ليست كبيرة، بسبب حياة الفقر والضيق التي كان يعيشها أغلب الأهالي”.
وأكد البصري أن الأهالي لم يحصلوا على تعويضات أو مساعدات من الجهات الرسمية بعد تلك الحادثة، غير أن الأهالي كانوا متعاضدين مع بعضهم بعضًا، وكانوا يقتسمون ما كتب الله لهم من رزق، إلى أن عادت الحياة طبيعية تدريجيًا إلى القرية بعد سنوات من “الطبعة”.
بقلم: حسن المدحوب، الوسط، 2009م