تاريخي

دلمون: البعد الأسطوري

ggارتبط اسم دلمون بعدد من الأساطير، وبذلك أخذ الاسم بعدًا أسطوريًا. وقد أدى عدم التدقيق والتمحيص إلى المبالغة في البعد الأسطوري للاسم، إذ يرى الباحثون أن دلمون مساوية للفردوس أو جنة عدن التوراتية بسبب ورود اسم دلمون ضمن أسطورة الخلق السومرية بإنكي وننخرساج. وبحسب تحليل حديث لهذه الأسطورة، كما سنرى لاحقًا، فإن قصة دلمون منفصلة عن قصة الخلق السومرية ولكن تم دمجها معها، فتوَّهم الباحثون أنها المكان الذي تزوج به إنكي وننخرساج، على الرغم من أن الأسطورة تتحدث عن أحداث وقعت على الأرجح في مستنقعات جنوب سومر. كذلك أُعطيت دلمون بعدًا أسطوريًا كونها أرض الخلود عندما قصدها جلجامش بحثًا عن زهرة الخلود. وعندما تم ربط اسم دلمون بالحضارة القديمة التي قامت على جزيرة البحرين قديمًا، أُعطيت تلك الحضارة كل البعد الأسطوري الذي اكتسبه اسم دلمون.
أسطورة إنكي وننخرساج

 

أسطورة إنكي وننخرساج

وصلت لنا أسطورة إنكي، إله الماء العذب، وننخرساج، وهي «لهة الأرض أو أم ال»لهة، عن طريق ثلاثة مصادر: الأول من نيبور، والثاني من أور، والثالث مجهول الأصل. ويعود تاري. نقش نيبور لقرابة 1800 ق.م.، وقد كُتبت الأسطورة قبل تاري. هذا النقش، ربما في نهاية الألفية الثالثة قبل الميلاد. وقد تم جمع القطع وترتيبها لتكون قصة واحدة تتكون من قرابة 277 إلى 371 سطرًا. ويلاحظ أنه في بعض القطع لا يظهر اسم ننخرساج ولكن يظهر اسم آخر هو نينسيكيلا، وقد اعتبر هذا الاسم مرادفًا لاسم ننخرساج. وفي تحليل حديث ومثير بشأن هذه الأسماء، ترى دينا كاتز أن نينسيكيلا غير ننخرساج، وبالتالي فإن أسطورة الخلق تروي قصتين لا قصة واحدة (Katz 2007). وترى كاتز أن نينسيكيلا هي آلهة خصصها إنكي لدلمون، وأن الأجزاء التي يرد فيها اسم نينسيكيلا من الأسطورة هي قصة إحياء بلاد دلمون، وهي قصة مستقلة عن أسطورة إنكي وننخرساج (Katz 2007). وبالتالي كل ما يخص دلمون من الأسطورة هو وصف دلمون بالبلد الطاهر كما هي سومر، إلا أنها قاحلة، ولذلك طلبت نينسيكيلا من إنكي أن يُجري الماء في هذه الجزيرة ففعل ذلك بمعونة إله الشمس أوتو وإله القمر نانا، فاخضرّت الأرض ونبت الزرع. وإلى هنا تنتهي قصة دلمون وتبدأ بعدها قصة إنكي وننخرساج ومستنقعات إنكي وبقية النص، والتي جرت أحداثها في جنوب سومر، والتي تمثل أحداثها ما عُرف بأسطورة الخلق السومرية.
دلمون وجنة عدن
عندما نأخذ بالاعتبار تحليل كاتز السابق، نرى أن إحياء بلاد دلمون حدث جزئي ضمن عملية إحياء شاملة قام بها الإله إنكي، فما حدث مع نينسيكيلا حدث في دلمون، ولكن الأحداث الأساسية والمعقدة حدثت في مستنقعات جنوب سومر. ولكن دمج القصتين مع بعض أدى لتوهم حدوث جميع الأحداث في منطقة واحدة وهي دلمون. وبما أن الأحداث التي حدثت في مستنقعات سومر يمكن مقارنتها بالفردوس التوراتية أو جنة عدن وبداية الخلق، أصبح اسم دلمون موازيًا أو مساويًا للفردوس. ويعتبر بحث فراس السواح ‘أسطورة إنكي وننخرساج: النموذج المستغلق’ من أفضل البحوث في تحليل هذه الأسطورة، لكنه أيضًا يقع في خطأ دمج القصتين. ويذكر السواح في بحثه رأي من يرى أن دلمون هي الفردوس، ويشير إلى أن صموئيل كريمر أول من سار على هذا النهج وذلك في كتابه ‘الميثولوجيا السومرية’ الصادر العام 1943، وكذلك في كتابه الصادر العام 1963 تحت عنوان ‘السومريون’، إذ عقد كريمر المقارنات بين النص السومري وأسطورة الفردوس التوراتية، فجنة إنكي وننخرساج تشبه في براءتها الأولى جنة آدم وحواء، والمياه التي فجَّرها إنكي لسقي دلمون تشبه النهر الذي فجَّره يهوه في جنة عدن والذي تفرع إلى أربعة أنهر، إلى آخر المقارنات.
المجاز الطبيعاني للأسطورة
في العام 1976 قدم ثوركيلد جاكوبسن في كتابه ‘كنوز الظلمات’ (The Treasures of Darkness) تفسيرًا ذا طابع عمومي يقفز فوق التفاصيل، إذ اتبع في التفسير منهج المجاز الطبيعاني الذي يجعل من ظواهر الطبيعة شخصيات إلهية. ويرى إلى الأسطورة باعتبارها بنية رمزية تقابل نقطة بنقطة جانبًا من العالم الطبيعاني. ويرى جاكوبسن أن أسطورة إنكي وننخرساج ترجع في أصولها إلى الألف الرابع قبل الميلاد، حين تأسست في جنوبي وادي الرافدين شبكة من القنوات المائية أحدثت انقلابًا اقتصاديًا كبيرًا قام على الإفادة القصوى من ماء النهرين الكبيرين. من هنا فإن العنصر الرئيسي الذي تقوم عليه الأسطورة هو زواج إنكي، الذي يمثل ماء النهر، من ننخرساج، التي تمثل حقول الطمي التي تحف به. فإنكي – الماء يفيض في جزء من السنة ليروي الحقول اللحقية الممتدة على الضفتين – ثم يعود تدريجيًا إلى سريره الأصلي تاركًا التربة ننخرساج بعد أن لقَّحها (السواح، البحث السابق).
دلمون وأتلانتس
لاحظ بعض الباحثين أن أسطورة إنكي وننخرساج في نسختها التي تدمج قصة دلمون معها تتشابه تفاصيلها مع نموذج أسطورة أتلانتس التي كتبها أفلاطون، وبذلك زعم الباحثون عن أتلانتس أن أتلانتس هي دلمون. أول من ذكر هذا التشابه هو الكاتب البريطاني جورج ميكانويسكي العام 1977 في كتابه (The Once and Future Star)، وبذلك يكون أول من ذكر أنه رأى أتلانتس موثقة في النقوشات السومرية مشيرًا أن أتلانتس ذكرت في النقوشات السومرية باسم نيدوكي أو دلمون. الإشكال عند هذا الكاتب ومن تبنى رأيه من الكتاب أنه لو فرضنا أن أتلانتس هي دلمون ودلمون هي البحرين، فمن المستحيل أن يتطابق وصف البحرين مع وصف أتلانتس، إذ وصفت أتلانتس بالقارة الضخمة، فلا يعقل أن نقارن قارة ضخمة بجزيرة صغيرة.
الباحث التشيكي راديك برشتا في كتابه (Objeven Atlantidy) أو ‘اكتشاف أتلانتس أفلاطون’ الصادر العام 2001 باللغة التشيكية (اعتمدت على نسخة إلكترونية مترجمة للإنجليزية)، قام بالتوفيق بين النظريات المختلفة من حيث أن أتلانتس هي دلمون وأن دلمون هي جزيرة البحرين الحالية. فيعقد الباحث في أول الأمر مقارنة بين أسطورة إنكي وننخرساج وأسطورة أتلانتس (انظر الجدول المرفق). ويلاحظ من المقارنة أن أفلاطون اتبع نموذج أسطورة الخلق إنكي وننخرساج تمامًا، ويخلص برشتا بالقول حرفيًا إن ‘دلمون هي أتلانتس’. ولكن الإشكال هو نفس الإشكال: وصف دلمون لا ينطبق مع البحرين. لكن برشتا يتخلص من هذا الإشكال فيقول إن أتلانتس هي دلمون الأولى (أي قبل أن ترتبط بجزيرة البحرين، أي قبل 2200 ق.م.). وقد حدد برشتا مكان دلمون الأولى هذه (أو أتلانتس) فزعم أن مكانها في شبه القارة الهندية قريبة من حضارة وادي السند، وهو بذلك يتفق مع تحليلات كريمر أن دلمون أو الفردوس كانت في حضارة وادي السند.
الإشكالية الثانية هي أنه في الفترة الثانية (بعد 2200 ق.م.) دلمون أصبحت هي البحرين. لكن برشتا لا يجعل مكانًا للتشكيك فيتحدث عن انتقال الدلمونيين من دلمون الأولى (أو أتلانتس كما يسميها) إلى البحرين بعد أن اضمحلت حضارتهم. ثم يبدأ يسوق الأدلة التي تثبت انتقال جماعات من حضارة وادي السند لدلمون البحرين، وهي ذاتها الدلائل الأركيولوجية التي توضح تأثر حضارة دلمون – البحرين بحضارة وادي السند.
أيضًا الباحث أرسيو نونس دوس سانتوس في كتابه عن أتلانتس اعتمد على الوصف الأسطوري لأفلاطون وتوصل إلى فرضية أن أتلانتس هي جنة عدن المذكورة في الإنجيل، والتي يعتقد بها السومريون وكل الشعوب مع اختلاف التسميات: دلمون، إيدن (عدن)، الفردوس. المهم أنها أول أرض كانت على وجه الأرض، أي التي نزل فيها آدم وحواء.
وهناك غيرهم من الباحثين الذين لاحظوا هذا التشابه وبنوا عليه نظريات مختلفة، وكل عنده اعتقاد ودلائل، وكل باحث منهم مؤمن بالقضية التي يكتبها. والخلاصة أن هناك اتفاقًا أن ما كتبه أفلاطون هو نموذج من نماذج أسطورة الخلق، سواءً تلك التي عند السومريين أو غيرها، إنما يرجح بعضهم أن التشابه كبير بينهم وبين السومريين.
ملحمة جلجامش
جلجامش هو اسم لملك سومري حكم الوركاء الأولى في حدود العام 2650 ق.م. أما ملحمة جلجامش فهي قصة خيالية تروي قصة رجل ثلثاه إله وثلثه إنسان، فهو ابن للإلهة ننسون التي حملت به من ملك الوركاء المدعو لوجال بندا. وتدور أحداث القصة عن رحلة جلجامش بحثًا عن الخلود بعد أن فزع من الموت عند رؤية موت صديقه أنكيدو. وقد جمعت القصة من عدة مصادر ويمكن تقسيم هذه المصادر التي منها أُخذ نص ملحمة جلجامش وتمحور في صورته النهائية تحت عنوانين رئيسيين هما ‘المصادر السومرية’ و ‘المصادر البابلية’. سنتناول المصادر هنا باختصار، ويمكن الرجوع للتفاصيل في كتاب ‘جلجامش’ لفراس السواح.
أولًا: المصدر السومري
حتى ال«ن تم التوصل إلى ستة نصوص تدور موضوعاتها كال»تي: جلجامش وأرض الإحياء، وجلجامش وثور السماء، جلجامش وشجرة الحلبة، وجلجامش وإنكيدو والعالم الأسفل، وجلجامش وأجا، وأخيرًا موت جلجامش. وهذه النصوص جميعها تم تدوينها في أسرة أور الثالثة، أي قرابة العام 2100 ق.م.
ثانيًا: المصدر البابلي
وهو ثلاثة نصوص:
أ. النص البابلي القديم (2000 – 1600 ق.م.)، وهو يحتوي على سبعة ألواح، ولا توجد في النص قصة ثور السماء ولا لقاء أوتنابشتيم، ولكن بالتحليل فإن النص يشمل تلك القصص، ويظهر منه أنه لم يترجم من النص السومري مباشرة، إنما كان يعتمد على نس. أكادية أخرى.
ب. النص البابلي الوسيط (1600 – 1000 ق.م.)، وهو متلخص في ترجمتان: حثية وحورية، بالإضافة إلى كسرات من نس. أكدية. وهذا النص بمصادره الثلاث هذه، غير كاملة.
ج. النص البابلي المتأخر (الأساسي)، ويرجع إلى 1250 ق.م.، وقد اكتشف في مكتبة آشوربانيبال في نينوى، وهي تتكون من 12 لوحة. وقد حافظ الكاتب البابلي في هذه الملحمة على بعض التقاليد الأدبية السومرية، ويعتبر هذا النص الأوسع والصورة النهائية للملحمة. وقد جرى خلاف حول اللوح الثاني عشر، ففيه نرى أنكيدو حيًا مرة أخرى، بعد أن كان موته ذروة الملحمة الدرامية، فقيل إنه مضاف من بعض النسا. فيما بعد، ويرى السواح أن أحد الكهنة البابليين قد أراد أن يكون هذا الفصل جزءًا من الملحمة. وأضاف إلى ذلك زيادتين هما المقدمة وقصة الطوفان الكاملة، والتي يُرى بأنه.
المنامة – حسين محمد حسين، صحيفة الوسط – العدد: 2813، 20 مايو 2010م.