تاريخي

دلمون أرض الحياة التي قصدها جلجامش با

تعتبر البحرين مركزا لإحدى أقدم الحضارات البشرية التي عرفها التاريخ وهي حضارة دلمون والتي امتدت لتشمل مناطق مجاورة في شرقي الجزيرة العربية وجزيرة فيلكا في الكويتخ

E9(/ AJ /DEHF

تتجلى دلمون كموطن للآلهة في بعض أساطير الرافدين

وتحتل دلمون مكانة فريدة في معتقدات وأساطير سكان بلاد ما بين النهرينخ

«بلد مقدس»

آمقدسة هي المدينة التي مُنِحَت لكم ومقدس بلد دلمون بلد دلمون مقدس بلد دلمون نقي بلد دلمون مغمور بالنور متميز بالإشعاعخآ

هذه السطور التي تختزن معاني الطهر والقداسة والنور هي غيض من فيض من الأوصاف التي وُصِفَت بها دلمون في ملحمة جلجامش البابلية والتي تعد من أشهر الأساطير القديمةخ

فدلمون كانت جزيرة تتمتع بمكانة خاصة بالنسبة لسكان الرافدين القدماء حيث ارتبط اسمها بالحياة وفكرة الخلود كما يقول الباحث الأثري البحريني علي أكبر بوشهريخ

ويوضح قائلا: «حضارة دلمون واحدة من أقدم الحضارات التي عرفتها البشرية»خ

ويشير بوشهري إلى أن إسم دلمون سومري الأصل. ويضيف: «بعد دلمون سميت بـ»نيتوكيآخ دلمون يُقصَد به أي معناه أرض الحياة أو جزيرة أرض الحياة. نيتوكي يُقصد به الأرض التي توجد في مشرق الأرضآ

سمات الحضارة الدلمونية

وتتجلى دلمون كموطن للآلهة في بعض أساطير الرافدينخ

ويمكن رغم قلة ما يعرفه المؤرخون عنها تحديد بعض معالم الحضارة الدلمونيةخ

عن هذه السمات يقول بوشهري: آحضارة دلمون معروفة بسمات عديدة أهمها ثلاث. كانت حضارة تستند إلى التجارة الدولية بإستيراد وتصدير بضائع من مناطق متعددة إبتداءا من شرق الهند وباكستان إلى العراق وتركيا وسورية ومصر. إضافة إلى أن العقائد الدلمونية أي ديانتهم كانت استثنائية من حيث أن أهم الآلهة كانت امرأة هي إلهة الخلود. ودلمون مع صغر حجمها تأثرت بالحضارات العظيمة حولها إلا أنها أثرت كذلك بحضارات أخرىخآ

ومع كل هذه الصلات والوشائج التي ارتبط بها سكان دلمون ببلاد الرافدين فإن بوشهري يؤكد أن التركيبة العرقية لسكان دلمون كانت مختلفة عن الشعوب المجاورةخ

ويقولغ «لا نعرف أي شيء عن تركيبة سكانها العرقية»خ

ولكن هناك من المعلومات ما يوحي بأنهم كانوا مختلفين عن سكان المناطق المجاورةخ

ويشير بوشهري إلى أن ما هو معروف عن سكان دلمون هو آأنهم كانوا سُمُر البشرة وشعرهم أسود وأطول قامة من شعوب الرافدين شعوب تركيا والشعوب التي كانت موجودة في وادي الشام والفراعنةآخ

94بة الحياة

وتقول الأساطير السومرية إن جلجامش توخى من خلال رحلته إلى دلمون الحصول على 94بة تجديد الحياة التي أينعت في قاع بحرها سعيا منه لتفادي المصير المحتوم المتمثل بالموت والفناءخ

9DJ #C(1 (H4G1J
حضارة دلمون واحدة من أقدم الحضارات التي عرفتها البشرية
علي أكبر بوشهري

ولا غرابة أن يقصد جلجامش دلمون في سعيه هذا فدلمون كانت بالنسبة للسومريين بمثابة الفردوس وموئل الخلودخ

ويوضح علي أكبر بوشهري عقيدة دلمون بالخلود قائلا: «سكان دلمون كانوا يعتقدون بتعدد ال»لهة. إلا أن الجانب الجذاب في العقيدة الدلمونية هو أن أهم ال«لهة عندهم كانت إمرأة وهي إلهة الخلود»خ

ويمضي إلى القول: «ومعظم الرموز الموجودة على أختام دلمون يرمز إلى إلهة الخلود»خ

الجنس كوسيلة للخلود

وهذا الموقع المركزي لفكرة الخلود في الديانة الدلمونية يفرد أيضا للجنس حيزا في منظومة المعتقدات التي «من بها سكان دلمونخ

ويقول بوشهري: »لأن إلهتهم الأولى هي إلهة الخلود فيجب أن يكون الجنس مرتبطا بهذه العقيدة لأن الخلود يُرمَز إليه أو دليله هو التكاثر والتكاثر لا يكون إلا عن طريق العلاقة الجنسية«خ

ويتابعغ »فأحد رموز إلهة الخلود هي العملية الجنسية أو التكاثريةخ وحتى عُثِر على عدة رموز ترمز إلى الجهاز التناسلي للرجل في معبد من معابد البحرين«خ

ولكن إيمان الدلمونيين بالخلود لم يستبطن أيضا اعتقادا بخلود الفرد حيث إنهم »منوا بخلود الحياة البشرية وليس الفرد من بني البشرخ

ويقول بوشهري: «لم يعتقدوا بأن الإنسان ممكن أن يكون خالدا»خ

ويردف قائلا: آوإعتقادهم خخ. هو بأن الإنسان ممكن أن يخلد من خلال أبنائه وليس هو. هو يموت ولكن أبناءه يستمرون من بعدهآخ

المقابر الدلمونية

وجلجامش نجح حسب الأساطير السومرية بالحصول على نبتة الحياة إلا أن الحية رمز الشر ما لبثت أن سرقتها منه فخاب فأله في التخلص من الموتخ

وبما أن المقابر والموت صنوان يبقى أن نشير إلى أن أبرز ما يميز ال«ثار الدلمونية حاليا هو المقابر التي تضم ال»لاف من القبور التي على أشكال تلالخ

ويقول بوشهري: آالقبور كانت على أشكال تلال يُدفَن الميت في وسطها ميت أو أكثر ثم يُهال عليه الرمل والأحجار على شكل تلال«خ

ولكن بوشهري ينفي أن تكون للقبور التي على شكل تلال أية دلالات أو رمزيةخ

ويقولغ »هي أي القبور فقط هيئة من الهيئات. ليس هناك أي أهمية بأنها كانت فوق الأرض أو تحت الأرض. الدلمونيون كانت لهم قبور حتى محفورة في الأحجار تحت الأرضآخ

EB'(1 /DEHF 9DI 4CD *D'D

أبرز ما يميز الآثار الدلمونية حاليا هو المقابر

ويستدرك قائلا: «لكن ما يميزهم بأن قبورهم كانت على شكل تلال مثلما الفراعنة قبورهم على شكل اهرامات»خ

مخاطر العمران

الأساطير السومرية وصفت دلمون بكونها «أرض الخلود التي لا يوجد فيها مرض أو موت أو حزن». ولكن هناك قدرا من الحزن والأسى حاليا في البحرين على مصير ال«ثار الدلمونية التي امتدت إليها عوادي الحضارة الحديثة لتزيل الكثير منهاخ

ويعرب بوشهري عن أسفه لأن »معظم التنقيبات التي تُجرى في البحرين تنقيبات إنقاذية. فالعمران يتوسع ويبدأون في إزالة المناطق الأثرية لبناء البيوت«خ

ويبث الشكوى قائلا: »العملية زادت عن حدها. في البداية قبلنا بالأمر الواقعخ حاليا هذا الأمر غير مقبول لأنه لم يبقَ إلا القليل القليل القليل النادر من ال«ثار الدلمونية وال»ثار الإسلامية«خ

ويصف إزالة ال»ثار لبناء البيوت بأنها «أصبحت أمرا غير معقول»خ

ويردف قائلا: آالتنقيبات التي تجريها وزارة الإعلام البحرينية معظمها تنقيبات لا يُنشَر عنها أي شيء. أنا كباحث أستند على تقارير أثرية نشرها الأجانب لأن منقبي وزارة الإعلام لا ينشرون التقارير عن المواقع الأثرية التي نقبوا فيهاآخ

وبوشهري ليس وحده من يقرع ناقوس الخطر الذي يداهم كنوز دلمون الأثريةخ

ففي رسالة بعث بها إلى وزير الإعلام البحريني وحصلت بي بي سي على نسخة منها أهاب الاتحاد العام لل«ثاريين العرب بالحكومة البحرينية المحافظة على مقابر منطقة عالي الأثرية »والتي تكتنز في جوفها كنوز الماضي وعراقة مملكة البحرين حيث نما إلى إدارة الاتحاد أن هناك بعض المشاريع المزمع إقامتها على هذه المنطقة الأثرية الهامة وهذا لا يتوافق مع عراقة مملكة البحرين التاريخية والأثرية« وفقا لنص الرسالةخ

ومن خلال حزن بوشهري الباحث الأثري البحريني المعاصر على زوال ال»ثار الدلمونية واندثارها أمام زحف العمران تتردد من أعماق التاري. أصداء ذاك الحزن الدفين حيال فناء الأشياء حيث يقول جلجامشغ

آفي مدينتي يموت الرجل كسير القلب يقضي الرجل حزين الفؤادخ أنظر من فوق السور فأرى الأجداث الميتة طافية في النهر وأرى أني سأغدو مثلها حقاخ فالإنسان مهما علا لن يبلغ السماء طولا ومهما اتسع لن يطغى الأرض 916ا«خدلمون: »أرض الحياةآ التي قصدها جلجامش باحثا عن نبتة الخلود