انتفاضة مارس 1965م صفحة خالدة من تاريخنا الوطني
حالة من الصدمة والصمت الرهيب، بعد عامين من العمل الجماهيري المزلزل، تنتهي حركة هيئة الاتحاد الوطني بين عامي 1954-1956. أُعلنت حالة الطوارئ لأول مرة في تاري. البحرين، وانتشر مرتزقة الاستعمار في كل مكان. إجراءات عرفية يمكن أن يُعتقل فيها أي شخص بمجرد الشك في نواياه. اعتُقل قادة الهيئة وحوكموا في محاكم صورية خاصة في قرية البديع بدل المحاكم الاعتيادية في المنامة. منهم من سُجن، ومنهم من نُفي إلى خارج البلاد، وأُغلقت الصحف جميعًا، وكان حظر التجول سيد الموقف.
رغم الصدمة التي عاشها أبناء الشعب، إلا أن بوادر انتفاضة مارس 1965م بدأت من هنا. تركت الهيئة حالة من التلاحم الشعبي الكبير كونت حصانة ضد دعوات الانقسام والطائفية، وأنتجت وعيًا وطنيًا كبيرًا باتجاه مطالب الشعب في الحرية والعدالة والاستقلال. ولذلك لم تنطفئ الحركة المطلبية، لكنها انتقلت من العمل العلني إلى العمل السري، وتشكيل الأحزاب والمنظمات الشعبية، استعدادًا لانفجار الانتفاضة من جديد.

تصاعد حركة التحرر في العالم العربي
كانت الأمور تتفاعل بقوة في الخارج. مصر بقيادة زعيمها الكبير جمال عبدالناصر تنتصر على العدوان الثلاثي في أوائل 1957م. تمكن العراقيون من إسقاط الملكية وإعلان الجمهورية في 1958م، وانتصرت الثورة الجزائرية بعد ثماني سنوات من الكفاح ومليون ونصف من الشهداء في 1962م، قبل أن يشعل الجمهوريون الحرب ضد الحكم الملكي في اليمن. كل ما يحدث حول البحرين يعطي مؤشرًا بأن الشعوب تنتصر في النهاية، وأن النضال في البحرين يجب ألا ينتهي إلا بتحقيق الاستقلال وبناء الدولة التي يتطلع لها الشعب.
الوضع العمالي داخل البحرين
أما في الداخل، ففي ظل تنامي القمع، وتشديد الحصار على الحريات، تنامت الإجراءات التعسفية بحق العمال بعد أن اتضح أثرهم الكبير على الإنتاج أيام إضرابات الهيئة. اتجهت الشركات الاستعمارية ــ وعلى رأسها شركة نفط البحرين (بابكو) ــ للبحث عن حلول لتقليص الاعتماد على العمالة الوطنية البحرينية، فكان من هذه الإجراءات تطوير آلات الإنتاج لتقليص الحاجة للعامل البشري، وإحلال العمالة الأجنبية محل العمالة الوطنية. وتمت ممارسة العديد من المضايقات لدفع العمال لتقديم استقالتهم، ولم يبقَ في النهاية سوى الفصل التعسفي للعمال، وقد أدت هذه الإجراءات التعسفية إلى فصل قرابة 1500 عامل على دفعات متفرقة.

العمالة الوطنية، رقم 59 في إنتاج النفط
انفجار الانتفاضة
كانت عملية الفصل الأخيرة والتي طالت قرابة 400 عامل الشرارة التي فجرت الانتفاضة حيث خرجت مسيرة حاشدة من المحرق استنكارًا لعمليات الفصل التعسفي، وتوجهت إلى المنامة عبر الجسر لتقمع هناك. بعدها أعلن بقية عمال بابكو إضرابًا عن العمل تضامنًا مع زملائهم المفصولين، وأضربت المدارس، وتفجرت الأوضاع دون سابق إنذار، وتصاعدت المظاهرات في مدن وقرى البحرين وسط ذهول المسؤولين البريطانيين وعملائهم في البلاد. ووسط ذهول التنظيمات السياسية الوطنية السرية أيضًا.

حافلة تابعة لشركة بابكو بعد هجوم للمتظاهرين
14 مارس.. يوم نابض بالدم
مع إعلان الإضراب بدأت سيارات نقل العمال تتعرض لهجوم المتظاهرين، وبدأ الشباب بغلق الشوارع بالأحجار والأخشاب وجذوع النخل، وزودوها بالمسامير. وتمت مهاجمة الشركات الأجنبية ومنازل البريطانيين بالقرب من الجفير. وقد كانت النويدرات ساحة هامة من ساحات انتفاضة مارس كونها تقع على الشارع المؤدي لشركة بابكو. وقد قام شباب النويدرات بغلق الشارع في يوم 14 مارس لتحدث مصادمات عنيفة بينهم وبين المرتزقة أصيب فيها الشهيد الأستاذ عبدالله الزياني. وعندما هب خاله عبدالنبي لإسعافه استُهدف هو ال«خر وخر شهيدًا بجانب ابن أخته. على جانب »خر، وفي مظاهرات المنامة استشهد الشاب جاسم خليل عبدالله الصفار من قرية الديه، حيث خرج من مدرسته ليلتحق بالمتظاهرين، قبل أن تُقمع المسيرة، ويُلاحق المتظاهرون، ويقضي جاسم برصاص الغدر والعمالة ليكون الرابع عشر من مارس 1965 يومًا حزينًا في تاري. البحرين.

الشهيدان الأستاذ عبدالله الزياني وخاله عبد النبي الزياني

صورة حديثة لضريح الشهيد جاسم خليل الصفار
المطار مغلق بالدم
مع هذه الدماء، تطورت الأمور سريعًا، خصوصًا مع زيارة الأمير فيليب للبحرين بتاريخ 24 مارس، حيث توجه أبناء المحرق لاستقبال الأمير بغلق شارع المطار بالأخشاب، والحجارة الضخمة المستخدمة في ردم البحر، مما أدى إلى تدخل القوات البريطانية، التي هاجمت المتظاهرين، ولاحقتهم في الأزقة، حتى أصابت الطالب عبدالله حسين بونودة في قدمه، واعتقلته ثم أجهزت عليه بالسونكي (رواية أخرى تقول بالرصاصة). وقد كان استشهاده فاجعة كبيرة نظرًا لسنه الصغير الذي لم يتجاوز الخامس عشر ربيعًا. أما الأمير فيليب فنُقل إلى قصر الرفاع بطائرة عسكرية لتجنب المرور على طريق المطار.

المطالب
وفي 25 مارس أعلنت جبهة القوى القومية التي تشكلت أثناء الانتفاضة من خلال اتحاد مجموعة من التنظيمات الوطنية السرية عن مجموعة من المطالب:
أ. إنشاء مجلس تشريعي يمثل كافة الشرائح الشعبية.
ب. استقلال البحرين وتصفية القواعد العسكرية الأجنبية.
ج. حرية العمل النقابي والطلابي وحرية الصحافة.
د. محاكمة العملاء والمتورطين في قتل الشهداء وقمع المظاهرات.
هـ. الإفراج عن المعتقلين منذ 1956م وإعادة المهجرين.
و. إعادة المفصولين من العمل إلى أعمالهم.
الشعارات: هوسات بحرانية
رفعت جماهير الانتفاضة العديد من الشعارات التي تعبر عن الوجدان الوطني، وتختزل المطالب، وتروي آلام وتطلعات الشعب. وقد كان شعار “يسقط يسقط الاستعمار” الشعار الأساسي في هذه الانتفاضة. وقد شاع ترديد عدد من المنظومات الشعرية البسيطة التي تقارب الهوسات البحرانية في الشكل وطريقة الأداء الحماسية. يقول المناضل المرحوم محمد السيد في وصف مظاهرات المحرق الغاضبة مساء 14 مارس بعد استشهاد ثلاثة من خيرة شباب البحرين: “كانوا يصرخون بصوت عال وبشكل انتحابي غاضب كما يفعل المعزون ليلة عاشر عاشوراء. وكان هذا المشهد يتكرر في جميع حلقات المتظاهرين والمتظاهرات”. ومن هذه الشعارات:
يا عمال الحركة
الشركة مرتبكة
والبحرين في معركة
صاح صايح في الرفاع
يا خلق وش ذا النزاع
جاوبه في الحد شايب
يا خلق شفت العجايب
أهل المحرق هالحبايب
يصرخون مثل السباع
يا منامي ويا قلالي
في الزحام بالك تبالي
وان ذكرت اسمك لأهلي
يفخرون بك بالإجماع
الله الله يا مفرج المصايب
اضرب رصاص خلي رصاصك صايب
وان جاك الموت افتح إليه اصديرك
خليه يكون من جملة المصايب
بكرة النار النار بكرة
بكرة النار النار
اعتدوا في المدارس
واعتقلوا الطالب الدارس
وينك يا عربي يا فارس ما تزيح الأنذال
في الشدد ننخى بو خالد (أبو خالد هو جمال عبد الناصر)
اللي هو إلنا يجاهد
حرر بلادًا عديدة بهمة الجبار
الوطنيون من الشرطة يرفضون إطلاق النار.
شهدت انتفاضة مارس مصادمات يومية مع قوات الشرطة، وهو ما أدى إلى انتشار حالة من رفض الأوامر بإطلاق النار على المتظاهرين بين عدد من الوطنيين من أفراد الشرطة، كما قدم عدد منهم استقالته من هذه الوظيفة. وكان من أشهر الممتنعين عن إطلاق النار على المتظاهرين الشرطي مبارك لحدان صالح، البالغ من العمر 25 عامًا وقت انفجار الانتفاضة، ودفع ثمن رفضه لأوامر الضابط البريطاني بإطلاق النار على المتظاهرين في فريق المخارقة بأن حوكم عسكريًا وسُجن وفُصل من الشرطة وصدر قرار بمنعه من العمل في الوظائف الحكومية، حتى اضطر إلى الهجرة من البلاد. ومثله كثيرون لا يقبلون بقتل أبناء وطنهم.

ساعة الثأر: 12 مارس 1966م
استمرت السلطات في تعسفها، واستمر الشعب في حراكه. استشهد عبدالله سعيد الغانم من المحرق في 13 أبريل 1965، وفيصل عباس القصاب في المنامة 14 أبريل 1965م. إلا أن الأمور بدأت في التدهور، مع تزايد القمع، واعتقال وتهجير عدد من قيادات الانتفاضة، حتى هدأت الأمور تدريجيًا. وقد اعتقدت السلطات أنها نجحت في إنهاء الانتفاضة. إلا أن النفوس كانت تغلي، حتى حانت ساعة الثأر والانتقام، عندما قام المرحوم مجيد مرهون بزرع قنبلتين في سيارة ضابط المخابرات البريطاني بوب لانغديل وسيارة العميل الأردني أحمد محسن، ليدوي الانفجار معلنًا الثأر، فقُتل الأول، وشُل الثاني. كانت هذه العملية إحياء للذكرى الأولى لانتفاضة مارس.

الشهيدان عبدالله الغانم وفيصل القصاب
انتهت فصول الانتفاضة، لتكون صفحة خالدة في تاري. الحراك الوطني، نستضيء بنورها، ونتعلم من شهدائها ومناضليها، ونسير بسيرتهم، ونطالب بمطالبهم، من أجل الحرية والعدالة والتقدم للبحرين وشعبها العظيم.
مصادر ومراجع لتاري. انتفاضة مارس 1965م.
أ. إبراهيم كمال الدين: ذاكرة الوطن
ب. محمد السيد: يوميات من انتفاضة مارس 1965م.
ج. إبراهيم خلف العبيدي: الحركة الوطنية في البحرين 1914-1971م
د. حسين موسى: النضال الوطني الديمقراطي الحديث لشعب البحرين 1920-1981م.
هـ. عبدالله مطيويع: صفحات من تاري. الحركة العمالية البحرينية.
و. سعيد الشهابي: البحرين 1920-1971م قراءة في الوثائق البريطانية.
بقلم: الأستاذ علي إبراهيم السلاطنة