تاريخي

استقرار الجماعات العربية في البحرين

في فصل سابق تحدثنا عن وجود هوية 91بية في جزر البحرين وشرق الجزيرة العربية إبان الحقبة الهلنستية ومنذ القرون الأخيرة قبل الميلادج وهذا يطرح تسائل عن بداية استقرار جماعات 91بية في شرق الجزيرة العربية بصورة عامة. المتفق عليه في كتب التاري. كما سنوضح لاحقاً أن هذه الجماعات العربية التي استقرت في المنطقة تعتبر من 91ب الشمال أي المتحدثين باللغة العربية الشمالية. هذه المعلومة تفرض علينا الدخول في تفاصيل نشأة الجماعات العربية وتقسيمهم وبداية انتشارهم في الجزيرة العربية وبداية انتقال جماعات منهم من حياة البداوة لحياة الحضر والاستقرار. ولا بد لنا هنا أن نشير للمرجع الموسوعي الذي وثق أحوال العرب في فترة قبل الميلاد أو قبل الإسلام وهو كتاب المفصل في تاري. العرب قبل الإسلام للدكتور جواد علي والذي يعتبر مرجعاً لا غنى عنه وقد اعتمدنا عليه كثيراً في هذا الفصل بالإضافة لبحوث متخصصة حديثة.

تقسيم العرب

ذكر جواد علي أقسام العرب في الجزء الأول من كتابه بعلي 1993: ج1 ص 294ة أن الرواة وأهل الأخبار اتفقوا أو كادوا يتفقون على تقسيم العرب من حيث القدم إلى ثلاث طبقات: 91ب بائدة وعرب عاربة وعرب مستعربة. أما العرب البائدة فهم العرب الذين هلكوا واندثروا قبل الإسلام ولم يبق منهم غير آثار وذكريات والبعض يدمج هذه الطبقة مع طبقة العرب العاربةجأما العرب الباقون الذين كانوا يؤلفون جمهرة العرب بعد هلاك الطبقة الأولى فهم العرب العاربة والعرب المستعربة وهم العرب الذين كتب لهم البقاء وكان ينتمي إليهم كل العرب الصرحاء عند ظهور الإسلامخ  فأما العرب العاربة والذي تسمى أيضاً القحطانية أو الجنوبيون فمنازلهم الأولى في اليمنج واتفقوا أهل الأخبار أو كادوا يتفقون على أن القحطانيين هم 91ب منذ خلقهم الله وعلى هذا النحو من العربية التي نفهمها ويفقهها من يسمع هذه الكلمةج فهم الأصل. وإما العرب المستعربة أو العدنانية أو الشماليون فمنازلهم الأولى في الحجازج والعدنانية الفرع منهم أخذوا العربية وبلسانهم تكلم أبناء إسماعيل بعد هجرتهم إلى الحجاز 41ح الله صدر جدهم إسماعيل فتكلم بالعربية بعد أن كان يتكلم بلغة أبيه التي كانت الآرامية أو الكلدانية أو العبرانية على بعض الأقوال.

ما يهمنا هنا هم العرب المستعربة الذين تحدثوا باللغة العربية الشمالية والذي ينتمي لها الجماعات التي استقرت في البحرين القديمة منذ قرون قبل الميلاد.

العرب المستعربة

          قيل لهم العرب المستعربة لأنهم انضموا إلى العرب العاربة وأخذوا العربية منهم. و منهم تعلم إسماعيل الجد الأكبر للعرب المستعربة العربية فصار نسلهم منه ثم من العرب واندمجوا فيهمج وموطنهم الأول مكة على ما يستنبط من كلام الأخباريين فيها تعلم إسماعيل العربية وفيها ولد أولاده فهي إذن المهد الأول للإسماعيليينخ بعلي 1993غج1 ص 375ة.

          إلا أن أحداً لا يعلم من أين جاء الاسم عدنان ويقول في ذلك جواد علي

وقد رأينا أن قحطان هو يقطن أو يقطان في التوراة أما عدنان فلا نجد له اسما فيها وقد رأينا أن بين يقطان وسام ثلاثة آباء أو أربعة أما بين عدنان وسام فعدد كبير من الأباء ب علي 1993: ج1 ص 375  376ة.

ويعود جواد علي ليؤكد هذه النقطة في مقطع آخر فيقولغ

لقد كان من السهل علينا الوقوف على المنبع الذي أمد أهل الأخبار بأصل كلمة قحطان أما بالنسبة إلى عدنان فإن من العسير علينا أن نتحدث عن المنبع الذي أمد أهل الأخبار باسمه فليس في التوراة اسم يشابهه بين أسماء أبناء إسماعيل أو غير أبناء إسماعيل وليس فيها اسم ملك 91بي أو سيد قبيلة 91بية اسمه لا يشابه اسم عدنان ثم إننا لا ندري كيف عثر عليه أهل الأخبار وكيف صيروه على الوزن الذي صي: به اسم قحطان: هل ابتدعوه ابتداعاً أو أخذوه من أفواه أناس أدركوا الجاهلية وكانوا قد وقفوا على اسمه بين أهل مكة أو بين القبائل التي تنسب إلى إسماعيل? وهل كان اسم قبيلة أو اسم حلف من الأحلاف ثم صيّر اسم رجل فيما بعد. هذه أسئلة يجب أن نعترف بأن من غير الممكن الإجابة عنها في الزمن الحاضر لعدم وجود مادة لدينا تساعدنا في استنباط أجوبة منها لذلك نترك أمرها إلى المستقبل فلعل الأيام المقبلة تأتي بمادة جديدة تزح النقاب عن هذا الجهل المطبق باسم عدنان وبفكرة عدنان ب علي 1993: ج1 ص 380ة.

وأياً كان أصل لفظ العدنانية إلا أن هناك حقيقة وجود قبائل 91بية تمركزت في تهامة ومكة أطلق عليها اسم قبائل عدنانية أو 91ب مستعربة وهذه الجماعات تصارعت فيما بينها وتفرقت في الجزيرة العربيةج يقول جواد عليغ

ويظهر من روايات أهل الأخبار إن تهامة هي موطن العدنانيين ومكة من تهامةج ولكن أحوالاً قاهرة أحاطت بالقبائل العدنانية فاضطرتها إلى التفرق والهجرة. وكانت قضاعة أول من تشتت وتفرق بسبب قتال وقع بينها وبين نزار. ثم أعقب هجرة قضاعة هجرات أخرى من العدنانيين فانتشروا في مناطق واسعة من جزيرة العرب حتى وصلوا إلى العراق والشامج واختلطوا بالقبائل الأخرى وتفرقوا في كل مكان. ويظهر من تلك الروايات أيضاً أن القبائل العدنانية كانت قبائل متشاحنة يحارب بعضها بعضاً دفعها إلى تشاحنها هذا طبيعة البداوة وفق11 البادية والتقاتل على الكلأ والماء حتى 61ب بها المثل في التفرق والتشتت بعلي 1993: ج1 ص 380  381ة.

بداية ظهور العرب المستعربة

لا نعلم بالتحديد التاري. التي توغلت فيه القبائل العربية في شمال الجزيرة العربيةج إلا أنه من المعلوم أنه في القرن التاسع قبل الميلاد تمركز العديد من الجماعات العربية في شمال الجزيرة العربية على امتداد المنطقة المحصورة بين البحر الأحمر والخليج العربي بْeade 1998ةج وقد ظهرت كلمة 91ب لأول مرة في نقش بابلي يعود لعام 853 قخ مخ بٌewis 1993ج pخ 15ة.

'3*B1'1 'D,E'9'* 'D91(J) AJ 'D(-1JF

 وقد كان تمركزهم إستراتيجياً حيث كانت تلك المناطق عبارة عن طرق تجارية برية وكانت عماد طرق القوافل التي تصل بين جنوب الجزيرة العربية وبلاد الرافدين منذ القرن السابع قبل الميلادج وعادة ما يركز الكتاب على أربع طرق رئيسية اعتبرت شرايين التجارة بين العربية الجنوبية وبلاد الشام بقyrne 2003). ويتناول بحث قyrne تفاصيل عن علاقة العرب والآشوريين منذ القرن الثامن قبل الميلاد وقد 41ح الباحث تفاصيل الطرق التجارية القديمة. وقد كانت تلك الطرق تبدأ من جنوب الجزيرة العربية وتمر موازية للبحر الأحمر فتمر بمكة ثم المدينة بيثربة ومن المدينة يبدأ تفرع تلك الطرق. أحد تلك الطرق يبدأ بالمدينة ثم يمر بمنطقة حائل وبعدها يتفرع إما يتجه باتجاه النجف أو باتجاه أورخ طريق آخر يبدأ من يثرب ويمر بتيماء وبعده يتفرع إما يتجه باتجاه ساحل البحر المتوسط للمدن الفينيقية أو باتجاه بابل. وطريق ثالث يبدأ بيثرب ويتجه باتجاه تبوك ثم إلى ساحل المتوسط بقyrne 2003).

تمركز 91ب الشمال في المناطق التي تمر بها طرق التجارة أتاح لهم الاستيطان بتلك المناطق واستغلال موقعهم ففرضوا ضرائب على التجار وعلى التجارة أو حتى أن يغيرو على تلك القوافل التجاريةج ويجب أن نوضح هنا أن تلك الجماعات العربية لا تعيش جميعها حياة البداوة وليس جميع البدو في تلك المنطقة 91ب بْeade 1998ة. إلا أن تلك الجماعات العربية التي استقرت في شمال الجزيرة العربية لم تنعم بحياة السلم فقد اصطدمت تلك الجماعات بال«شوريين ويناقش ْeade في بحثه حول صورة العرب في النقوشات ال»شورية العديد من النقوشات ال«شورية التي عثر عليها والتي تعود للقرنين السابع والسادس قبل الميلاد وهي توضح ال»شورين يقتادون 91باً أو يقومون بإعدامهم أو نقش يبين غارة الآشوريين على العرب بْeade 1998ة.

الأنباط وعرب الشمال

          كونت تلك الجماعات العربية التي استوطنت شمال وشمال شرق شبه الجزيرة العربية البدايات الأولى لما عرف لاحقاً باسم عرب الشمال. وقد عاشوا  حياة البداوة إلا أن جماعات من تلك القبائل قررت الاستقرار بالقرب من الماء ثم مارست تلك الجماعات الزراعة والتجارة وتحولوا لجماعات حضرية وقد عرفت هذه الجماعات الحضرية من العرب باسم النبط. وقد جاء في لسان العرب مادة نبط أنهم يسمون النبط والأنباط والنبيط والنبط إنما سموا بذلك لاستنباطهم ما يخرج من الأرضج فأصل التسمية من النبط بمعنى الماء الذي ينبط من قعر البئر إذا حفرت. إذاً فكلمة النبط مرتبطة ارتباطاً وثيقاً باستنباط الماء من الأرض ولا يتعب نفسه في استنباطه إلا من يريد المقام عنده وهذا ليس من دأب البدو الرحل. وقد تعارفت العرب أن من يدعون النبط هم أهل سواد العراق على وجه الخصوص أو الشعب القديم في الشام والعراق على وجه العموم وعرفوا أنهم حاذقون في الزراعة وفي استنباط المياه واستخرلمعادن وأنهم يتحدثون ال«رامية بعباس 1987: 514ةج ورجح »خرون أنه يقصد بالنبط تعبير عام ازدرائي عن المزارعين الحضر الناطقين بالآرامية ببوتس 2003: ج زج ص 988ةخ  ويقول جواد علي في هذا الصددغ

           أما أنهم سموا نبطاً لكثرة النبط عندهم وهو الماء أو لاستنباطهم الماء وانباطهم الآبار وما شاكل ذلك من تفاسير وردت في معنى النبط فهو كلام كان يسمع في القديم. أما اليوم فلا يمكن أن يقام له وزن. والنبط في عرف الباحثين همنبط ونبطو في الكتابات والكلمة اسم علم ليس غير مثل سائر أسماء الأعلام لا علاقة له لا بالماء ولا باستنباط الماءج حار الأخباريون فيه فعالجوه على مألوف طريقتهم بإيجاد معان للأسماء وتعليلات وأسباب وظنوا أنهم بهذا التعليل وجدوا 31 التسمية ووقفوا عليه ولاسيما إن النبط زراع ولهم مياه غزيرة وعلم بالماء وان النبط: الماء الذي ينبط من قعر البئر إذا حفرت فقالوا: النبط من نبط فالمسألة اذن سهلة هينة إنهم سموا نبطاً لاستنباطهم ما يخرج من الأرضين وهو الماء بعلي 1993: ج3 ص 12  13ة.

عرب الشمال وبداية الكتابة

          كان 91ب الجنوب سباقون في ابتكار أبجدية تكتب بها لغتهم بينما لغة 91ب الشمال كانت لغة غير مكتوبة وعندما استقرت جماعات من 91ب الشمال وتركوا حياة البداوة واجهوا مشكلة الكتابة فاختاروا لأنفسهم أبجدية اللغات المتداولة عند الجماعات المستقرة بقربهم ويتعاملون معهم فاختار النبط حروف اللغة ال«رامية واختارت الجماعات التي سكنت شرق الجزيرة العربية حروف اللغة العربية الجنوبية ببالإضافة لل»راميةة وهو ما سنفصله في الفصل القادم. ويخلص الدكتور عدنان البني في بحثه عن بداية الكتابة العربية بالبني 2001) إلى أن الكتابة بالحروف العربية والتي تطورت للأبجدية الحالية بدأت منذ القرن الخامس واستقامت في نهاية القرن السادس. ولا يتفق العلماء على رأي واحد حول أصل الكتابة العربيةج فثمة مدارس تجتهد في هذا الموضوع الأولى مدرسة الإخباريين وقدامي الكتاب التي تقول بأن أول كتابة 91بية عرفت في مدينة الحيرة في العراق وإن أهل مدينة الحيرة تعلموا الكتابة من أهل الأنبارج وبعضهم رأى أن الكتابة العربية أتت من اليمنج أما المدرسة الثانية فهي في الواقع المدرسة الحديثة التي تعتمد على دراسة موضوعية للخطوط ومقارنتها أي على علم النقائش بالابيغرافياة وعلم المخطوطات القديمة بالباليوغرافياة وتقول هذه المدرسة إن الحروف العربية استقت من الحروف الآرامية المتطورة وبخاصة من الكتابة اللينة بالذات. ويتفرع القائلون بهذا الرأي إلى منحيين الأول نحو الخط السرياني بأنواعه والثاني نحو الخط النبطي وكلا الخطين السرياني والنبطي متفرع من الآرامية بالبني 2001).

'3*B1'1 'D,E'9'* 'D91(J) AJ 'D(-1JF

الخلاصة

خلاصة هذا الفصل أن هناك قبائل 91بية سكنت تهامة ومكة وقد تفرقت في الجزيرة العربية وكانت لها علاقة ببلاد الرافدين وقد أستق11 جزء منها وعاش حياة الحضر وعمل في الزراعة والتجارة وهذه الجماعات هي التي عرفت بالنبط أو الأنباط التي استقرت جماعة منها في شرق الجزيرة العربية إلا أن لغة هذه الجماعات العربية لم تكن مكتوبة فاقتبسوا حروف لغات أخرى وبذلك بقيت هويتهم العربية غامضة بعض الشيء. إما دلائل عروبة الأنباط وهويتهم وبداية تكون 91ب الشمال فسنتناولها بالتفصيل في الفصل القادم.

بقلم: حسين محمد حسين الجمري

استقرار الجماعات العربية في البحرين