الفخار

عرف الإنسان كيف يحول الطين كيميائياً إلى مادة صلبة عن طريق الشوي في النار بالأفران والقمائن. وعرف كيف يشكله ويصنعه ويزججه. وصنع منه الفخار المسامي وغير المسامي، وفي عدة ألوان وأشكال. ومما ساعده اختراع دولاب الفخار في الألفية الرابعة ق.م. ليشكل الطين فوقه بيديه ورجليه تدير عجلته. وكان الفخار يجفف في الهواء والشمس ثم يتم إحراقه بطريقة تهوية والتحكم في الهواء ليعطي اللون الأحمر أو الأسود حسب مادة الطين. وكان يزين ويصقل قبل الحرق أو بعده، ويلون بأكاسيد المعادن. وكانت أبرز مراكز صناعة الفخار في شرق آسيا في الصين واليابان وكوريا. وحتى نهاية الألفية الثانية ق.م. كان الصينيون يصنعون الفخار بأيديهم. وظلوا منذ سنة 206 ق.م. وحتى سنة 220 م. يصنعون التماثيل الصغيرة والأشياء الفخارية حتى المواقد. وفي سنة 220 م. ظهر الخزف الصيني، وكانت تصدره للهند والشرق الأوسط، وكان عليه رسومات تميزه. وكان الفخار في أمريكا يُصنع يدوياً ويلون بأكاسيد المعادن أو أصباغ نباتية، ولم يعرفوا الدولاب. وفي جنوب أمريكا تم العثور على فخار يرجع لسنة 3200 ق.م. في الإكوادور وبيرو بأمريكا الجنوبية، عبارة عن قدور وفازات ملونة. وصنع المكسيكيون السيراميك بالخزف، يرجع تاريخه لسنة 1500 ق.م. وفي حضارة الأولمك صُنعت التماثيل الفخارية الصغيرة المجوفة في سنة 300 م، وأوانٍ متعددة الألوان ولها ثلاثة أرجل. وكان المايا يصنعون الخزف في أشكال رقيقة إسطوانية متعددة الألوان. والزهريات عليها صور ونقوش خطية والحياة اليومية. وفي أمريكا الشمالية بوادي المسيسيبي في الألفية الأولى ق.م. كان يُصنع الفخار الملون. وفي الشرق الأوسط كان يُصنع الفخار مبكراً. ففي الأناضول، صُنع منذ 6500 سنة ق.م. تماثيل طينية للعبادة وتماثيل صغيرة ملونة بالمغرة الحمراء. وكان يُصنع يدوياً، وكان محززاً بخطوط أفقية. وكان الفخار يُشوى في أفران الخبز أو قمائن. وفي الشام كان يُصنع الفخار. ومنذ الألفية الخامسة ق.م. كان الخزف الملون يُصنع في شمال بلاد الرافدين في سمارة. وكان يُصنع منه أشكال حيوانية وبشرية ملونة باللون الأحمر والبني والأسود. وصُنع الفخار الممتاز والملون بتل حلف عندما تعلم صناع الفخار (potters) كيفية التحكم في شدة نيران الأفران. وفي نفس الفترة كان الفرس يصنعون القدور ويزينونها بأشكال وتصميمات هندسية ورسم الطيور والحيوانات. وكان الفخار المزجج قد عُرف حوالي 1500 ق.م. في بلاد الرافدين، وكان من أجود الأنواع، وخاصةً بالزخارف المعمارية. وظهرت الفسيفساء الملونة لتزيين الأعمدة والكوات في بلدة الوركاء بالعراق. وكان يُزين به في بابل واجهات المعابد والغرف والمداخل، ويكون صوراً ملونة من الحيوانات كالأسود والثيران. وبلغت الذروة في استعماله في القرن السادس ق.م. وفي الألفية الخامسة ق.م. كان يُصنع الخزف بمصر، وكان مصقولاً ورقيقاً وغامقاً، وكان يُعلّق بالحبل للزينة. ثم كان يُدهن ويزين بأشكال هندسية أو حيوانية حمراء أو بنية أو أصفر داكن. وكانت مصر مشهورة سنة 2000 ق.م. بخزف الفيانس الذي كان يُصنع من الزجلبركاني (الكوارتز). وكان لونه أخضر غامقاً أو أزرق لامعاً، وكان أقرب منه للزجاج وليس للخزف. ومن هذا النوع صنع الحرفيون المصريون منه الخرز والمجوهرات والجعارين والأكواب الراقية وتماثيل الأوشابتي الصغيرة التي كانت توضع كخدم مع الميت. وكان الفخار يُصنع في جزر بحر إيجه منذ سنة 1500 ق.م. ولا سيما في جزيرتي قبرص وكريت. وكان يُلون بلونين ويتخذ أشكالاً خيالية، ولا يُستعمل إلا للزينة ووضع الكريمات والعطور به. وكان يُحلّى بتصميمات هندسية أو تجريدية. وكان الفخار يُشكل في أشكال خيالية. وفي اليونان كان تشكيل ودهان وتزيين الخزف فناً تقليدياً هناك. وكان يُشكل الطين المحلي على الدولاب بسهولة. وكل نوع كان مميزاً وله أغراضه واستعمالاته في المجتمع الإغريقي. فأمفورا (amphora) (جرة) عبارة عن وعاء طويل بيدين (عروتين) يُستعمل لتخزين الخمر والزيت والحبوب والعسل. وهيدرا (hydria) عبارة عن إبريق للماء. وليسيثس (lecythus) عبارة عن قارورة للزيت لها رقبة طويلة ضيقة وتُستعمل في القرابين الجنائزية. وسيلكس (cylix) عبارة عن كوب بيدين وله قدم (بقاعدة). وأونوكوا (oenochoe) إبريق للخمر له شفة. وكان الفخار الأسود غير المزخرف يُستعمل في اليونان أيام العصور الهيلينية. وكانت هذه الأنواع من الخزف قد تأثر بها الرومان. وكان الإغريق يتقنون حرقه في أفران خاصة، وكانوا يزينون الفخار والخزف بصور نباتات وحيوانات تجريدية أو صور خيالية. وكان النوع الأثيني الطراز سائداً سنة 1000 ق.م. وفي سنة 530 ق.م. ظهر الفخار الأحمر، وكان يُصنع في أثينا وكورنث وانتشر غرباً. وكانت الخلفية مدهونة أسود والأشكال مرسومة فوقها بالبني المحمر، وكانت تفاصيل الأشكال بالأسود، وكان يوضع ماء الذهب لإظهار الحلي. وكان يُصنع أواني الفخار الأبيض المرسوم بالألوان. وكان الرومان يعجبون كثيراً بالآنية الخزفية الحمراء المصقولة واللامعة في تفاعل ضد الفخار الإغريقي والهيليني الأسود. وكانت تقنية صنع هذا النوع قد ظهرت في شرق البحر الأبيض المتوسط سنة 323 ق.م. وكان يُصنع بغمس الإناء في معلق سائل من جسيمات دقيقة من مسحوق السيلكا (الرمل)، ثم يُحرق في أفران مؤكسدة. وكان الفخار يُصب في قوالب خاصة منقوشة من داخلها لتعطي الصور والأشكال البارزة على الفخار. وكان يُطلق على هذا النوع من الفخار الطين المطبوع (terra sigillata) (stamped earth)، أو ما عُرف بفخار آرتين (Arretine ware). وكانت الأشكال مزينة بقطع معدنية أو زجاجية. وهذا النوع انتشرت صناعته وكان رائجاً مع النوع الإغريقي الأسود اللامع في كل الإمبراطورية الرومانية، ولا سيما في جنوب فرنسا بالقرن الأول ميلادي. وفي الخلافة الأموية (661-750 م) كانت الأكواب والأواني تُصنع بمصر من البلور (الزجلصخري) الأزرق أو الأخضر. وعلاوة على الفخار المصنوع في بلاد الرافدين وإيران وسوريا. وكانت صناعة الفخار والخزف قد تأثرت بالصينيين منذ القرن التاسع م وحتى القرن العاشر م. وفي القرن التاسع شجع العباسيون صناع الفخار والخزف على تقليد الصناعة الصينية بألوانها وأشكالها البارزة على السطح. وانتقلت في القرن العاشر هذه الصناعة من العراق للأندلس ومنها لأوروبا، ولا سيما التزجيج بالقصدير. وبصفة عامة، كان الفخار والخزف الإسلامي يُصنعان في قوالب عادية أو منقوشة بالأشكال، ومن بينها أنواع القيشاني (نسبة لبلدة كاشان بإيران) التي كانت تُستخدم في المساجد أو لتزيين الحوائط كالفسيفساء الملونة والبيضاء. ومن خلال التقنية الإسلامية ظهرت صناعة القيشاني والسيراميك الإسلامي في إيطاليا بالقرن الخامس عشر، وانتشرت صناعته في أوروبا حتى أواخر القرن السادس عشر. فخار بوكورو (Bucchero): نوع من الفخار الرمادي أو الأسود الجميل الصنع، سطحه لامع أملس. وكان الإتروسكان ينحتونه ما بين القرنين الخامس والرابع ق.م.