تراث البحرين

الدولة القرمطية في البحرين

48ec94c9ebbc6الدولة القرمطية في البحرين: تأسيسها ـ نظمها الإدارية ـ نشاطاتها العسكرية

حظي تاريخ قرامطة البحرين والأحساء بعناية كبيرة من قبل الباحثين إلى حد أن تاري. القرامطة بات بالنسبة لبعضهم هو تاريخ قرامطة البحرين، ولهذا أهملوا تاريخ قرامطة الأحساء والبحرين.

وكان من أوائل من اهتم بهم اهتماماً زائداً المستشرق الهولندي دي خويه. ودفع هذا الاهتمام المستشرق البريطاني برنارد لويس إلى القول: “وتاري.

 

هذه الطائفة الظاهري معروف إلى حد ما، وليس لدينا إلا شيء قليل نستطيع أن نضيفه إلى دراسات دي خويه في هذا الموضوع.” وركز لويس جهوده على تحقيق علاقة هذه الطائفة بالدعوة الإسماعيلية الفاطمية، فأثبتها من حيث الأصول والبدايات.

وترتبط بدايات الدعوة القرمطية بالبحرين بالحركة القرمطية في سواد الكوفة أيام حمدان بن الأشعث وعبدان، أي ببدايات ظهور القرامطة تاريخياً. ففي تلك الحقبة جرى إرسال داعية إلى منطقة هج1 يدعو بين قبائلها، وكان على رأس هذه القبائل عقيل وكلاب من قبائل عامر بن صعصعة.

ومن المرجح أن اسم هذا الداعية كان “أبو زكريا يحيى بن علي الطمامي”، ويرجح أن إنفاذ هذا الداعية كان سنة 281هـ/894م. ثم ألحق بعد أمد بأبي سعيد الحسن بن بهرام الجنابي. ويلاحظ أن هذا قد تم بعد القضاء على ثورة الزنج في سواد البصرة وتصفيتها نهائياً، وبالتالي استرداد بغداد لقسط كبير من عافيتها وقوتها، وذلك أن قائد الجيش بات عباسياً وليس واحداً من الغلمان الترك.

والتوجه نحو البحرين كان دوافعه أنها منطقة خليجية خاضعة للمؤثرات القادمة من البصرة، فيها قبائل كثيرة. فمما لا شك فيه أن الدعوة القرمطية قد استغلت فرصة القضاء على ثورة الزنج وأرادت استغلال التشيع الذي انتشر بين قبائل الخليج. وهذا قد يساعد على فهم وتعليل الاستجابة التي لقيها الطمامي أولاً ثم الجنابي بعده.

لقد قام الجنابي بتصفية الطمامي، فبعد ما عطله عن النشاط الدعوي قتله. ويمكن أن نرى في هذا الإجراء خطوة علمت بداية تمرد على دعوة العراق. ويرجح أن هذا قد حدث بعد استيلاء زكرويه من مهرويه على مقاليد هذه الدعوة، وتصفيته لكل من عبدان وحمدان بن الأشعث، الأمر الذي كان له أبعد الآثار على أبي سعيد الجنابي وخططه المستقبلية.

وبدأ أبو سعيد نشاطه في منطقة بلدة هج1 قصبة البحرين، ولقي هناك معونة عشيرة قوية عرفت ببني سنبر. وتحالف أبو سعيد مع هذه العشيرة، وكان قوام هذا التحالف وقواعده: القيادة لأبي سعيد والمشورة والوزارة لآل سنبر. واستمر العمل بهذه القاعدة بعدما أفلح أبو سعيد في تأسيس دولة قرمطية في البحرين، فقد كانت السيادة في هذه الدولة ل«ل أبي سعيد والوزارة ل»ل سنبر وفق خطة محكمة.

لا نمتلك أدنى معلومات عن قيام إمامة الدعوة الإسماعيلية بمراسلة أبي سعيد أو توجيهه، ومرد هذا إلى ما حل ببيت الإمامة في السلمية في الشام، بسبب نشاط قرامطة الشام بزعامة صاحب الخال الذي ادعى الإمامة ولقب نفسه بالمهدي. ودفع نشاط صاحب الخال بيت الإمامة بالسلمية إلى هج1 هذه البلدة، حيث سافر اثنان معه نحو الرملة، فمصر فالمغرب، وهما: عبد الله المهدي المقبل، مؤسس الخلافة الفاطمية، ومحمد القائم الذي سيكون ثاني خلفاء الفاطميين.

وليس من المستبعد ـ لا بل من المرجح ـ أن نوعاً من الاتصالات قد جرى بعد قيام الخلافة الفاطمية في إفريقية، لكن ليس من المهم هنا قيام هذه الاتصالات، بل هو أن الدعوة في البحرين نشأت مستقلة عن التوجيه الإسماعيلي. والمثير للانتباه أن أبا سعيد لم يستغل هذا الاستقلال استغلالاً شخصياً بأن يدعي النسب العلوي، كما فعل زعيما قرامطة الشام، ويعلن نفسه إماماً، كما فعل، أو يعلن عن نفسه مهدياً من دون هذا النسب كما فعل علي بن الفضل في اليمن.

لقد اكتفى أبو سعيد باتخاذ لقب “سيد” وسار في أتباعه سيرة “ديموقراطية” فكان على درجة عالية من التواضع، وهكذا كان أولاده من بعده. وركز جهوده الدعوية ونشاطاته الحربية، وأوقفها أولاً على أعمال الاستيلاء على هجر. فقد أقام على مقربة منها بلدة الأحساء، واتخذها قاعدة له. وعندما تمكن من هج1 دمرها، ونقل من أطاعه من أهلها إلى الأحساء التي غدت الآن عاصمة لدولة لم يعرف تاري. الخليج وشبه جزيرة العرب، بل بلاد العرب مثيلاً لها.

لقد أنشأ أبو سعيد مجتمعاً جديداً، أساسه خطة تجربة حمدان قرمط في سواد العراق حين أمر بإلغاء الملكية الخاصة، وأحل محلها الملكية الجماعية العامة، ودعا ذلك باسم “الألفة” وهي أنهم يجمعون أموالهم في موضع واحد، وأن يكونوا فيه أسوة واحدة، لا يفضل أحد من أصحابه على صاحبه، ولا أخيه في ملك يملكه البتة. وقال لهم: “لا حاجة بكم إلى الأموال، فإن الأرض بأسرها ستكون لكم دون غيركم.” وأقام في كل قرية رجلاً مختاراً من الثقات، فجمع عنده أموال قريته من: غنم، وبقر، وحلي، ومتاع، وغير ذلك. فكان يكسو عاريهم، وينفق عليهم ما يكفيهم، حتى لم يبق بينهم فقير ولا محتاج. وأخذ كل رجل منهم بالانكماش في صناعته، والكسب بجهده، ليكون له الفضل في رتبته. وجمعت المرأة إليه كسبها من مغزلها، وأدى إليه الصبي أجرة نظارته وحراسته ونحوه. ولم يبق في ملك أحد منهم غير سيفه وسلاحه لا غير.

وعلى قاعدة الداعية حمدان، قام أبو سعيد الجنابي في البداية بجمع صبيان أتباعه: “في دور، وأقام عليهم ما يحتاجون إليه ووشمهم لئلا يختلطوا بغيرهم، ونصب لهم عرفاء، وأخذ يعلمهم ركوب الخيل والطعن، فنشأوا لا يعرفون غير الحرب، وقد صارت دعوته طبعاً لهم.”

بواسطة هؤلاء عندما غدوا رجالاً أمن الجنابي البنية الأساسية لدولته، والعمود الفقري لنظامه، ومجتمعه. ويلاحظ هنا أن الجنابي لم يبدع هذه الطريقة، بل استعارها وطورها، فهي أساس تجربة جيش المعتصم من الغلمان والأتراك، وكانت أيضاً مطبقة بشكل رائع في ثغور بلاد الشام، لا سيما في مدينة طرسوس. وسيستعير هذه التجربة عبد المؤمن بن علي بعيد تأسيسه لدولة الموحدين في المغرب الأقصى.

لقد ألغى أبو سعيد الجنابي ـ كما فعل حمدان من قبل ـ الملكيات الخاصة، وقبض كل مال في البلد، والثمار، والحنطة، والشعير، وأقام رعاة للإبل والغنم، ومعهم قوم لحفظها، والتنقل معها على نوب معروفة، وأجرى على أصحابه جرايات فلم يكن لأحد غير ما يطعمه. وتبعاً لهذا اتخذ إجراء بإلغاء الضرائب وتأمين الحاجيات “للمواطنين” بالقسطاس المستقيم، ولم تعد هناك حاجة إلى النقود الذهبية والفضية، وقد اكتفى الناس بالتعامل بنقود خاصة من الرصاص. وكان هذا بين الإجراءات التي اتخذت للحفاظ على الثروة العامة “والرأسمال الوطني.”

لقد أقام الجنابي مجتمعاً “اشتراكياً عسكرياً” من الطراز الأمثل، بشكل لم تعرف له سابقة من قبل. فقد أوقف وقته كله “على جمع الخيل، وإعداد السلاح، ونسج الدروع والمخافر، واتخاذ الإبل، وإصلاح الرجال، وضرب السيوف والأسنة، واتخاذ الروايا والمزاود، وتعليم الصبيان الفروسية، وطرد الأعراب من قريته، وسد الوجوه التي يتعرف منها أمر بلده وأحواله بالرجال، وإصلاح أراضي المزارع وأصول النخل وتفقدها، ونصب الأمناء على ذلك، وأقام العرفاء اللحم ليفرقوه على من ترسم لهم، ويدفع الرأس والأكارع والبطن إلى العبيد والإماء، ويج2 الصوف والوبر من الغنم، ويفرقه على من يغزله، ثم يدفعه إلى من ينسجه أثواباً وأكسية وغرائد وجوالقات، ويفتل منه حبال، ويسلم الجلد إلى الدباغ، ثم إلى خرازي القرب والروايا والمزاود، وإنما كان من الجلود يصلح نعالاً وخفافاً عمل منه، ثم يجمع ذلك كله إلى خزائن.”

“فكان ذلك دأبه لا يغفله، فزادت بلاده وعظمت هيبته في صدور الناس.”

ولم يبن الجنابي في بلدته المساجد، كما لم يقم بها صلاة الجمعة. وعلى هذا لم تعرف دولته الدعوة لخليفة أو إمام، فهو حين أنشأ دولته، لم تكن الخلافة الفاطمية قد قامت، وكان هو بالأساس معادياً للخلافة العباسية.

ويلاحظ أن “مواطني” دولة الأحساء عاشوا مع نظامها، وتعايشوا بكل إخلاص وانسجام.

وهذا مبني على أساس أن الأخبار لم تورد أية حوادث تمرد أو فتن داخلية، وعاش هذا النظام طويلاً، وهذا ما نلاحظه في وصف الأحساء لدى ناصر خسرو، الذي زارها بعد ما يزيد على القرن ونصف القرن من تأسيسها.

لقد كانت دولة القرامطة هذه دولة “محاربين عقائديين”، وقد احتاجت إلى الخدمات العامة، وهذا ما قامت السلطة بتأمينه، حيث مكنت الحرفيين من العمل ومنحتهم الرساميل والمواد الأولية والحوانيت. أما أعمال الزراعة والخدمات العامة فقد جرى تأمين ذلك بواسطة الرقيق، خاصة الأسود منه. ودفع استخدام العبيد بعضهم إلى القول: “إن دولة الأحساء لم تكن دولة اشتراكية محضة، إنما كانت دولة محاربين، وطبقت السلطة فيها نظام رأسمالية الدولة.” وذهب آخرون إلى القول: “إن دولة القرامطة في البحرين قامت في منطقة خضعت بشكل متواصل إلى التأثير الفارسي، لا سيما الساساني منه، وأبو سعيد نفسه لعله كان من أصل إيراني. وعلى هذا فإن نظام دولة القرامطة الذي قام فيها لم يكن سوى نظام متطور عن النظام الإقطاعي الساساني الذي اشتهر بنظام إقطاعيات الفرسان.”

ومما لا شك فيه أن اتخاذ العبيد وتسخيرهم كان ثغرة في نظام دولة الأحساء، الدولة التي شهدت ساحات أصولها في العراق، قبل قيامها ثورة عارمة للزنج. لكن بما أن الأخبار لم تذكر أعمال تمرد أو شكوى للعبيد، يمكننا الافتراض أنها أحسنت معاملتهم. ولنتذكر في هذا المقام أن العقل البشري لم يتقبل إلغاء الرق إلا منذ زمن قصير نسبياً، وأن تجربة الأحساء قامت منذ أحد عشر قرناً، وهي بلا شك تجربة ما تزال بعض دول الوطن العربي والعالم حالياً تتطلع إلى ما يماثلها.

لقد بهرت تجربة الأحساء عقول معاصريها أيام أبي سعيد وخلفائه من بعده، وهذا ما نشهده في محتويات المكتبة الجغرافية العربية، وعند بعض الكتاب المتأخرين نسبياً مثل البيروني. فقد تحدث المقدسي عن الأحساء فقال: “وبها مستق11 القرامطة من آل أبي سعيد، ثم نظر وعدل، غير أن الجامع معطل.” ووصف ابن حوقل ـ وهو جغرافي شامي إسماعيلي ـ أحوال دولة الأحساء بعد قرابة قرن مضى على تأسيسها، وذلك أيام الصراع بينها وبين الخلافة الفاطمية. وكان مما قاله: “وبها أموال وعشور ووجوه مرافق وقوانين ومراصد وضروب مرسومة من الكلف إلى ما يصل إليهم من بادية البصرة والكوفة، وطرق مكة. وبعد إقطاع ما بالبحرين من الضياع بضروب ثمارها ومزارعها من الحنطة والشعير والنخل لأتباعهم المعروفين كانوا بالمؤمنين، ومبلغها نحو ثلاثين ألف دينار. وما عدا ذلك من المال، والأمر والنهي والحل والعقد، وما كان يصل إليهم من طريق مكة ومال عمان، وما وصل إليهم من الرملة والشام فمتساو فيه آراء ولد أبي سعيد الباقين، ومفاوضة أبي محمد سنبر بن الحسن بن سنبر، وكان أكمل القوم ثم تمكناً من نفسه. فإذا هموا بقسمة ما يصل إليهم من مال السنة، كان ذلك ليوم معلوم مذ لم يزالوا، فيعزل منه الخمس بسهم صاحب الزمان، والثلاثة الأخماس لولد أبي سعيد على قوانين وضعوها بينهم، وكان الخمس الباقي للسنابرة، مسلماً إلى أبي محمد ليفرقه في ولد أبيه وولده، ويكونون نحو أربعين رجلاً. وكان ولد أبي طاهر فيهم يعظمون ويكرمون. وكان لهم من الثلاثة أخماس مال معلوم دون الجرايات عليهم من الغنائم بحسب منازلهم، دون مالهم من الضياع والنعمة المختصة بهم إلى سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة.”

وكان من رسومهم ركوب مشايخهم وأولادهم فرادى، فيجتمعون إلى قبلة الأحساء بالمكان المعروف بالجرعاء، ويلعب أحداثهم بالرماح على خيولهم، وينصرفون أفذاذاً بغاية التواضع وقد لبسوا البياض لا غير.

وكان من رسومهم أن تقع شوراهم بالجرعاء فيمن يخرجونه لما فدحهم وأهمهم، فإن اتفق رأيهم على خروجهم بأجمعهم، لم يتخلفوا ونفذوا، وتركوا في البلد أوثقهم وأشرفهم منزلة عندهم. وسمعت غير حاك من سني نيف وخمسين يحكي: “أن سادتهم يتوزعون من مال البصرة والكوفة، وما يفيضونه من الحجاج، ويرد عليهم من مال عمان، والغنائم دون الخمس الخارج عنهم لصاحب الزمان ألف ألف دينار، وربما زادت المائة والمائتي ألف دينار.”

وعندما وصلت أخبار أبي سعيد إلى السلطات العباسية في بغداد عجلت بإرسال جيش ضده، لحقته الهزيمة الماحقة، وكان وقع ذلك مخيفاً على سكان البصرة، حتى “عزم أهلها على الانتقال منها.” وأرسلت الخلافة العباسية الجيش تلو الآخر ضد القرامطة فأخفقت جميعاً، وخُيِّل لكثير من الناس أن القرامطة باتوا قادرين على الاستيلاء على العراق واقتحام بغداد بالذات.

لا يتسع المجال في هذا البحث لاستعراض أخبار المعارك بين القرامطة وبين الجيوش العباسية، وبالوقت نفسه يتسع أيضاً تقديم تفاصيل النشاط العسكري القرمطي في شبه جزيرة العرب. وسأكتفي بالإشارة إلى مجمل نشاطاتهم ضد قوافل الحج، وسأقف عند اقتحامهم لمكة المكرمة، وقتلهم الحجاج في المسجد الحرام، واقتلاعهم للحج1 الأسود، وحمله معهم إلى الأحساء.

وفي عودة نحو أخبار دولة أبي سعيد، نجد أن أبا سعيد قد جرى اغتياله في سنة 301هـ/914م. وقد قيل أن عملية الاغتيال كانت فردية بدون دوافع تآمرية داخلية أو خارجية، ويرجح أن لها علاقة بمقتل الطمامي، وبمشاكل داخل أركان الدعوة. وسترد بعض الإشارات إلى هذا فيما يلي:

وتسلم السيادة بعده ابنه سعيد، مع أنه كان مستضعفاً، لكنه كان أسن إخوانه، ولهذا أولي. ومبدأ توريث السلطة دلالاته، فالجنابي وإن أسس دولة لها نظامها العسكري والاقتصادي والاجتماعي الخاص، إلا أنه أسس بالوقت نفسه مملكة تدار من قبله ثم أسرته من بعده.

وحدث في أواخر أيام أبي سعيد أن عمدت الخلافة العباسية إلى إرسال سفارة إليه. وعندما وصلت هذه السفارة إلى البصرة علمت بوفاته، فرادعت علي بن عيسى وزير الخلافة، فطلب منها الذهاب إلى الأحساء، وتسليم الرسالة التي بحوزتها إلى خليفة أبي سعيد. وكان مما جاء في رسالة الخلافة: “زعمت أنك رسول المهدي، وقد قتلت العلويين وسبيت آل الأخضر العلويين، ومن باليمامة، واسترققت العلويات، وغدرت بأهل البحرين.”

فأجاب سعيد بن أبي سعيد: “إن أهل البحرين بغوا علينا، وغدروا بنا، وقالوا: إنا نشترك في أزواجنا، ونرى الإباحة وتعطيل الشريعة، وقد كذبوا علينا، ونحن قوم مسلمون، وما نحل من اتهمنا بغير الإسلام.”

وواضح أن هذا الجواب، جواب أسرة ملكية حاكمة لدولة موطدة الأركان، وحديث الملوك غير حديث الدعاة والثوار. وعلى هذا الأساس شجعت هذه الإجابة الوزير القدير علي بن عيسى، فكتب مجدداً إلى سلطات القرامطة يقول: “إن كنتم صادقين فأطلقوا من في أيديكم من أسارى المسلمين.” واستجاب القرامطة، فأطلقوا نحو ثلاثين ألفاً وأظهروا الإسلام والصلاة وقراءة القرآن. ولعل هذا يفيد أن السلام ساد بين القرامطة والسلطات العباسية، لكن ذلك ما كان ليمر بدون ردات فعل بين القرامطة، لذلك أقدم القرامطة سنة 305هـ/917م على خلع سعيد، حيث حل محله أخوه أبو طاهر سليمان.

واختلفت شخصية أبي طاهر عن شخصية سعيد، فقد مثل أبو طاهر التطرف الشديد، ففي أيامه نشط قرامطة البحرين عسكرياً بشكل هائل ومرعب. وتركز هذا النشاط بشكل خاص ضد قوافل الحجاج، ثم أضعف العباسيين وشل قواتهم عن العمل. ويلاحظ في هذا المقام أن ولاية أبي طاهر تلت حادثة عزل علي بن عيسى عن الوزارة في بغداد، وحدث تبدل في المواقف الرسمية العباسية، وتزامن أيضاً مع استقرار الأمور في إفريقية للمهدي الفاطمي، وشروعه في إرسال الجيوش ضد مصر لاحتلالها. ويبدو أن الاتصالات قد قامت في هذه الآونة بين الخلافة الفاطمية والقرامطة، ووضعت الخطط للتنسيق في الجهود العسكرية بين الطرفين. والذي طلبته الخلافة الفاطمية من القرامطة هو الضغط على العراق، والضغط أيضاً على السلطات الإخشيدية في الشام، وهذا ما حصل.

وقد يسهل علينا فهم هذا واستيعابه سياسياً وعسكرياً، لكن كيف لنا أن نفهم تعاظم النشاط ضد قوافل الحجاج، وأخيراً مهاجمة مكة واستباحتها مع انتزاع الحج1 الأسود؟

في عودة إلى تاري. الخلافة الفاطمية، نجد أن مؤسسها حمل لقب “المهدي”، ومن المرجح أنه كان “إمام استيداع” ولم يكن “إمام استقرار”. وحمل الخليفة الثاني لقب “القائم”، ورتبة القائم لدى الإسماعيلية أعلى من رتبة المهدي. والقائم كما يقول القاضي النعمان هو “سابع سبعة من «دم، ودوره »خر الأدوار.” والأنبياء ذوو العزم عند القاضي النعمان سبعة: أولهم آدم، وثانيهم نوح، وثالثهم إبراهيم، ورابعهم موسى، وخامسهم عيسى، وسادسهم محمد، وسابعهم القائم. والقائم هو الذي يعلن القيامة، أي يتولى إلغاء الديانات جميعاً وإحلال ديانة جديدة محلها قائمة على الكشف المطلق، الأمر الذي سنراه في أيام الحاكم بأمر الله وتأسيس العقيدة الدرزية.

قد أرادت الدعوة الإسماعيلية، بوساطة القرامطة، قطع قافلة الحج بشكل نهائي، بواسطة مهاجمة قوافل الحجاج، وقطع طرق الحج. لكن عندما أخفقت هذه الخطة، هاجم أبو طاهر ـ كما سنرى ـ مكة في أيام الموسم، وقتل الحجاج، واقتلع الحج1 الأسود، لأن الإسماعيلية والقرامطة اعتقدوا أنه مغناطيس القلوب “يجذب الناس إليه من أطراف العالم.”

والحج هو شعيرة تميز بها الإسلام، وهو الركن الوحيد المعلن بشكل عالمي ظاهري، فيه تعبير واضح عن استمرارية الإسلام والعمل بمبادئه أممياً. ذلك أن بقية الأركان: الصلاة، ودفع الزكاة، وصوم رمضان، مع التلفظ بالشهادتين، شعائر يمكن أن تمارس بشكل فردي وسري. لكن الحج لا يمارس إلا في بقعة محددة وبصورة علنية. واستمرار الحج معناه تعطيل خطط إعلان القيامة والإخفاق في تعطيل الشريعة، والاضطرار إلى مسايرة الأوضاع الظاهرة. وهذا يفقد الدعوى الإسماعيلية مسوغاتها الدينية الخاصة بها.

وروى ثابت بن سنان الصابئي (ت 365هـ/976م) في تاريخه الذي ذيل به تاري. الطبري، أخبار الحملة القرمطية على مكة فقال: “وفي سنة سبع وثلاثمائة خرج بالناس إلى الحج من بغداد منصور الديلمي ـ أميراً للحجاج بأمر الخليفة ـ ليحج الناس فسلموا في الطريق من بغداد إلى مكة. فلحقهم أبو طاهر القرمطي بمكة يوم التروية، أي قبل طلوعهم عرفات بساعات قليلة. فقاتلهم أمير مكة ومن معه، ولم يكن إلا القليل حتى هزمهم، وأعمل فيهم السيف ونهب الحجيج، وقتل الحجاج حتى في المسجد الحرام، وفي البيت نفسه، ورمى القتلى في بئر زمزم، حتى امتلأت بجثث القتلى، وخلع باب الكعبة، ووقف يلعب بسيفه على باب الكعبة، وينشد ويقول:

أنا بالله وبالله أنا

يخلق الخلق وأفنيهم أنا

وحار الكتاب في تعليل هذه الحادثة فالأوائل عللوها ردة إلى الديانة الزرادشتية المجوسية، وإلى عبادة النيران، وهذا بعيد الاحتمال. ورأى آخرون فيها تمرداً على الفاطميين ورفضاً لسلطتهم، وفي هذا أيضاً ما فيه، إذا أخذنا بعين الاعتبار أوضاع الخلافة الفاطمية آنذاك، ذلك أنها كانت تقاتل من أجل البقاء ضد تحالف النكارية مع مالكية إفريقية ومساندة قرطبة.

التعليل يظل قائماً في مضامين العقيدة الإسماعيلية حول مسألتي الكشف عن علوم الباطن، وإعلان القيامة العظمى مثلما سيحدث في أيام الحاكم بأمر الله. والمثير للانتباه أن كلاً من أنوشتكين الدرزي والطمامي لقيا الموت على يدي من وجههما.

فالأمر لم يطل بزكريا الطمامي، فقد حاول الانفراد بالأمر بالأحساء وتصفية «ل أبي سعيد الجنابي و»ل سنبر، لذلك سارع أبو طاهر فقتله وتخلص منه.

ويبدو أنه عندما أعلن عن تأليه زكريا الطمامي، جرى الإعلان عن أبي طاهر إماماً مهدياً، فهذا ما يستفاد مما أورده له البيروني، ويتوافق هذا مع ما حصل لحمزة بن علي الزوزني أيام الحاكم بأمر الله، في المرحلة الثانية لتصفية الدرزي.

ومهما يكن الحال، لقد كان لهذا الحدث أثره الكبير على أوضاع القرامطة عامة، ومسألة القيادة والطاعة لأبي طاهر. وسيكون شبيه هذا مع الحاكم بأمر الله، فقد “صار أصحابه لا يمتثلون أمره كما كان، وقد كانوا لا يخالفونه في شيء البتة، وكان أي شيء نهبوه أو غنموه يسلموه إليه، ولا يخونونه في شيء منه لأنه حجة الله. فصاروا لا يعطونه ما ينهبونه وصاروا يشربون الخمر، ويسمعون القيان، ويطلبون المواخير. وإذا جاءهم العرفاء وقالوا لهم: “هاتوا ما غنمتم” لم يعطوهم، وإذا قالوا لهم: “السيد يأمركم بكذا” وجهوا أقبح الشتائم للسيد.”

لقد سبب نشاط القرامطة في شبه الجزيرة اندفاع أعداد هائلة من رجال القبائل العربية خاصة من قبائل عامر بن صعصعة ـ نحو قبائل الشام والعراق. ومع اتساع عمليات القرامطة أيام أبي طاهر جرى زيادة في الاعتماد على رجالات هذه القبائل عن طريق الإغراء بالغنائم ودفع الأموال. وأخذ العباسيون بدورهم يسعون لشراء ولاء بعض زعماء القبائل، كما أن بعض هؤلاء كانوا يفكرون بالعمل لصالحه ولمنفعته الخاصة، مما قاد إلى تأسيس حكم الدولة المرداسية في حلب وحكم الدولة العُقيلية في الموصل وحكم نمير في حران وقشير حول قلعة جعبر.

ولقد خفت حدة نشاط أبي طاهر القرمطي، لكنه لم يتوقف وتجددت الاتصالات بينه وبين بغداد. وطلبت السلطات العباسية منه منذ عام 322هـ/934م عدم التعرض لقوافل الحج، ورد الحج1 الأسود، وذلك في مقابل اعتراف الخليفة العباسي به أميراً على البلاد التي يحكمها. وبعد أمد تم التوصل إلى اتفاق، وبات على الخلافة العباسية بموجبه الاكتفاء بالاعتراف بأبي طاهر، بل بدفع مبلغ كبير من المال له إتاوة سنوية. ويبدو أن مرد هذا الاتفاق لا يعود إلى الأزمة الداخلية التي وقعت بسبب زكريا الطمامي فحسب، بل إلى الإخفاق في قطع الحج، وإلى ما لحق الدولة الفاطمية ونزل بساحتها إثر وفاة المهدي سنة 322هـ/934م بقيام ثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد النكاري. ولم يوقف هذه الحملات الفاطمية ضد مصر، لا سيما أن حكام الشام ومصر من الإخشيديين أخذوا يدفعون للقرامطة إتاوة سنوية عالية على غرار الخلافة العباسية.

وظل أبو طاهر سيداً لقرامطة الأحساء والبحرين حتى سنة وفاته في 332هـ/944م. لعل بين أهم ما حصل في العقد الأخير من حياته.