عاشت البحرين تاريخاً حافلاً بالنشاط البحري، فازدهرت على شواطئها صناعة السفن، وجاب أبناؤها البحار والمحيطات وغاصوا في أعماقها وارتادوا الموانئ القريبة والبعيدة، وبرعوا في فنون الملاحة البحرية وقيادة السفن والإبحار بها في مهارة واقتدار. ربطوا بين شواطئ الخليج والمحيط وأقاموا جسوراً بين الشرق الآسيوي كشبه القارة الهندية وبين الجنوب الإفريقي كالزنجبار، ونقلوا منها البضائع والأخشاب والحرير وغير ذلك. واليوم نحن مع موضوع مهم ألا وهو موضوع السفن الشراعية البحرينية وتوثيق أسمائها وأنواعها وملاكها. وهذا البحث هو باختصار عبارة عن
استدراك على البحث الذي كتبه الأستاذ المؤرخ سيف بن مرزوق الشملان الكويتي ونشره في “مجلة الوثيقة” حول الغوص في البحرين. وقد ذكر فيه حفظه الله جملة من السفن التي كانت تستخدم أيام الغوص، لكن ما فاته أضعاف أضعاف ما كتب. ومن هنا كان من واجبي كموثق لهذا التاري. العريق أن أذكر ما فاته من الأسماء، راجياً من القراء الأكارم أن يتفاعلوا معي ويرسلوا لي جميع ما يحفظونه من أسماء سفن آبائهم وأجدادهم وحتى صور تلك السفن إن وجدت، وذلك لكي توثق وتحفظ للأجيال القادمة. وقبل أن نبدأ في استدراك ما فات الشملان في بحثه إليك أخي القارئ مقدمات مهمة حول السفن الشراعية في البحرين.
من أقدم السفن الشراعية في تاري. البحرين:
أقدم سفينة شراعية وقفت على اسمها في تاري. البحرين هي سفينة تسمى “القرينة” لوزير البحرين سنة 985هـ، جاء ذكرها في “وثيقة عثمانية” مؤرخة في 25 رجب سنة 985هـ الموافق أكتوبر 1577م. انظر كتاب “الكويت في القرنين الثامن والتاسع” (صفحة ص63) لمؤلفه السيد خالد سالم محمد.
كذلك ومن السفن المشهورة في تاري. البحرين “الجابرية” لعبد الرحمن الفاضل، ذكرها الشيخ محمد بن خليفة النبهاني في كتابه “التحفة النبهانية” في أحداث سنة 1225هـ الموافق 1810م، والشيخ راشد بن فاضل آل بن علي في كتابه “مجموع الفضائل” (صفحة ص54).
أعداد السفن الشراعية:
من الجدير بالذكر أن عدد سفن الغوص في مدينة المحرق فقط بلغت 282 سفينة، البسيتين 22، الدير 21، الحد 167، حالتي النعيم والسلطة 51، سماهيج 11، قلالي 21، أم الشج1 12. أي أن ص97 سفينة كانت تبحر من مدينة المحرق والقرى المجاورة لها وذلك من مجموع 917 سفينة في جميع أنحاء البحرين العام 1907م.
وهناك إشارة أخرى وردت في كتب المؤرخين عن بلدان الخليج حول عدد السفن وهو أنه كان يوجد في مدينة المحرق وحدها 700 سفينة من مختلف الأحجام والأنواع كالبوم، والبتيل، والبقارة، والشوعي، والسنبوك.
أطول السفن الشراعية:
من أشهر السفن الشراعية طولاً سفينة السيد عبد الله بن إبراهيم السادة إذ كان يبلغ طولها 39 ذراعاً أو نحو 60 قدماً. ومنها “مساعد” ويسمى أيضاً “الفوج” (سنبوك) للحاج مبارك بن شاهين العماري وطوله 27 ذراعاً وعدد بحارته حوالي المائة. وقد غرق في كارون قرب المحمرة. ومنها “سمحان” المعروفة بـ”أبو الكبابة” (بوم) للحاج يوسف بن عبد الرحمن فخرو وقد اشتهر بطوله ويحمل حوالي المائة من البحارة وغيرهم.
أسرع السفن الشراعية:
ومن أسرع السفن الشراعية: “مشهور” (سنبوك) للحاج علي بن هلال، وقد اشتهر بسرعته. و”كلب البدو” وهو بوم للحاج يوسف عبد الملك الحمر، وقد سمي بهذا الاسم لسرعته الفائقة. كذلك “رمزان” (بوم) للحاج سلمان بن صق11 الحادي، وكان سريعاً لا يُجارى، وغيرها الكثير.
أسماء السفن الشراعية:
تتنوع أسماء السفن الشراعية في البحرين إلى عدد كبير من الأنواع، والتي لا أظن أنه يمكن حصرها في هذه العجالة. فمن النواخذة من يسمي سفينته بأسماء بلدان وذلك مثل: بغداد، والقاهرة، وحلب، ودلهي، والحجاز، وكراتشي، وباريس، وبيروت، والرياض، والطائف، والبصرة وغيرها.
ومنهم من يسمي سفينته على أسماء الرجال مثل: مساعد، سعيد، منصور، فرحان، برزان، سويلم وغيرها.
ومنهم من يسميها بأسماء النساء مثل: دلال، وأم أحمد، ووضحة وغيرها.
ومنهم من يسميها على أسماء الحيوانات مثل: كلب البدو، والفرس، والعقاب، والذيبة وغيرها.
ومنهم من يسميها بأسماء تكون عبارة عن نعوت حسنة وذلك تيمناً بهذه الأسماء والنعوت مثل: “سمحان” (وهو من أشهر الأسماء) ليكون سمحاً في سيره وانقياده. و”مصارع” مثلاً ليصارع الأمواج. و”الطيارة” ليطير فوق الأمواج أو بمعنى «خر ليكون سريع السير. و”مزيون”. و”بشارة” ليبشر بكل خير. و”معدي” ليتعدى غيره من السفن أو بمعنى »خر ليسرع في سيره. و”ميسر” وغيرها.
وهناك من يسمي سفينته باسم كتاب من كتب العلم مثل: فتح الباري.
وهناك أسماء عوائل مثل: الدوي، والحسيني وغيرهما.
وهناك أسماء لطيفة مثل: “ريح بالك” لأبناء السيد هاشم اليوشع. وأسماء غريبة لم أقف على معانيها مثل: “أربيش”. إلى غير ذلك من الأسماء الكثيرة. وعندما سألت الحاج معراج بن جاسم المهيزع حول الآلية التي يتم من خلالها تسمية هذه السفن فأجاب حفظه الله: أن كل شخص يسمي سفينته حسب ما يرغب ويشاء. وأنا على سبيل المثال قد سميت سفينتي بـ”أم أحمد” فليس هناك أي قيد على تسمية السفن كما يقول ولذلك تجدها مختلفة ومتنوعة.
أسماء السفن كما ذكرها الشملان:
ذكر الأستاذ المؤرخ سيف بن مرزوق الشملان الكويتي في بحثه في “مجلة الوثيقة” عدد 52 سفينة بحرينية فقط وهذا العدد ولاشك أنه لا يشكل إلا نزراً يسيراً مقارنة مع الكم الكبير والأسطول العريض الذي كان يقبع على شواطئ البحرين آنذاك. وعليه فقد قمت بجمع ما فات المؤر. الشملان من السفن البحرينية وتوثيقه من خلال عدد من المصادر المطبوعة، ومقابلة عدد من الشخصيات المهمة في هذا الباب. ولا أدعي أني جمعت كل تلك السفن، إنما هي محاولة لتوثيق ذلك التاري. الضائع. وإن كان هناك شيء من التقصير أو خطأ في المعلومات سواء في ما كتبه الأستاذ الشملان أو فيما كتبته أنا فالرجاء التصويب لي ففي ذلك إثراء لهذه المادة العلمية القيمة، وحفظاً لها من الضياع للأجيال القادمة.