تاريخي

تاريخ البلوش في البحرين

تاري. البلوش في البحرين

في تاري. هذا البلد أناس ممن دقوا المسمار الأول في بناء بلدنا البحرين، وواجهوا الأهوال والصعوبات حتى يتسنى لنا نحن أن نراها بهذا الشموخ. أناس لهم من الذكريات الكثير التي وجب أن تذكر وتدون في سجل الذكريات حتى نقرأ جيلاً بعد جيل لنعلم أن الشجرة اليافعة التي تقف أمامنا هي في الأصل ثمرة غرس هؤلاء الذين رعوها حتى نراها في هذا العلو. أناس عاهدوا الله أن يعيشوا في كنف هذه الأرض أداة بناء وتعمير.
ولا يخفى عليك، عزيزي القارئ، أن طرق أبواب الماضي ليس بالأمر الهين، فأبوابه قد أوصدت وصفحاته قد طويت بعد أن انتقلت إلى سجل النسيان. ولكن اعتقاداً مني بأن العودة إلى فتح ذاك الباب والعودة منه بالتاري. القديم لهذا البلد العزيز ليستحق هذا العناء والبحث، خصوصاً وأن الجيل الحالي من شباب هذا البلد قد يجهل أصحاب اللبنة الأولى.
طارق راشد العامر

نواصل حديثنا عن تاري. البلوش في البحرين. ويتناول حديثنا اليوم عن دخول البلوش في الإسلام، وعن القبائل الخمس للبلوش وأشهر العائلات البلوشية التي سكنت في حالة أبومـاهر قبل أن تستق11 في منطقة البسيتين بالمحرق. كما نتحدث عن المرحوم عبدالرحمن بن عبدالقادر البلوشي، والذي تكفل بتربيته المغفور له الشيخ عيسى بن علي.
كما نذكر في الحلقة الأخيرة “أولاد محمد”، وهم من جملة العشائر التي دخلت إلى البحرين مع أحمد الفاتح لتحريرها من سلطان الدولة القاجارية. وكان رئيسهم وقائدهم آنذاك يوسف بن أحمد بن فاضل.
ويواصل الشي. أحمد كتابه، ويتحدث عن دخول البلوش في الإسلام فيقول: في عام 23 هجرية أرسل الخليفة عمر بن الخطاب كلاً من سهيل بن عدي وعبدالله بن عتبان لفتح بلوشستان وكرمان إلى تلك المنطقة، فأسلم جمع كثير وقبل البقية دفع الجزية.
يقول برتولد شبولر في كتابه “تاري. إيران في القرون الإسلامية الأولى”: لقد أسلم القسم الأكبر من البلوش بمجرد انتصار المسلمين هناك في بلوشستان. ونقرأ في سمرقند، جندي شابور، بعد حرق معابد الأصنام في جبل نمرود، ومدينة نمرود بالقرب من مدينة سمرقند، وفي أسروشنه سنة 93 هجرية / 712 م، وكذلك في عام 711 م أسلم تيس ومكران.

رواية عثمان

نقرأ في رواية أخرى أن عثمان بن عفان أمر ابن خالته عبدالله بن عامر بن كُريز ليبحث له عن رجل حكيم مجرب خبير لإرساله إلى حدود السند، فتم اختيار وإرسال الحكيم بن جبلة العبدي. ولما عاد الحكيم سأله الخليفة عن وضع تلك الديار (بلوشستان)؟ فأجابه ابن جبلة العبدي قائلاً: “ماؤها وشل، تمرها آكل، لصها بطل. إن قل الجيش بها ضاعوا، وإن كثر جاعوا.”
إبان خلافة علي بن أبي طالب في أواخر سنة 38 هـ وبداية 39 هـ، أمر الخليفة الحارث بن مرة العبدي بالزحف بجيوشه إلى هناك، فذهب وانتصر وكسب غنائم، فقتل في يوم واحد فقط ألف عبد أسير. قُتل الحارث عام 42 هـ في منطقة قيقان في بلاد السند. ثم عيّن معاوية عام 44 هـ المهلب بن أبي صفرة لحكومة مكران، فأرسل المهلب كلاً من عبدالله بن سوار العبدي إلى بلوشستان والسند.
لقد مر بمنطقة بلوشستان الكثير من الرحالة والقادة ومؤرخو الأحداث التاريخية، فوصفوها بالمنطقة البعيدة والخطرة، وكانوا يخشون أهاليها ويخافونهم. كما جاء في جواب سنان بن سلمة بن المحبق الهذلي، الحاكم العربي في أجزاء من إيران لمدة عامين، لأمره بالرحيل عبر بلوشستان إلى محل حكومته الجديدة، فيقول: “إنك تشير إلى طريق مكران وتأمرني بالرحيل، ولكن بين الأمر والتنفيذ اختلاف بعيد. إنني لن أدخل هذه الأرض أبداً، لأن سماع اسمها يخيفني.” لكن على أية حال تشجع سنان بن سلمة وافتتح وحكم مكران، ثم أرسل كلاً من زياد بن أبي سفيان وراشد بن عمر الجديدي من أقوام الأزد إلى حكومة بلوشستان.

الحجاج يفتح بلوشستان

حينما ولي الحجاج بن يوسف بن حكم بن أبي عقيل الثقفي العراق، أرسل سعيد بن أسلم بن عقبة الكلابي ليحكم مكران، فثار عليه معاوية وأحمد ابناء العلاني، فقتلاه واستوليا على مكران.
ثم أرسل الحجاج مجاعة بن سغر التميمي إلى بلوشستان، فحارب وانتصر وغنم كثيراً، لكنه توفي بعد عام من المجاعة.
ويذكر الحكامي في كتابه نقلاً عن راهي بهادر هيتوارام في كتابه “تاريخ بلوجستان” المطبوع عام 1907، أن الأربع والأربعين قبيلة بلوشية قد اندمجت كلها في القبائل الخمس، التي هي قبيلة الرند، وقبيلة اللاشار، وقبيلة الكورائي، وقبيلة الهوت، وقبيلة الجتوئي. وقد سميت بأسمائها وتوزعت عليها. وقد حدث هذا بعد وفاة الزعيم البلوشي جلال خان، وبعد هجرة القبائل البلوشية من كرمان إلى مكران.
أما المؤرخون الآخرون فإنهم يجمعون على أن القفص والبلوص من القبائل اليمانية: الحميرية والتبابعة والقحطانية، والأزد وغيرهم قد كانوا منتشرين في مكران من عدة قرون قبل الفتح الإسلامي.
والواضح أن هذه القبائل الخمس هي الرند، اللاشاري، الكورائي، الهوت، القبوئي. وهي نفسها متكونة من عدة أفخاذ عربية.
ولم يكن لأي منهم نسب قبلي منفرد، فهي قبل الاندماج (44 قبيلة) كانت في الأصل منشقة من أفخاذ وفصائل عربية متعددة البطون في قبائل العرب.
وفيما يلي ملخص موج2 عن هذه القبائل الخمس:
قبيلة الرند: يقول هيتوارام في كتابه “تاريخ بلوجستان” أن نسبهم يرجع إلى قريش إلى الحمزة بن عبدالمطلب عم الرسول محمد عليه الصلاة والسلام.
ويعيشون في مكران، وهم حلقة الوصل بين القبائل العمانية والقبائل الأخرى.
قبيلة الكورائي: يقول فريدي في كتابه “الأقوام البلوشية وتاريخهم”: “كورت” بلغة البلوش معناه البحر. وإذا كانت طوائف من قبائل البلوش تقطن على ضفتي نهر “كوت” من قصر قند إلى جاهزان، فلقد سميت هذه القبائل المقيمة هنا باسم “كوري”. وقد عرفت بعد ذلك كل عشيرة من هذه العشائر بهذا الاسم، وقد حرفت هذه الكلمة تدريجياً فصارت “كورائي”. ثم تناولها القاصّون والخرافيون فنقلوها إلى لفظ محرف آخر وقالوا إنه هو اسم واحد من أولاد جلال خان، فتناقلوا هذه الحكاية الخيالية الموضوعية وولدوا لجلال خان ولداً سموه “كوراخان”، ونسبوا إليه هذه القبيلة منحدرة من صلبه.
وهي من عظيمات القبائل البلوشية وتضم عدة عشائر عربية.
يليها اللاشاري: يقول فريدي في كتابه: “إن لغة البلوش في مكران الإيرانية هي لغتهم الأصيلة التي تعكس خصائصهم ومميزاتهم ومعايشهم. ولغة البلوش هذه في مكران الإيرانية هي أوضح لهم وأقرب إلى الفهم وأنسب في السند والبنجاب. ومن حيث الاصطلاحات التعبيرية والثروة اللفظية، فإن لسان البلوش في مكران الإيرانية ملائم كل الملاءمة لمنطق العقل ومقبول لدى الأذواق السليمة. وقد وردت في ذلك روايات متواترة حسب قول فريدي. وكذلك فإن مولانا المرحوم عبدالغني باراني قد نظم ديواناً شعرياً باللغة الفارسية على مثال “الشاهنامه”، وقد سماه “شاهنامة مكران”. وقد سرد فيه أسماء القبائل البلوشية القديمة مثل الرند، والهوت، والبرت، والولتك، والشنكه، والكورت، والجت، والهيد، واللنكر، والكهوته، والشويك. وكذلك قد سرد الناظم عبدالغني باراني أسماء بعض القبائل البلوشية المنسوبة إلى الأماكن والمدن والقرى، أو المنسوبة إلى الحوادث المهمة مثل باران زئي (أي الماطرة)، وزكرك زئي، وحمز زئي، ونوشيراني، وسدازئي، وسدروزئي، وشنوزئي. أو القبائل المنسوبة بياء النسبة مثل عمراني، ونوشيراني، ونوحاني، واللخ. وقال فريدي: “ويجب العلم هنا أن هذه القبائل لم تكن منسوبة إلى جد واحد في بلوجستان، ولكن بعض القبائل البلوشية المختلفة عندما يعيش أغلبها في أماكن معينة، فإن هذه القبائل تسمى بأسماء تلك الأماكن والبقاع وتنسب إليها أيضاً.”

أولاد محمد
وقبل ختم الحديث لابد أن نصل إلى المغزى من هذا الحديث وهو الحديث عن بلوش البحرين وأصولهم.
فأما ما ذكرناه عن محاسنهم ووفائهم بالعهد ونخوتهم العربية وتمرسهم الشديد في القتال، كان لابد أن نسلط الضوء عن تاريخهم في البحرين، وخصوصاً في معركة فتح البحرين التي قادها المغفور له أحمد الفاتح عام 1783م، انطلاقاً من الزبارة.
فقد كانت “أولاد محمد” من جملة العشائر التي دخلت إلى البحرين مع أحمد الفاتح لتحريرها من سلطان الدولة القاجارية.
وكان رئيسهم وقائدهم آنذاك يوسف بن أحمد بن فاضل. ويقول الباحثون إن مشاركة يوسف بن أحمد بن فاضل وعشيرته في هذه المعركة قد زاد في رفعة هذه القبيلة بين البلوش، وأعلى مكانتها بين الرند والهوت والكورائي واللاشاري والجتوئي، حتى صار كل بلوشي يهاج1 إلى الساحل العماني والخليج ينسب نفسه إلى “أولاد محمد”.
وبعد فتح البحرين رابطت “أولاد محمد” وانتشروا في حصون البحرين وقلعة بوماهر، وقلعة عراد، وقلعة الديوان.
فرابط يوسف بن أحمد بن فاضل وعشيرته وأتباعه في قلاع البحرين بنفوس أبية وقلوب ثابتة، ثم أقاموا صامتين لا يتحدثون عن أنفسهم ولا يذكرون ما فعلوا ولا يريدون من أحد أن يذكرهم.
ولقد تعرضت “أولاد محمد” خلال قيامهم على حراسة قلاع البحرين إلى الهجوم والضرب من السفن البريطانية التي كانت تعاود الهجوم والاعتداء على البحرين كلما افتعل الإنجليز حدثاً من الأحداث للتذرع به في سبيل محاصرة البحرين والتضييق عليها. وكلما اختلقوا سبباً من الأسباب لضرب قلاع البحرين وتخويف أهلها وتهديدهم باستعداء الحكومة الإيرانية عليهم. ولقد كان يوسف بن أحمد بن فاضل المتوفى عام 1203 هـ / 1788 م (أي بعد تحرير البحرين بخمسة أعوام)، وهو رئيس “أولاد محمد” وكبيرهم كما قلنا سالفاً. ولقد كان على رأس البلوش في تلك الغزوة العربية الخاطفة التي انفجرت بها قبائل الزبارة. وكانت أسرته الخاصة مكونة من ثلاثة بيوت، وهي بيت أولاد أحمد، وبيت أولاد صالح، وبيت أولاد فاضل.
ولقد استقرت “أولاد محمد” في البحرين في البسيتين بالمحرق.
ومن أشهر عائلات البلوش في البحرين: عائلة داود بن عبدالقادر المتوفى في عام 1218 هـ / 1803 م، ومحمد بن صالح المتوفى عام 1214 هـ / 1799 م، والمرحوم عبدالرحمن بن عبدالقادر البلوشي، والذي تكفل بتربيته المغفور له الشيخ عيسى بن علي، وقد أهداه الشيخ عيسى بن علي الخاتم والذي أشرنا به في الحلقة السابقة. وصالح بن عبدالرحمن المتوفى في 1245 هـ / 1829 م، وعبدالرحمن بن صالح المتوفى عام 1256 هـ / 1840 م، وحسن بن صالح المتوفى في عام 1277 هـ / 1860 م، وناصر أحمد مراد المتوفى في عام 1244 هـ / 1828 م، وغلام بن محمد المتوفى في عام 1287 هـ / 1870 م، وجمعة بن جلال، وعلي بن محمد، وعبدالله بن خميس، وحسن بن خميس، ومحمد صالح، وعبدالرحمن صالح، وداوود عبدالقادر، وحجي غلام محمد، وحسن عبدالله، وعلي بن محمد، وجمعة جلال، وخميس عبدالله.
في قلعة الديوان (وزارة الداخلية): حسن بن خميس وعلي بن خميس.
وقد اشتهرت قبائل البلوش بالبحرين بالفروسية والرماية، وكانوا من أمهر الذين عرفوا بالقنص.