تاريخي

حركة صاحب الزنج

1100712029بعد تقلص الدولة الأموية قامت الدولة العباسية بالاستيلاء على المناطق التي كانت تحت النفوذ الأموي. وفي عهد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور (754-775م) استولى عقبة بن سليم على البحرين، بالبحرين بجغرافيتها القديمة التي كانت تشمل الأحساء والقطيف وأوال. وبقيت البحرين تابعة لحكومة بغداد عاصمة الخلافة العباسية آنذاك، حتى ظهر في البحرين رجل عرف بعد ذلك بصاحب الزنج.ولد صاحب الزنج في قرية من قرى الري واسمها ورزنين. أما أبوه فقد ولد في طالقان. والاسم الحقيقي لصاحب الزنج هو علي بن محمد بن عبد الرحيم. ويرجع في نسبه إلى عبد القيس. وقد كان في بداية أمره شاعرًا يتكسب بها ويمشي مع حاشية السلطان وجماعة الخليفة المنتصر العباسي. ويرى ابن خلدون
وفي تاريخه أنه كان على رأي الأزارقة من الخوارج. في عام 249هـ (863م) خرج من سامراء متوجهًا إلى البحرين. وادعى فيها أنه: علي بن محمد بن الفضل بن الحسن،
كما يذكر ابن الأثير، بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب. فنسب نفسه إلى العباس بن علي بن أبي طالب كما أشار إلى ذلك الطبري. أما ابن خلدون فيذكر أن هذا الرجل ادعى أنه من ولد العباس بن عبد المطلب. ورأي الطبري أقرب للصواب بلحاظ تشيع أهل البحرين وولائهم لعلي بن أبي طالب ولابنه العباس، في حين أن العباس بن عبد المطلب لا يحظى بهذا الولاء عند أهل البحرين آنذاك. ويبدو أن ابن خلدون قد خلط بين العباسين.أما كيف عامله أهل البحرين فينقل ذلك الطبري بقوله: وقد كان أهل البحرين أحلوه من أنفسهم محل النبي فيما ذكر حتى جُبي له الخراج هنالك ونفذ حكمه بينهم وقاتلوا أسباب السلطان بسببه. لقد دعا الناس في هج1 (بالبحرين) لطاعته فتبعه كثيرون وخالفه كثيرون ودار القتال بين الفئتين ونتيجة لذلك انتقل إلى الأحساء.
ومنها إلى البادية. ويذكر ابن الأثير في الكامل أن بعض أهل البحرين صحبوه إلى الأحساء ومنهم يحيى بن محمد بن الأزرق البحراني، وسليمان بن جامع وهو قائد جيشه. أما الطبري فيذكر أنه ذهب للبادية وذهب معه بعض أهل البحرين أحدهم من الأحساء وآخر من هج1 وذكر معهما رجل ثالث لم يذكر اسم منطقته.
ويبدو أن الاثنين المذكورين في عبارة ابن الأثير هما المقصودان في عبارة الطبري. والملاحظة التي يجدر الالتفات إليها هي أن المؤرخين لم يذكروا الأسباب التي جعلت أهل البحرين يحلون هذا الرجل محل النبي ويجبون له الخراج ويجعلونه حاكمًا عليهم. فلم يذكروا شيئًا سوى أنه من ولد العباس بن علي بن أبي طالب. وبالتأكيد فإن مجرد نسبه للعباس لا يؤدي لكل هذا التقديس وهذه المنزلة في قلوب أهل البحرين، فإن البحرين مليئة بمن ينتسبون لعلي ومن خلال الحسين الذي هو أعز عند أهل البحرين من العباس ومع ذلك لم يقدسوهم كل هذا التقديس. فالأمر ليس أمر النسب. ويجب أن تكون هناك أسباب أخرى غفل عنها المؤرخون أو لم يذكروها لأسباب لا نعلمها. ومن المحتمل أن تكون العلاقة السيئة بين أهل البحرين والخلافة العباسية هي السبب لذلك، فمن المعروف أن الدولة العباسية لم تكن على ما يرام مع أئمة أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم، ويكفيها عداءً أنها قامت بقتل الأئمة واحدًا بعد الآخر بعد أن شددت من قبضتها عليهم حتى قضى الإمام الكاظم (عليه السلام) ما يقرب من أربعة عشر عامًا في سجون هارون الرشيد.
حتى انتهت سنوات السجن العجاف بقتله ووضعه على جسر بغداد. إن هذه التصرفات الوحشية لدولة بني العباس تجاه أئمة أهل البيت لم تكن لتمحى من ذاكرة الشيعة في كل مكان، ومن ذاكرة الشيعة في البحرين. ومن المعروف أن البحرين في ذلك الزمان كانت محطة للثوار الخارجين على الحكام الظالمين.
وعلى أساس ما تقدم، لا يبعد أن أهل البحرين كانوا في أتم الاستعداد للخروج والثورة ضد عمال
الخلافة العباسية في البحرين، وكانوا ينتظرون الشخصية القيادية التي تقودهم نحو هذا الهدف. ولعلم صاحب الزنج بوجود هذا الاستعداد لأهل البحرين فإنه قدم منتحلًا ومدعيًا الانتساب لأهل البيت ليكون لذلك أثره في قلوب أهل البحرين. إن صاحب الزنج ونتيجة لما صنعه بعد خروجه من البحرين من أهوال وجرائم قد عرفنا قبح نواياه وفسادها. وإذا قلنا بفساده فهذا لا يعني أن أهل البحرين الذين اتبعوه كانوا فاسدين. وأقصى ما يمكن أن نقوله بأنهم لم يعرفوه على حقيقته واستطاع بدهائه أن يقنعهم بحسن نواياه. لقد أوضح لنا التاري. فساد هذا الرجل ولم يبين لنا فساد أهل البحرين، خصوصًا وأن هذا الرجل حينما جاء البحرين كان لم يرتكب جرائمه التي ارتكبها بعد ذلك. فتاريخه الإجرامي يبدأ منذ وصوله للبصرة عام 255هـ (868م) كما يذكر ذلك المؤرخون. وبما أنه جاء البحرين عام 249هـ فهذا يعني أن أهل البحرين لم يكونوا يعرفوه بإجرامه وفساده لأنه ذلك لم يقع بعد.ورغم أن أهل البحرين – وحسب المعطيات التي ذكرت مسبقًا – لا يحملون وزر جرائم هذا الرجل إلا أن وقوع القتال بين أهل البحرين أنفسهم يشير إلى وجود طرف معه وآخر ضده. ومن المحتمل أن يكون سبب القتال أحد أمرين:الأول: أن الفئة التي كانت مع صاحب الزنج كانت تريد المواجهة مع عامل العباسيين في البحرين، في حين كان الطرف الآخر يمثل طرف العباسيين وأنصارهم في البحرين. الثاني: أن الفئة التي كانت مع صاحب الزنج كانت الفئة الضالة المنحرفة على فرض علمها بفساد صاحب الزنج، وكانت الفئة الثانية هي الفئة التي تريد أن توقف هذه الفئة المنحرفة عن ضلالها.ومن المحتمل أن تكون هناك احتمالات أخرى، إلا أن هذين الاحتمالين هما الأقرب وأرجحهما الأول للأسباب التي ذكرت أعلاه.لما وصل صاحب الزنج إلى البادية ذكر عنه وقوع بعض المعاج2 المدعاة إليه. وفي ذلك يقول ابن الأثير: كان ينتقل بالبادية فذكر عنه أنه قال أوتيت في تلك الأيام بالبادية «يات من »يات إمامتي ظاهرة للناس. منها إني لقنت سورًا من القر«ن فجرى بها لساني في ساعة وحفظتها في دفعة واحدة منها سبحان والكهف والصاد. ومن »يات إمامته كما يدعي، إني فكرت في الموضع الذي أقصده حيث نبت بي البلاد فأظلتني غمامة وخوطبت منها فقيل لي اقصد البصرة.
وفي البادية لم يترك هذا الرجل خبثه فانتحل اسمًا آخر وجمع الناس حوله كما يشير إلى ذلك الطبري بقوله: وذكر عنه عند مصيره (كذا في الطبري، وقد تكون “مسيره”) إلى البادية أوهم أهلها أنه يحيى بن عمر أو الحسين المقتول بناحية الكوفة، فاختدع بذلك قومًا منهم حتى اجتمع بها منهم جماعة كثيرة، فزحف بهم إلى
موضع بالبحرين يقال له الردم فكانت بينهم وقعة عظيمة كانت الدائرة عليه وعلى أصحابه قتلوا فيها قتلًا ذريعًا فنفرت عنه العرب وكرهته وتجنبت صحبته. فلما تفرقت عنه العرب ونبت به البادية شخص عنها إلى البصرة. بعد خروجه من البادية توجه إلى البصرة عام 254هـ ثم خرج منها إلى بغداد وذهب إلى مدينة السلام واستق11 بها سنة واحدة. وفي مدينة السلام (ببغداد) نسب نفسه إلى أحمد بن عيسى بن زيد وزعم أنه ظهرت له آيات في مقامه فيها. ويذكر الطبري أن صاحب الزنج ادعى أنه عرف ما في ضمائر أصحابه وما يفعله كل واحد منهم وأنه سأل ربه بها آية أن يعلم حقيقة أمره فرأى كتابًا يكتب له وهو ينظر إليه على حائط ولا يرى شخص كاتبه. وبعد أن استق11 سنة واحدة في مدينة السلام توجه للبصرة مرة أخرى وكان ذلك عام 255هـ، وهي السنة التي يذكر المؤرخون أنه بدأ حركته فيها. وكان ذلك في عهد الخليفة العباسي المهتدي. وفي عام 256هـ (870م) أصبحت الخلافة بيد المعتمد، ما يعني أن بداية حركة صاحب الزنج كانت في عهد المهتدي ولكن استفحال خطرها وانتشارها كان في عهد الخليفة المعتمد العباسي. وفي البصرة ادعى أنه علي بن محمد بن أحمد بن علي بن عيسى بن زيد بن علي، كما يذكر ذلك الذهبي.
فقد نسب نفسه إلى زيد بن علي المشهور بثورته. ويذكر ابن خلدون في تاريخه سبب ادعائه النسب إلى زيد بأن: أكثر دعاة العلوية الخارجين بالعراق أيام المعتصم وما بعده أكثرهم من الزيدية. ولأنه رأى كثرة خروج الزيدية فحدثته نفسه بالتوثب فانتحل هذا النسب ويشهد على ذلك أنه كان على رأي الأزارقة من الخوارج. لقد دعا العبيد إلى نفسه ووعدهم العتق وكتب على رايته إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم… الآية. فاجتمع حوله الزنوج. وفي ذلك يذكر ابن الأثير: كان يدعو غلمان أهل البصرة ويقبلون إليه للخلاص من الرق والتعب فاجتمع عنده منهم خلق كثير. فخطبهم ووعدهم أن يقودهم ويملكهم الأموال وحلف لهم
بالأيمان أن لا يغدر بهم ولا يخذلهم ولا يدع شيئًا من الإحسان إلا أتى به إليهم. فأتاه مواليهم وبذلوا له على كل عبد خمسة دنانير ليسلم إليه عبده فبطح أصحابهم وأمر كل من عنده من العبيد فضربوا مواليهم أو وكيلهم كل سيد خمسمائة سوط ثم أطلقهم. ومن الأعمال التي قام بها صاحب الزنج كما يذكر ذلك السيوطي أنه ادعى أنه أرسل إلى الخلق فرد الرسالة. وأنه مطلع على المغيبات. كما كان يصعد على منبره فيسب عثمان وعليًا ومعاوية وطلحة والزبير وعائشة. وكان يبيع المرأة العلوية على عسكره بدرهمين وثلاثة. وكان عند الواحد من الزنج العشرات من العلويات يطؤهن ويستخدمهن. ويذكر سيد أمير علي أن صاحب الزنج أباح لأتباعه أرذل أنواع الخلاعة والفجور فسمي بالخبيث صاحب الزنج، وانضم تحت لوائه العبيد من مختلف أنحاء البلاد فقوي بهم ساعده وأعلن نفسه سيدًا على كلدة والأهواز. ومن الجرائم التي ذكرها السيوطي في كتابه تاري. الخلفاء لهذا الرجل أنه قتل 300 ألف شخص في يوم واحد بالبصرة. ويبدو أن ذلك قد وقع في عام 257هـ (871م) حيث دخل البصرة وأحرقها وقتل أهلها كما يذكر ذلك الطبري.وبعد حروب طاحنة استمرت لسنوات عدة قتل صاحب الزنج عام 270هـ (883م) على يد الموفق أ. الخليفة العباسي كما يذكر ذلك الذهبي. وحينما قتل جاؤوا برأسه إلى بغداد ونشرت الزينة وصار الناس يدعون للموفق ويمدحه الشعراء وكان يومًا عظيمًا. ويذكر الطبري سنة ظهوره ووفاته والمدة بينهما في قوله: كان خروج صاحب الزنج في يوم الأربعاء لأربع بقين من شهر رمضان سنة 255هـ، وقُتل يوم السبت لليلتين خلتا من صفر سنة 270هـ، فكانت أيامه من لدن خرج إلى اليوم الذي قتل فيه أربعة عشر سنة وأربعة أشهر وستة أيام. وكان دخوله الأهواز لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة 256هـ. وكان دخوله البصرة وقتله أهلها وإحراقه لثلاث عشرة ليلة بقيت من شوال سنة 257هـ. ويرى حسن الأمين بأن ترف أهل البصرة آنذاك كان أحد أسباب هذه الحركة حيث يقول: وقد كان ترف البصريين من أهم الأسباب لحركة الزنج إذ كان كل نابه من البصريين وكل مترف في حوزته العشرات من الزنوج والزنجيات ولم يكن عمل لأولئك الزنوج غير مظاهر البذ. والفخفخة من حمل السيوف المذهبة وركوب الخيل والمشي وراء سادتهم وهذا البذ. أوجد في أوساط البصرة حركة الملونين ومن هنا نجم قرن صاحب الزنج. وإلى أيامنا هذه توجد في البصرة زاوية للنابه من الزنوج وكانت له أتاوة على زنوج البصرة وله علم يرفع يوم الخميس وتقيم فيه زنوج البصرة ألعابهم ويقدمون نذورهم.بعد هذه الجولة السريعة في حركة صاحب الزنج نذكر هذه الملاحظات:
1. إن صاحب الزنج كان ينتحل النسب المناسب في المكان المناسب، فحينما كان في البحرين نسب نفسه إلى العباس بن علي بن أبي طالب نظرًا لتشيع أهل البحرين المعروف بقوته آنذاك. وفي مدينة السلام (ببغداد) والبصرة نسب نفسه إلى زيد بن علي نظرًا لتاري. الزيدية في القيام بالثورات كما ذكر ذلك ابن خلدون. وفي البادية ذكر أنه يحيى ابن عمر أو الحسين المقتول بالكوفة ولابد أنه اختار هذا الاسم لسبب ما لا نعرفه.
2. إنه كان يصنع لنفسه هالة قدسية بادعائه للكرامات. فحين كان في البادية زعم أن الغيمة حدثته بأن يقصد البصرة. وحين كان في دار السلام زعم أنه يعلم ما في ضمائر أصحابه. وفي البصرة زعم أنه أرسل إلى الخلق فرد الرسالة وأنه يعلم بالمغيبات. ومن الملاحظ أنه لم يزعم مثل هذه المزاعم حينما كان في البحرين، أو على الأقل لم يذكر لنا المؤرخون ذلك.
3. إن المؤرخين حينما يتحدثون عن تاري. هذا الرجل فإنهم يؤرخون ظهوره بعام 255هـ، وحين نعلم بأنه جاء البحرين عام 249هـ، نعلم تبعًا لذلك بأن حركته في البحرين لم تكن بمستوى حركته في البصرة. ونعلم أيضًا بأنه حينما جاء البحرين لم يكن يعرف بصاحب الزنج بعد.
4. إن الأمة الإسلامية في ذلك الوقت كانت تعيش حالة من البساطة الفكرية بحيث إن شخصًا يدعي الكرامات ويزعم المزاعم الباطلة يستطيع أن يقنع الكثير من المسلمين وأن يكون جيشًا تعج2 الخلافة العباسية عن إيقافه عند حده، ويستمر في حروبه لمدة أربعة عشر عامًا.
5. إن الخلافة العباسية لم تكن بالمستوى المطلوب القادر على حفظ الأمة من أمثال هذه الحركات، كما أن الظلم الذي مارسته ضد المسلمين كان دافعًا للنهوض ضدها.
6. إن البذ. الزائد الذي عاشه أهل البصرة كان سببًا في ظهور هذه الحركة كما ذكر حسن الأمين. ويبدو أن الأمة التي اعتادت على ترف الحكام وظلمهم أصبحت هي الأخرى تعاني من هذه الحالات. وعلى أساس ذلك يبدو أن ثورة الزنوج كانت ثورة على وضع الأمة الفاسد قبل أن تكون على الحكام الظالمين.
7. إن الأمة بحاجة إلى أن تكون أكثر عقلانية في اختيار قائدها لكي لا تتبع شخصًا كصاحب الزنج، كما يجب على القائد المؤهل أن يتصدى للأمة المتلهفة قبل أن يأتيها القائد المزيف.
المصادر:
1. تاري. الطبري للطبري
2. كتاب الكامل لابن الأثير
3. تاري. الإسلام، للذهبي
4. تاري. ابن خلدون لابن خلدون
5. تاري. الخلفاء للسيوطي
6. مختصر تاري. العرب للسيد أمير علي
7. دائرة المعارف الإسلامية الشيعية لحسن الأمين
8. ملوك العرب لأمين الريحاني
بقلم الباحث: حسن عبد الله – البحرين