تاريخي

تاريخ البحرين السياسي: من الحماية إلى الاستقلال والتطور الدستوري

jjjjjjعند الحديث عن وضع البحرين قبل الاستقلال، يجب التذكير بأن التاري. السياسي للبحرين هو مرتبط بالتاري. السياسي للإمارات العربية الأخرى المجاورة وذلك نتيجة لتغلغل النفوذ السياسي البريطاني على منطقة الخليج من شمال البحر المسمى آنذاك بالخليج الفارسي إلى جنوبه. وقد بدأ النفوذ السياسي لبريطانيا يتغلغل في منطقة الخليج في بداية القرن التاسع عشر. وبحجة أن بواخر شركة الهند الشرقية التي كانت تحكم القارة الهندية آنذاك، كانت تتعرض إلى هجمات مسلحة من قبائل القواسم المتحصنة في رؤوس الجبال في الساحل
العماني، أقدمت بريطانيا، بداية، على عقد سلسلة من الاتفاقيات البحرية بين سنة 1806-1853 مع حكام إمارات ساحل عمان.
وتشمل هذه الاتفاقيات أحكاماً تلزم حكام الإمارات بالتوقف عن الغارات البحرية على السفن البريطانية وبمكافحة الاتجار بالرقيق والالتزام بالمحافظة على السلام والاستقرار في مياه وأراضي الخليج عموماً. وأهم هذه الاتفاقيات، اتفاقيتان هما المعاهدة العامة للسلام المعقودة في 8 يناير 1820 والمعاهدة الدائمة للسلام المعقودة في 4 مايو 1853. وقد وقع هذه المعاهدات في الأصل حكام إمارات ساحل عمان. وقد انضم إلى هذه المعاهدات حاكم البحرين وحاكم قطر الذي التزم بها بصورة غير مباشرة كما سنبين لاحقاً.
أما مرحلة التدخل البريطاني في شؤون حكام هذه الإمارات فقد ابتدأت بما نسميه بالاتفاقيات السياسية المعقودة معهم بين سنة 1861 وسنة 1916.
وتشمل الاتفاقيات السياسية المعروفة بتعبير اتفاقيات المنع والتحريم بـ “Exclusive Agreements”، الاتفاقيات التالية:
أ. اتفاقيات الأعوام 1861، 1880، 1892 مع حاكم البحرين.
ب. اتفاقية عام 1899 مع حاكم الكويت. وقد عقدت بصورة سرية بداية لكون بريطانيا كانت تتحاشى الدخول في معركة سياسية مع سلطان الدولة العثمانية نظراً لأنها كانت تعتبر الكويت واقعة تحت النفوذ العثماني.
ج. اتفاقية عام 1868 مع حاكم قطر والتي كانت سرية في البداية لنفس الأسباب السالف بيانها بشأن الكويت. ولكن بريطانيا أقرت مضمون اتفاقيات المنع أو التحريم في اتفاقية أخيرة مع قطر في عام 1916 بعد القضاء على النفوذ العثماني كلياً في الخليج.
د. اتفاقية عام 1892 مع حكام الساحل المتصالح بالإمارات العربية المتحدة حالياً، الذي أصبحت بريطانيا تطلق عليه هذا الاسم بعد عقد الاتفاقيات البحرية مع حكامه.
وتضاف إلى المعاهدات البحرية والمعاهدات السياسية الخليجية التي عقدتها بريطانيا مع حكام منطقة الخليج، اتفاقيات يمكن تسميتها بالاتفاقيات الاقتصادية المعقودة خلال الفترة 1902-1923، وهي الاتفاقيات أو الالتزامات المتعلقة بتحريم منح الامتيازات الخاصة بالثروة النفطية للدول الأجنبية.
الالتزامات المفروضة بموجب هذه المعاهدات والاتفاقيات:
يتضح عموماً من استعراض نصوص وأحكام المعاهدات السياسية السالفة الذكر التي عقدتها بريطانيا مع حكام إمارات الخليج، أن هذه الاتفاقيات فرضت على هؤلاء الحكام قيوداً وشروطاً سيادية تحرم عليهم القيام بالأعمال التالية:
أ. الاتصال بالدول الأجنبية أو إنشاء علاقات دبلوماسية أو غيرها معها، بدون موافقة الحكومة البريطانية.
ب. المفاوضة أو عقد معاهدات أو اتفاقيات مع الدول الأجنبية، عدا بريطانيا، بدون موافقة الحكومة البريطانية.
ج. التنازل أو التخلي عن أي جزء من الأراضي في هذه الدول بأية طريقة، لأية دولة أجنبية، بدون أخذ موافقة الحكومة البريطانية مسبقاً.
د. منح أية امتيازات خاصة بالنفط أو المعادن للدول الأجنبية، بدون استشارة الحكومة البريطانية وأخذ موافقتها مسبقاً.
وفي مقابل هذه الالتزامات والتعهدات التي حصلت عليها بريطانيا، التزمت الحكومة البريطانية لحكام هذه الإمارات بأن تحميهم ضد العدوان الخارجي على أراضيهم، وأن تحافظ على الاستقلال الذاتي لكياناتهم، وأن تحافظ على مصالحهم السياسية والاقتصادية، وأن تحمي مصالح مواطنيهم في الخارج، وأن تقوم بتسيير شؤونهم الخارجية. ويلاحظ أن أغلب هذه الالتزامات البريطانية لا تقوم على أساس نصوص صريحة في المعاهدات أو الاتفاقيات المذكورة، وإنما نشأت نتيجة للعرف والممارسة الدولية لبريطانيا. إن القيود والالتزامات السالفة الذكر التي وضعتها بريطانيا على أنظمة الحكم في دول الخليج خلال فترة الحماية البريطانية قد سلبت من هذه الأنظمة ممارسة حقوق السيادة في الشؤون الخارجية (External Sovereignty)، هذه الحقوق التي هي عنصر أساسي لاستقلال الدولة في مفهوم القانون الدولي.

الوضع القانوني لإمارات الخليج العربي:
كانت الحكومة البريطانية تشير إلى إمارات الخليج خلال حقبة الحماية البريطانية عليها بتعبير “الحكومات المستقلة المرتبطة ببريطانيا بعلاقات تعاهدية خاصة”. ويشار إليها أحياناً “الدول المحمية” (Protected States). وهذا التعبير يختلف عن تعبير “المحميات” (Protectorates) الذي يختلف بدوره عن تعبير “المستعمرات” (Colonies) التابعة للتلبريطاني مباشرة.
ونتيجة لوضع الحماية الواقعي على حكام إمارات الخليج، فقد كان يمثل مصالح الحكومة البريطانية في الخليج مقيم بريطاني يحمل لقب “المقيم السياسي البريطاني” (Political Resident) الذي استقرت إقامته في البحرين بعد استقلال الهند في سنة 1948. كما كانت تمثل بريطانيا في كل إمارة بوكيل سياسي يُعرف بالمعتمد البريطاني.

الوضع في البحرين:
إن تحليلنا للوضع السياسي لإمارات أو “مشاي. الخليج” عموماً كما كانت تسمى سابقاً، يشمل الوضع السياسي للبحرين قبل الاستقلال. أما بالنسبة للوضع السياسي للبحرين بالذات، فقد ساعد وهيأ لاستقلال البحرين عاملان مهمان. فمن ناحية، كان هناك التصريح البريطاني الشهير لحكومة حزب العمال الصادر في يناير 1968 بشأن قرار الحكومة البريطانية بالانسحاب العسكري الكامل من شرق السويس بنهاية ديسمبر من العام 1971. وهذا يعني الانسحاب البريطاني العسكري من الخليج أيضاً.
وكما هو الحال بالنسبة للبحرين، فقد ساعد أيضاً عامل الانسحاب البريطاني من الخليج على تهيئة الإمارات الأخرى للاستقلال. وقد شجعت بريطانيا حكام الإمارات على عقد اتحاد تساعي شبيه باتحاد سلاطين ماليزيا.
ومن جهة أخرى، كانت هناك مطالبة شاه إيران لضم البحرين إلى إيران إذا ما أعلن استقلالها عن بريطانيا دون التوصل إلى حل سلمي بشأن هذه المطالبة.
وسنتناول هذين الموضوعين باختصار كما يلي:
فيما يتعلق باجتماعات الحكام بشأن تكوين الاتحاد التساعي لإمارات الخليج الأعوام 1968-1971، فإن فكرة الاتحاد التساعي للإمارات الخليجية ترجع أساساً إلى اتفاقية اتحاد الإمارات العربي التسع التي وقعها حكام هذه الإمارات في دبي بتاريخ 27 فبراير 1968 والتي تنص على تكوين هذا الاتحاد الفدرالي للإمارات العربية وتحديد اختصاصات حكومة كل إمارة واختصاصات حكومة الاتحاد.
ولكن بالرغم من الاجتماعات التي عقدت بشأن وضع دستور للاتحاد التساعي خلال السنوات 1968-1971، فإن هذه الاجتماعات لم تأت بنتيجة تذكر لحل الخلافات التي كانت قائمة أساساً بشأن تكوين المجلس الوطني للاتحاد الذي أصرت البحرين على أن يكون منتخباً حسب التمثيل النسبي لسكان كل إمارة على حدة، بينما اتفقت كل الإمارات الأخرى على أن يكون المجلس الوطني للاتحاد معيناً بعضوية متساوية لكل إمارة، على أن تعين كل إمارة مهما صغرت، 6 أعضاء في المجلس الوطني.
ونتيجة لهذه الخلافات التي لم تنجح الوساطات السعودية والكويتية والبريطانية في بداية عام 1971 على حلها، فقد انهار الاتحاد التساعي وذلك في الوقت الذي كانت فيه كل من البحرين وقطر تستعد لاتخاذ الإجراءات لإعلان استقلالها. أما بالنسبة لإمارات الساحل المتصالح السبع، فقد طلبت بريطانيا من حكام هذه الإمارات أن يكونوا اتحاداً سباعياً فيما بينهم باسم دولة الإمارات العربية المتحدة، مع استعدادها بأن تعقد اتفاقية صداقة ومساعدات عسكرية معها. وقد تبنت هذه الإمارات دستوراً مؤقتاً على غرار الدستور التساعي الذي وضعه الخبير الدستوري الدكتور وحيد رأفت.
ب. أما فيما يتعلق بمطالبة شاه إيران بالسيادة على البحرين، فإنه يمكن القول إنه نتيجة لإعلان شاه إيران في مؤتمر عقده في مدينة دلهي الجديدة أثناء زيارته الرسمية للهند بتاريخ 8 يناير 1969، عن رغبته في التوصل إلى حل سلمي مع بريطانيا بشأن المطالبة الإقليمية التاريخية بإقليم البحرين، فقد عقدت محادثات مكثفة سرية بين وفد بحريني رفيع المستوى (وكان المحاضر أحد أعضاء هذا الوفد) وممثلين إيرانيين معتمدين من الشاه في كل من جنيف ولندن بين سنتي 1969-1970 من أجل التوصل إلى طريقة لحل القضية عن طريق “المساعي الحميدة” (Good Offices) لأمين عام الأمم المتحدة آنذاك السيد أوثانت التايلندي الجنسية الذي عين بدوره مدير عام مكتب الأمم المتحدة المستر وينسبير الإيطالي الجنسية، ممثلاً شخصياً له للقيام بهذه المهمة. وقد عهد إلى هذا الممثل الشخصي بالذهاب مع فريقه (المسمى بلجنة تقصي الحقائق) إلى البحرين لاستفتاء الشعب حول المطالبة الإيرانية، الأمر الذي رفض من قبل البحرين، وإنما لأخذ قرار ممثلين عن مجالس إدارة الأندية الثقافية والاجتماعية والرياضية وجمعيات المجتمع المدني عموماً وأخذ «راء هؤلاء الممثلين لهذه المؤسسات وغيرهم من بعض المجالس الحكومية، فيما يتعلق بمعرفة »رائهم بشأن مستقبل البحرين السياسي.
وقد كان الاستنتلنهائي في هذا التقرير يؤكد قناعة الممثل الشخصي (وينسبير) بأن الأغلبية الساحقة لشعب البحرين ترغب في أن تنال الاعتراف بذاتيتها ضمن دولة مستقلة ذات سيادة تامة، وحرة في أن تقرر بنفسها علاقتها مع الدول الأخرى”. وذلك في الوقت الذي حددت الغالبية العظمى منهم رغبتها في أن تكون البحرين دولة عربية مستقلة ذات سيادة.
وبتاريخ 11 مايو 1970 صدق مجلس الأمن على تقرير الممثل الشخصي للأمين العام بإجماع آراء أعضاء المجلس وعددهم 15 عضواً.
وبذلك، تغلبت البحرين على أزمتها السياسية مع إيران وأنهت هذا الخلاف عن طريق المفاوضات وبطريقة سليمة.
الإدارة في البحرين ومسيرة الاستقلال وما بعدها:
بعد أن تطرقنا إلى العوامل السياسية والخارجية التي أثرت على مستقبل البحرين وشجعتها على التوجه نحو الاستقلال السياسي، نتطرق إلى الكلام عن الوضع الداخلي.

المجلس الإداري للسنوات 1956-1969:
على صعيد الإدارة المحلية قبل الاستقلال يمكن القول إجمالاً ودون التعمق بإسهاب للأحداث السياسية خلال بداية فترة الخمسينات من القرن الماضي بأن البحرين كانت تدار داخلياً خلال السنوات 1956-1969 عن طريق “مجلس إداري” كان هو ثمرة الإصلاح المتواضع الذي كانت الحكومة مستعدة لقبوله كبديل للإصلاحات الإدارية والسياسية الأساسية التي كانت تطالب بها في بداية الخمسينات هيئة الاتحاد الوطني التي كانت تسمى في السابق بالهيئة التنفيذية عليها. كما تمخضت مطالب هيئة الاتحاد الوطني بشأن إنشاء مجلس تمثيلي للشعب وإصلاح الجهاز الإداري والمحاكم، عن موافقة الحكومة المتواضعة فيما بعد على مجرد إنشاء مجلسين معينين أحدهما للتعليم والآخر للصحة. وكان المجلسان المعينان يضمان في عضويتهما أكثرية من المسؤولين الحكوميين من رؤساء الدوائر الحكومية وأقلية من التجار ورجال الأعمال. كما استبدلت إدارة المستشارية بعد تعاقد المستشار بلجريف في سنة 1956، بدائرة السكرتارية برئاسة سكرتير الحكومة آنذاك المستر سميث الذي كان مديراً للجمارك.

مجلس الدولة سنة 1970:
ولكن في يناير 1970 وفي الوقت الذي كانت فيه المفاوضات بشأن الاتحاد الخليجي التساعي لا تزال جارية صدرت مراسيم بإنشاء “مجلس الدولة” وتحديد اختصاصاته وتعيين أعضائه، بما في ذلك المستشار القانوني للمجلس الذي عين عضواً فيه.
وقد ركز مرسوم مجلس الدولة اختصاصات نحو 22 دائرة حكومية كانت تدار من قبل المجلس الإداري في 11 دائرة حكومية فقط. وكان مجلس الدولة في الحقيقة مجلساً للوزراء بكل ما لهذا
التعبير من معنى، مع الاختلاف في التسمية فقط. فقد منح مجلس الدولة اختصاصات إدارية تنفيذية وتشريعية.

مرحلة الاستقلال والتطور الدستوري:
لقد تم في صبيحة يوم 14 أغسطس 1971 التوقيع الرسمي بدار الحكومة بين حاكم البحرين والمقيم البريطاني في الخليج المستر جيفري آرثر على وثائق إنهاء نهائياً باتفاقيات 1888، 1861، 1892 والاتفاقيات الأخرى المتعلقة بها التي أوجدت نظام الحماية البريطانية على البحرين خلال نحو 110 سنوات وذلك إذا اعتبرنا اتفاقية 1861 هي بداية العلاقات التعاهدية الخاصة للبحرين مع بريطانيا. كما تم الإعلان الرسمي عن سيادة البحرين على أراضيها وشعبها كدولة مستقلة ذات سيادة.
ثم تبع هذا الإعلان، قيام الدولة المستقلة في البحرين. فقد أعلن استبدال تسمية حكومة البحرين بتسمية دولة البحرين واستبدال لقب حاكم البحرين وتوابعها بلقب أمير دولة البحرين.
وعلى صعيد التنظيم الإداري للدولة، فقد أنشئ رسمياً أول مجلس وزراء في تاري. البحرين السياسي.

مشروع الدستور:
وبمناسبة الاحتفال بالعيد الوطني لدولة البحرين بتاريخ 16 ديسمبر 1971، أعلن الأمير ببيان رسمي للشعب عن رغبته بتكليف مجلس الوزراء بوضع مشروع دستور حديث متطور للبلاد يكفل تطبيق المبادئ الديمقراطية السلمية. وقد أشار الأمير في بيانه إلى أن حكومته ستصدر مرسوماً ينظم طريقة إعداد وإصدار هذا الدستور الذي سيوضع حيز التنفيذ في أواخر عام 1972.
وتنفيذاً لهذا البيان، فقد عين الأمير لجنة تحضيرية من أربعة وزراء (كان من بينهم المحاضر) كلفها بإعداد مسودة للدستور الجديد، بمساعدة الخبير الدستوري لمجلس الأمة الكويتي الدكتور عثمان خليل عثمان.
وعلى ضوء هذه التوصية أصدر الأمير المرسوم بقانون رقم (12) لسنة 1972 بشأن إنشاء مجلس تأسيسي لإعداد دستور للدولة، والمرسوم بقانون (13) لسنة 1972 بشأن أحكام الانتخاب للمجلس التأسيسي.
ولغرض الانتخاب الخاص بالمجلس التأسيسي، قسم إقليم البحرين إلى ثماني مناطق انتخابية هي: المنامة، وجزيرة المحرق، والمنطقة الشمالية، والمنطقة الغربية، والمنطقة الوسطى، والمنطقة الجنوبية، والرفاع، وسترة. وتنتخب المنامة ثمانية أعضاء، وجزيرة المحرق ستة أعضاء، وكل من المنطقة الشمالية والوسطى اثنين، وتنتخب كل واحدة من المناطق الأخرى عضواً واحداً (المادة 6).
وفي اليوم الأول من ديسمبر انتخب شعب البحرين 22 عضواً للمجلس التأسيسي وبتاريخ 9 ديسمبر 1972، أصدر الأمير مرسومين: الأول يقضي بتعيين 8 مواطنين من التجار ورجال الأعمال في المجلس التأسيسي، بالإضافة إلى 12 وزيراً، كأعضاء بحكم مناصبهم. (أي أن عدد الأعضاء المعينين في المجلس أصبح 20 مقابل 22 عضواً منتخباً).
أما المرسوم الثاني فقد دعا المجلس التأسيسي للانعقاد بيوم 16 ديسمبر 1972. وقد انعقد المجلس التأسيسي في هذا التاري. لمباشرة المهمة الموكلة إليه بشأن مراجعة وإقرار مسودة الدستور المعروضة عليه من قبل الحكومة.
لقد انتهى المجلس التأسيسي في هذا التاريخ من مراجعة وتعديل مسودة الدستور في 26 مايو 1973. وقد تليت مواد الدستور، بعد إدخال بعض التعديلات عليها، مادة مادة في جلسة ختامية خاصة في 2 يونيه 1973 أُق11 خلالها مشروع الدستور المعدل بالإجماع.
وقد أق11 الأمير مشروع الدستور وصدق عليه، دون إبداء أية تحفظات، بتاريخ 6 ديسمبر 1973.
هذه هي الطريقة الديمقراطية الصحيحة التي أُعد بموجبها دستور سنة 1973 الذي يسمو بتسميته دستوراً عقدياً. ويمكن اعتبار هذا الدستور الذي أقره المجلس التأسيسي الخطوة التقدمية الثانية في الخليج بعد التجربة الكويتية الرائدة في سنة 1962 لإرساء قواعد نظام الحكم في المنطقة على مبادئ دستورية ديمقراطية حديثة، تنبثق من تطلعات وآمال شعب المنطقة وطموحاته نحو المزيد من الحضارة والتقدم والازدهار.
وتطبيقاً لحكم المادة 109 من الدستور، فقد انعقد أول مجلس وطني في التاري. التأسيسي للبحرين بتاريخ 16 ديسمبر 1973، وهو تاري. العمل بالدستور. وكانت قد أجريت الانتخابات للمجلس الوطني على أساس تنظيم نفس الدوائر الانتخابية الخاصة بالمجلس التأسيسي بتاريخ سابق لهذا التاري. المحدد للعمل بالدستور. ويجب البيان بأن المجلس الوطني يتكون، وفقاً للمادة 43 من الدستور من: (أ) ثلاثين عضواً ينتخبون بطريق الانتخاب العام السري المباشر، على أن يرفع هذا العدد إلى أربعين عضواً على 14 وزيراً فقط وفقاً للمادة 33 (ج) من الدستور. وليس الغرض من هذه المحاضرة تقييم أداء المجلس الوطني السابق خلال الفترة القصيرة من عمره.
ولكن يمكن القول أن المجلس الوطني قد فوجئ باستعجال الحكومة في إصدار المرسوم بقانون بشأن تدابير أمن الدولة بتاريخ 22 أكتوبر 1974 أثناء عطلة المجلس وذلك بدون عرضه عليه مسبقاً لإقراره. ولكن حينما عُرض المرسوم بقانون المذكور على المجلس لإقراره وفقاً للمادة 38 من الدستور، وقف أعضاء كتل المجلس وقفة واحدة ضده لتعارضه مع أحكام الدستور الصريحة فيما يتعلق بالباب الثالث من الدستور بشأن الحقوق والواجبات العامة وكذلك فيما يتعلق بالفصل الرابع من الباب من الدستور بشأن السلطة القضائية. ولم يستطع المجلس أن يستكمل اجتماعاته لمناقشة المرسوم بقانون تدابير أمن الدولة نظراً لخلو تلك الاجتماعات من وزير يمثل الحكومة وفقاً لنص المادة 76 من الدستور التي تنص في آخرها على أنه يجب أن تمثل الوزارة في جلسات المجلس برئيسها أو ببعض أعضائها.
وقد تكون أزمة المرسوم بقانون بشأن تدابير أمن الدولة هي القشة التي قصمت ظهر البعير، وهيأت الجو المناسب للحكومة حين وجدت عدم إمكانية تعاون المجلس الوطني إجراءً صحيحاً يتفق مع حكم المادة 65 من الدستور، إذ صدر المرسوم رقم (14) لسنة 1975 بحل المجلس الوطني وفقاً لحكم المادة 65 من الدستور، ولكن لم تج1 انتخابات مجلس جديد خلال شهرين من تاريخ حل المجلس المذكور حسب نص هذه المادة، بل بقي المجلس الوطني معطلاً لمدة 30 سنة.
أما الإجراء الثاني الذي اتخذته الحكومة، فهو الإجراء الذي لا ينص عليه الدستور بل إنه يتعارض مع أحكام الدستور وذلك حين أصدرت الحكومة الأمر الأميري رقم (5) لسنة 1975 الذي عطل وأوقف سريان الحكم الدستوري رقم 65 وذلك بالنص في المادة الأولى منه على تأجيل انتخاب أعضاء المجلس الوطني إلى أن يصدر قانون انتخاب جديد، كما كلف الأمر الأميري المذكور مجلس الوزراء بتولي أعمال السلطة التشريعية مع الأمير خلال تلك الفترة.
ويجب التنويه بأن الأمر الأميري رقم (5) لسنة 1975 الذي ألغي بعد صدور دستور سنة 2002 بالأمر الملكي رقم (6) لسنة 2002 ليس من الأدوات الدستورية التي يعترف بها أو يقرها دستور سنة 1973. ونتيجة لسريان الأمر الأميري رقم (5) لسنة 1975، أصبحت القوانين التي يقرها مجلس الوزراء، تصدر في شكل مراسيم بقوانين لها قوة القوانين التي تصدرها عادة السلطة التشريعية. ولكن من الواضح أن السلطة التنفيذية استمرت في إصدار القوانين في شكل مراسيم بقوانين حتى بعد صدور دستور سنة 2002 الذي أصبح ساري المفعول بتاريخ 14 فبراير 2002.
ولم تتوقف السلطة التنفيذية عن إصدار المراسيم بقوانين إلا بعد تاري. انعقاد أول اجتماع للمجلس الوطني (المكون من مجلس النواب ومجلس الشورى) بتاريخ 14 ديسمبر 2002، الأمر الذي خلق إشكالات دستورية واعتراضات من الجمعيات السياسية ضد إصدار المراسيم بقوانين المذكورة قبل تاري. أول اجتماع لمجلس النواب في 14 ديسمبر 2002.
المرحلة الإصلاحية في تاري. البحرين السياسي بعد تعطيل عمل السلطة التشريعية بالأمر الأميري رقم (5) لسنة 1975:
لا يوجد خلاف بين مختلف طبقات الشعب على أن العهد الإصلاحي قد بدأ، بدون منازع، بعد تسلم جلالة الملك سدة الحكم في مارس 1999، إذ باشر جلالته بداية في عام 2001 كأمير لدولة البحرين، بإلغاء المرسوم بقانون بشأن تدابير أمن الدولة لسنة 1974 وذلك بالمرسوم بقانون رقم (11) لسنة 2001، وبإلغاء المرسوم الخاص بمحكمة أمن الدولة وذلك بالمرسوم رقم (6) لسنة 2001. كما أصدر جلالته المرسوم بقانون رقم (10) لسنة 2001 بالعفو الشامل عن الجرائم الماسة بالأمن الوطني. وقد تضمن هذا القانون إطلاق سراح جميع الموقوفين والمتهمين والمحكوم عليهم من المواطنين من أصحاب الرأي ومن السياسيين المعارضين لسياسة الحكومة السابقة. كما شمل العفو الشامل كل المواطنين السياسيين الذين لجأوا إلى الإقامة في الخارج.