تاريخي

الغارة الإيطالية على مصفاة البحرين: تفاصيل ليلة 18 أكتوبر 1940

:'1) 'J7'DJ)

تفاصيل ما حدث في البحرين ليلة 18 أكتوبر 1940
الطائرات الإيطالية أغارت على مصفاة البحرين لمنع الوقود عن القوات البريطانية
بمناسبة إحياء العالم هذه الأيام الذكرى السبعين لاندلاع الحرب العالمية الثانية، تنشر “الوسط” بالتعاون والتزامن مع صحيفة “القبس” الكويتية تحقيقًا يتكون من حلقتين عن قصة ما حدث ليلة 18 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1940 خلال الحرب، إذ أغارت طائرات إيطالية على مصفاة البحرين لمنع الوقود عن
القوات البريطانية. والتحقيق الشيق عبارة عن رواية بذل فيها كاتبها الكويتي المهتم بدراسة تاري. الخليج العربي جهدًا غير عادي بالجمع والتوثيق.
تشهد أيامنا هذه اهتمامًا متزايدًا بما يكتب من محاولات جادة عن التاريخ، وقد لاحظت ذلك شخصيًا من خلال المتابعة التي يوليها لي القراء الكرام عبر الصحافة أو المواقع الإلكترونية. وهو بلا شك اتجاه تولد عن قناعة نتيجة شح ما يكتب كمًّا ونوعًا.
فأمور التاريخ عندنا – مع بالغ الأسف – كالبقرة المقدسة عند الهندوس، الكل يتمسح ويتبارك بها ولا أحد يتجرأ أن يعترض طريقها حتى لو عاثت في الأرض فسادًا. والسبب كله يكمن في غياب المرجعية المتمكنة التي ترصد وتوجه وتصد هذا من ناحية، وفي جهة أخرى، نجد عدم توافر أدوات البحث والمصادر الجادة على الرغم من كثرة المسميات، وكذلك عزوف أصحاب الاختصاص إن وجدوا وإن شاءوا الخوض في هذا المعترك الذي قد يكشف العورات وتأصيل الجهل والخواء أو ربما تحاشي الوقوع في دائرة المحرمات التي لا تجلب إلا الشقاء والكدر.
فتأتي النتائج بين الفينة والأخرى وعبر الصحف والمدونات أقل كثيرًا من المأمول، مخيبة في أحسن الأحوال وكارثية في أسوئها، فيبقى مقياس المعرفة والثقافة العامة متأرجحًا بين الروايات المطعونة والتبريرات المشحونة، وكلاهما غير كافٍ لرفع مستوى الفرد لحيازة القناعة والثقة، وإدراك الفائدة المرجوة في تنمية الثقافة العامة التي هي من الأسس المهمة لبلوغ المواطنة الصالحة وترسي. الانتماء وتخصيب الذاكرة وتوسيع المدارك.
وهي مقومات لا يستهان بها في تنمية الأصول الاستراتيجية مثلها مثل الثروات العينية ومصادر الدخل القومي.
يأتي هذا الاستطراد على خلفية ما نشره الزميل الدؤوب حمزة عليان في صفحته الأسبوعية، وتحديدًا ما ظهر فيها يوم 14 يونيو (حزيران) الماضي لوثيقة تاريخية عن مساهمة المرحوم سليمان اللهيب في “اكتتاب طائرة الخليج الفارسي المقاتلة” خلال السنة الثالثة من اندلاع الحرب العالمية الثانية 1939-1945، والتي كانت تحمل تاريخها العاشر من نوفمبر (تشرين الثاني) 1941، مؤرخًا بذلك حادثًا مهمًا ظلت تفاصيله عندنا مبهمة طوال سبعة عقود مرت على وقوعه. ولم يكشف النقاب عن مجرياته، فلا أسرة صاحب الشأن كانت ملمة بمكنونه، ولا استطاع من هبّ للخوض في المعترك الكشف عن ماهيته بعد أن استنهضوا عبر المتابعة المعتادة للزميل أحمد الصراف. بل زادت بعض الردود مقدار الغموض عندما طاشت السهام وماجت الأقلام فتطايرت الآراء شرقًا وغربًا في ظلمات ليس فيها وطاء أو غطاء من استنتاجات لم أجد فيها إلا قلة البضاعة وكثرة الإضاعة. فالناقص لا يكون مكملاً، والفاقد لا يكون معطيًا، وبقيت الحال كسؤال الأعمى للأعور: ما أشد ذهاب البصر؟ فجاء الجواب: عندي نصف الخبر. وبعد أن اختمر العجين ظلت تلك الطلاسم كسابق عهدها – رهينة أضابير المجهول – “فلا أرض أبقت ولا وحي نزل”.
فلما استعصى الحوار وغاب حماس التعبير، عادت ركائبي إلى ما ستراه – عزيزي القارئ – من قول لا يحتاج إلى تأويل أو اجتهاد في التحصيل، “فليس الصيد لمن أثاره وإنما الصيد لمن قبضه”.
تجده كما يلي في قراءة رمضانية ونحن نعيش أجواءه الجميلة أعاده الباري القدير على هذه الأمة أمنًا وسلامًا ورغدًا ورخاءً، وخاصة أن وقائع هذا البحث قد حدثت في مثل أيامه من العام 1359هـ، وتحديدًا في ليلة السابع والعشرين منه، قبل اثنتين وسبعين سنة خلت.
انطلقت المدرعات الألمانية فج1 الجمعة الأول من سبتمبر (أيلول) 1939 عبر الحدود البولندية، فكانت البداية لحرب عالمية ثانية امتدت لأكثر من خمس سنوات عندما أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا بعد يومين من الاجتياح، وحشدتا أربعة وتسعين فرقة عسكرية فرنسية تصحبها تسع فرق بريطانية على الحدود الألمانية الفرنسية. في 10 مايو (أيار) 1940 اخترق الألمان بلجيكا وسقط خط ماجينو الشهير، وفي اليوم نفسه سقطت حكومة تشمبرلن وشكل تشرشل حكومة الحرب، تبعها الانسحاب العام للقوات البريطانية من أوروبا إلى دنكرك في الجانب الفرنسي من بحر المانش ثم عبورها إلى بريطانيا بعد خسائر جسيمة.
في يونيو 1940 دخلت إيطاليا الحرب إلى جانب ألمانيا ولحقتها اليابان في حلف أطلق عليه “دول المحور” وتقدمت الجيوش الألمانية في فرنسا.
في بداية صيف 1940 ابتدأت معركة بريطانيا الجوية وقصف المدن والتفوق الجوي الألماني والدفاع المستميت للقوة الجوية الملكية (RAF).
تفاقمت بعد ذلك الحرب الدعائية عبر موجات الأثير، حيث نشطت إذاعة “هنا برلين” تؤازرها إذاعة “باري” الإيطالية. بعد النجاحات على جميع الجبهات الأوروبية، كاحتلال ألبانيا واليونان بتعاون القوتين الألمانية والإيطالية، ما أدى إلى زيادة حدة الغرور والثقة بالنصر لدى موسوليني، ودفع وزير خارجيته وزوج ابنته الكونت سيانو، الذي كان يسعى إلى تعزيز موقعه، طموحٌ غير محدود بإقناع سيده بتنفيذ خطة جريئة تغذي الحملات الدعائية وتستغل الإمكانات العسكرية وتثبت سيطرة سلاحها الجوي على أجواء الحرب.
فتم استدعاء أحد الضباط النشطاء في السلاح الجوي الإيطالي، الكابتن باولو موتسي، لإرسال سرب من الطائرات عبر قاعدة جوية في جزيرة رودس اليونانية التي احتلتها قوات المحور أخيرًا، للإغارة على مصفاة نفط البحرين في بابكو وقصفها لتعطيل إمدادات الوقود لأسطول القوات البريطانية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أُعطيت أوامر القيادة والتنفيذ لضابط جوي حائز على سجل مميز هو الميج1 إيتوري موتشي.
ماذا حدث تلك الليلة
جدير بنا ونحن في صدد تغطية هذه المغامرة الجريئة، الرجوع إلى ما كتبه الروائي الأمريكي ولاس ستكنز (Wallace Stegner)، الحائز على جائزة بوليتزر المشهورة، في كتابه “اكتشاف” (Discovery)، والذي يرسم فيه تفاصيل القصة المذهلة لما حدث في ليلة مقمرة من خريف عام 1940. نقلها من أفواه العاملين في قطاع النفط في الظهران، حينما استيقظوا من نوم عميق إثر سماعهم هدير محركات طائرات حلقت على مستوى منخفض، تبعتها انفجارات قنابل وما صاحبها من حريق في بعض منشآت شركة كاليفورنيا العربية ستاندرد أويل (California Arabian Standard Oil Co.)، وكان هذا اسم شركة الزيت العربية “أرامكو” قديمًا.
تلك الواقعة، على ضآلة خسائرها، كانت قد تركت هامشًا لا يمكن تجاهله عن قصص الحرب العالمية الثانية. وتطرح هنا أسئلة ظلت غامضة بلا أجوبة: فكيف ومن أين أتت تلك الطائرات؟ وإلى أين ذهبت؟ وكيف أخطأت إصابة أهدافها وهي تحلق على ارتفاع ثلاثة «لاف قدم في ليلة مقمرة على منش»ت مضيئة غير محمية وواضحة، “كميدان التايمز في مدينة نيويورك ليلة عيد الميلاد”؟
وفوق كل هذا، لماذا قصفت طائرات إيطالية بلدًا محايدًا كانت تطمح في صداقته لما يتمتع به من موارد نفطية تحتاجها؟ وكيف تسعى إلى تحطيم منشآتها في بلد حديث التكوين مثل المملكة العربية السعودية، وأمور أخرى كثيرة؟
لم ينتهِ الأمر بنا بذلك، بل ذهبنا في سعينا إلى استعراض ما كتبه الرئيس السابق للشركة ومؤرخها غير المعلن، وليام مولكان (William Mulligan)، الذي لم يكن مقتنعًا بالأجوبة عن الأسئلة السابقة، ما حدا به إلى العمل على إزالة الغموض عبر التنقيب والبحث عن المشاركين في تلك العملية من خلال الوثائق والمصادر الإيطالية، والتي لم يكتفِ بها، بل استطاع الاتصال بضابط كبير في قيادة السلاح الجوي الإيطالي برتبة جنرال اسمه أنطونيو كومبات (Antonio Combatt) المقيم في روما، حيث قابله عام 1975. وكان ثمرة ذلك البحث والعناء ما كتبه في نشرة “عالم أرامكو” يوليو (تموز) – أغسطس (آب) 1976.
حيث وافق الجنرال كومبات وبحرارة على المساعدة في البحث للوصول للأجوبة الشافية لتلك الأسئلة التي شابت العملية الجريئة لطيران سجل في مسافته ومدته رقمًا قياسيًا عالميًا، بالإضافة إلى حلولها في مستوى متفوق في السجل العسكري للحرب العالمية الثانية.
وأقلعت الطائرات
مع آخر خيوط أشعة الشمس الذهبية لأصيل يوم 18 أكتوبر 1940، ابتدأ انطلاق أربع طائرات من مدرج قاعدة جوية في جزيرة رودس اليونانية المحتلة تحمل خزانات وقود إضافية، كل واحد منها ألف وثلاثمئة غالون.
كان المنظر سرياليًا بمستوى أيامنا هذه يثير الابتسامة أو ربما السخرية. كانت تلك الطائرات من طراز سافويا – ماركاتي إس إم – 82 ذات الهيكل المغطى بالقماش السميك بمتانة، وأجنحة مصنوعة هياكلها من الخشب، مزودة بثلاث محركات ماركة ألفا روميو (Alfa Romeo) ذات مروحتين، إحداهما تحمل مروحة ثالثة إضافية في مقدمة الطائرة.
هذه الطائرات من النوع المصنع لقطع المسافات الطويلة والحمولة الثقيلة، وهي مسلحة بمدافع رشاشة “بريدا سافات” عيار 12.7 مليمترات، بالإضافة إلى حمولة من القنابل تبلغ ربع طن للواحدة.
بهذا الشكل من التعبئة الذي يثير الإعجاب والتساؤل تسعى إلى هدف بعيد في ذلك اليوم الخريفي الرائع، مودعة في طيرانها جزر اليونان، إلى جزيرة في الخليج العربي، مهمتها قصف مصفاة للنفط في محمية بريطانية.
قبل ذلك اليوم بأربعة أشهر أذاع حاكم إيطاليا الفاشي ورئيس وزرائها وقائد جيوشها بينيتو موسوليني معلنًا الحرب على بريطانيا وفرنسا متحالفًا مع هتلر وألمانيا النازية.
وفي مطلع أكتوبر، أصدر أوامره بعد موافقته على تنفيذ خطة من أفكار وزير خارجيته، وإعداد ضابط في سلاح الجو وطيار متمرس، لتدمير وسائل إيصال الوقود لشل حركة الأسطول البريطاني وإمداد القوات بالنفط.
كان السرب بقيادة الميج1 إيتوري موتشي، أحد قادة الميليشيا الفاشية ومنفذ المهمة، في خطة جريئة قوامها طائرات بحمولة ثقيلة من الوقود والعتاد لسرب صغير قوامه أربع طائرات برحلة يمتد خط طيرانها من جنوب البحر الأبيض المتوسط باتجاه سلسلة جبال لبنان ومن ثم عبر صحراء الشام والصحراء العربية في مسار يتحاشى المجال الجوي للعراق لهيمنة القوة الجوية الملكية (RAF) عليه، ثم اختراق الصحراء الجنوبية إلى سواحل الخليج الشمالية الغربية وصولًا إلى الهدف، ثم اختراق الجزيرة العربية والبحر الأحمر والهبوط في إريتريا التي احتلها موسوليني بحربه مع الحبشة أو ما أطلق عليها “أبيسينيا”.
كانت خطة الكابتن موتشي دقيقة التفاصيل تعتمد لنجاحها توافق سرعة الطائرة بما تحمله مع سرعة الريح واستمرار اتجاه هبوبها مدة الرحلة من دون تغيير. وبما أن خط السير باتجاه الجنوب، فيكون الاعتماد على هبوب رياح شمالية دافعة من الخلف، مما يحقق قطع مسافات طويلة باستهلاك القليل من الوقود.
يمكن قطع مسافة ثلاثة «لاف ميل، أي نحو أربعة »لاف وخمسمئة كيلومتر عبر بحار وجبال وصحارٍ. فالاعتماد كله على ثبات هبوب الريح في اتجاه واحد من الشمال إلى الجنوب.
وعلى الرغم من ذلك واحتياطًا في حالة تغيُّر الأنواء الجوية، فإن الطائرات زودت بإشارات ضوئية وتجهيز طائرة أخرى في مطار مصوع على الجهة الغربية من البحر الأحمر مزودة بكميات من الوقود لتعبئة الطائرات بعد نزول اضطراري في موقع ما بالصحراء العربية المترامية الأطراف.
كل هذه الحسابات أخذت بنظر الاعتبار قبل أن تقارب الساعة موعد الإقلاع في تمام الخامسة وخمس وعشرين دقيقة من ذلك المساء. حينها علا هدير محركات الألفا روميو مسرعة على المدرج بزخم جعل من هيكل الطائرة المغطى بالقماش السميك والأجنحة الخشبية تهتز بعنف تحت جهازي الإقلاع. وما هي إلا لحظات حتى حلقت جوًا باتجاه الشرق.
مرت الساعات الأولى للرحلة بسهولة وبلا عائق، فقد كانت سماء البحر المتوسط الصافية والرؤية الواضحة، ومسير السرب بتشكيل ماسي (Diamond)، بطائرة القائد في المقدمة وطائرة على كل جانب والرابعة في المؤخرة، مبعثًا للأمل.
كان مسار الطائرات على ارتفاع تسعة آلاف قدم والسرعة بحدود مئة وسبعين ميلًا (مئتين وخمسين كيلومترًا في الساعة)، باتجاه سوريا التي كانت تحت احتلال حكومة فيشي المتعاونة مع ألمانيا. وحينما حلقت فوق سلسلة جبال لبنان، مرت بمنطقة ضباب كثيف حجب الرؤية، فلم يعد بإمكان القائد مشاهدة طائرة المؤخرة. وبقي الاتصال الوحيد معها بواسطة الراديو. وما إن وصل التشكيل فوق دمشق حتى فقد ذلك الاتصال كليًا حينما تغير المسار فوق الأراضي باتجاه الخليج العربي، وهي المرحلة الخطيرة في الرحلة لقرب المجال الجوي من ناحية الشرق من الأراضي العراقية، فأجواؤها تحت سيطرة (RAF) في قاعدتي الحبانية في الوسط على الفرات على مشارف صحراء الشام، والشعيبة قرب البصرة بأطراف البادية الجنوبية.
استمرت الطائرات الثلاث بسعيها مستعينة برياح شمالية وسماء يشع فيها نور بدر ساطع يضيء مسالك الصحراء ووديانها.
تشبه سوبر ماركت
وفجأة، ظهر ساحل الكويت الجنوبي. عندها انخفضت الطائرات إلى مستوى ثلاثة آلاف قدم بعد طيران استمر تسع ساعات متصلة. بعد فترة وجيزة، بلغت المجموعة المغيرة الطرف الشمالي لجزر البحرين، وربما سمع السكان هدير محركات طائرات على ارتفاع منخفض، وهم يقومون بإعداد وجبة السحور استعدادًا لصيام اليوم السابع والعشرين من الشهر الفضيل، والأنوار منتشرة في كل مكان. أما المنشأة النفطية فكانت أضواؤها مشعة مثل “سوبر ماركت جديد في ولاية كاليفورنيا ليلة افتتاحه”، بحسب وصف أحد العاملين الأمريكيين.
وعلى الرغم من ذلك، فإن الغارة أثارت مخاوف بريطانيا فقد ذكرت مصادر الاستخبارات الإيطالية أن طائرات سلاح الجو ظلت تجوب أجواء مياه الخليج بحثًا عن غواصات أو طائرات مائية معادية.
بين زولا ومصوع
بعد أيام قامت السلطات البريطانية بإجراءات دفاعية مشددة، كما قامت شركة ستاندرد كاليفورنيا العربية للنفط (CASOC)، الاسم القديم لـ “أرامكو”، بإرسال بعض الأطفال والنساء للعاملين الأمريكيين إلى الولايات المتحدة. (كانت الولايات المتحدة في وضع محايد بالنسبة إلى الحرب ولم تغير هذه الغارة ذلك، ولكنها اشتركت فيها بعد سنة وشهرين من تاري. هذه الغارة، وتحديدًا في 7 ديسمبر (كانون الأول) 1941 حينما أغارت اليابان على قاعدة بيرل هاربر).
لم تتضرر المنشآت بالتخريب، ولا توقف النفط عن انسيابه. ولم يكتشف المغيرون هذه النتائج الهزيلة لمحاولتهم إلا فيما بعد، بل كان همهم مكرسًا لمراقبة ما بقي من وقود في خزانات طائراتهم أثناء عبورهم الجزيرة العربية من شرقها إلى غربها، من الخليج إلى البحر الأحمر، متطلعين إلى الأفق في شفق الفجر، بينما عدسات الكاميرات تصور مسارهم عبر الصحارى والوديان الممتدة، والتي كانت في زمن سحيق أنهارًا متعرجة. إلى أن حالفهم الحظ بالوصول إلى ساحل البحر الأحمر في مرحلة طيرانهم الأخيرة، فعبره تقع إريتريا على بعد مئتي ميل في الجانب الإفريقي. عندها، وعلى مشارفها، وصل إلى علم قائد المجموعة الميج1 موتشي عبر الراديو أن الطيران البريطاني اختار صبيحة هذا اليوم للإغارة على مطار مصوع، لاعتقادهم بأن الغارة على البحرين قد نُفذت منه.
فتحول اتجاه السرب لمسافة خمسة وثلاثين ميلًا أخرى إلى الجنوب، حيث مطار زولا في الصومال الذي هبطوا فيه في تمام الساعة الثامنة وأربعين دقيقة صباحًا بعد قطع ما يقرب من ثلاثة آلاف ميل استغرقت خمسة وعشرين ساعة ونصف الساعة. عندها اكتشفوا أن ما بقي في خزانات الوقود أقل من أربعين غالونًا.
في رحلة عودتهم إلى روما عن طريق بنغازي في ليبيا والتي كانت تحت سيطرة إيطاليا وفي طريقهم أغاروا على منشآت بريطانية في بورسودان.
كان الترحيب حافلًا بانتظار وصول السرب إلى روما، حيث كوفئ الميج1 موتشي وزملاؤه باستقبال الأبطال ونثرت عليهم النياشين والرتب على ما قاموا به من مغامرة جريئة غير مسبوقة بمقاييس عام 1940، والتي تبقى ذكرياتها في مخيلة من عاش تفاصيل فج1 ذلك اليوم من أكتوبر.
ق13 وجاسوس
كالعادة يقع الأبرياء ضحايا ردود فعل الشارع العام كقول الشاعر:
وجرم جره سفهاء قوم
فحل بغير فاعله العذاب
فقد اتهم ق13 من طائفة الدومنيكان من التبعية الإيطالية، كان قد أقام في البحرين منذ الثلاثينيات وهو الأب لويجي اريزيو، بتهمة التجسس وإرسال معلومات إسنادية ساعدت على الغارة الإيطالية على البحرين.
وبعد تحقيق أجراه الكولونيل براير (Colonel Prior)، مسؤول الـ (CID)، في 25 يونيو 1941، جاء فيه:
“إنه شخص غير مضر، سكن البحرين منذ الثلاثينيات وليس لديه نشاط سياسي، وكان قبلها قد أقام في مراد آباد. وكان ضابطًا سابقًا أثناء الحرب العالمية الأولى 1914-1918، وأن موسوليني كان برتبة عريف يعمل تحت إمرته. ولم يجد التحقيق أي عمل يدينه”.
ولكن على الرغم من ذلك وضع تحت الإقامة الجبرية في بيته خوفًا على سلامته، ثم تم ترحيله في 12 نوفمبر 1940، على ظهر الباخرة “فاروق”. وكانت كلفة ذلك مئتي روبية دفعتها حكومة الهند، حيث لم يوجد بحوزته أي أموال أو متعلقات ما عدا “راديو لا يعمل”. وقد أقام مدة أربع سنوات في الهند، ثم وافق شي. البحرين على رجوعه في 18 يونيو 1944.
الكويت – يعقوب يوسف الإبراهيم
حلقتان تنشرها “الوسط” بالاتفاق والتزامن مع “القبس” الكويتية.