تراث البحرين

جزيرة النبيه صالح: تاريخ ومقام

'DF(JG 5'D- 1جزيرة صغيرة تقع قبالة خليج توبلي، بين جزيرة سترة وقرية الماحوز، يربطها بجزيرة المنامة وجزيرة سترة جسر.
يقول المؤر. الشيخ محمد علي التاج1 رحمه الله: جزيرة النبي صالح وهي رابعة جزر البحرين، وهي واقعة في خليج توبلي شرقي توبلي وجنوبي أم الحصم وغربي شمال جزيرة سترة، وهي كثيرة المياه تكاد تكون رقعة الجزيرة كلها حديقة واحدة وأرضها كالبساط السندسي لوفرة مائها واكتساء تربتها بالعشب وبها أثر قديم يتكون سقفه من قبة
كأنها نقرة من الصخر ويعرف بمبرك ناقة النبي صالح كما تعرف نفس الجزيرة بجزيرة النبي صالح ويقصدها عموم أهالي البحرين بالنذورات ويتبركون بهذه الآثار لنسبتها لنبي الله تعالى فالله أعلم بحقيقة الأمر.
يقول الوالد الشيخ محمد علي الناصري (ت 1419هـ): كانت جزيرة أُكُلة (بضم الألف والكاف وسكون اللام) سابقًا، والنبيه صالح حاليًا، محطّ آمال الكثير من الناس، منهم الحكام والعلماء كما جاء في تاريخها القديم، أما الحكام فلما كانت عليه من التربة الخصبة والينابيع العذبة الكثيرة، والزراعة من النخيل والأشجار المتنوعة الوفيرة، وذلك لحصول فوائد الغلة.
وأما العلماء فلإنعزالها عن الضوضاء من تكاثف السكان وما يترتب على ذلك، بحيث أن التفكير فيه والتهام العلم يحتاج إلى الجو الهادئ، وللأمر الأخير مر عليها ردح من الزمن وفيها سوق العلم رائج، وللعلماء دخل إليها وخارج، من القرى المجاورة إليها مثل الماحوز، وتوبلي، وجزيرة سترة، إلخ.
حتى أن: الكثير في روضتها من العلماء الفطاحل، واشتهر في ساحة فنون العلم منهم الأفاضل، مثل الشي. أحمد المتوج صاحب المؤلفات الكثيرة والجليلة المتوفى سنة 850هـ/1446م أو سنة 830هـ/1426م، والشيخ داود كذلك كما سيأتي ذكره في محله، وإن لهذه الجزيرة لحديث شيق ولعلنا في فرصة مؤاتية نتحف القارئ الكريم بالتحدث عنها، وخير دليل نقدمه لمن أراد الشاهد على ذلك أولًا: مدرسة الشيخ داود الدينية، كما جاء في “أنوار البدرين” (ص 186) في ذكر الشيخ داود ما نصه: وقد كتب كتبًا كثيرة بيده المباركة وأوقفها مع كتب كثيرة بخطه وبخط غيره يقرب من أربعمائة كتاب في المدرسة التي بناها في بيته بالجزيرة.
وحدثني الأستاذ عبد الرسول بن الشيخ سلمان التاج1 قال: إن للشيخ داود الجزيري البحراني بترتيب المعاني، وجد في بسورته (مرفأ الهند سابقًا)، مخطوط من أواخر القرن العاشر الهجري، وعنده نسخة من هذا الكتاب مخطوط.
ثانيًا: قبور العلماء الموجودة في هذه الجزيرة الصغيرة الحجم الكبيرة في الشأن، مثل قبر الشيخ عبد الله المتوج والد الشي. أحمد المتوج وهو المدفون مع النبيه صالح، والشي. أحمد المتوج وهو المدفون مع النبيه صالح، والشيخ داود، وابنه الشيخ علي وهم أهل القبور في الحجرة الكائنة شمال مدفن النبيه صالح، وتاج هذه القبور الحرم العظيم الذي شيد من جديد، وقد رسى على أرضها كالطود الشام. وهو باسم العبد الصالح، وأعني به مشهد الشيخ صالح النبيه أو النبيه صالح الذي شرق وغرب صيته وأصبح مزارًا للقريب والبعيد من أهل الخليج. انتهى.
ويقول عنها الشيخ علي البلادي صاحب “أنوار البدرين” في ترجمته للشيخ داود الجزيري: وقد رأيتها مرارًا وهي جنة من جنان الدنيا جنات تجري من تحتها الأنهار لو لا ما فيها من الظلم والغصب والأكدار.
ذكر الجزيرة في كتب التاري. والسير:
عُرفت هذه الجزيرة بأسماء عديدة كان آخرها بالنبيه صالح، ويعتقد المؤر. الشيخ محمد علي التاج1 أنها المقصودة بجزيرة بلافة التي يذكرها ياقوت الحموي في “معجم البلدان” و”مراصد الاطلاع”.
يقول التاجر: وقد جاء ذكر جزيرة النبي صالح في “مراصد الاطلاع” لياقوت وفي معجمه أيضًا تحت مادة “بلافة”.
وقال أيضًا: إن جزيرة ابن كاوانة أو بلافة هي قرية بكافلانة التي في جزيرة النبي صالح السالفة الذكر، وقد طالها التحريف وتعددت عليها الأسماء.
أقول: هذا ما يقوله التاج1 رحمه الله، ولكن هل جزيرة النبي صالح هي فعلًا جزيرة بلافة كما يقول؟ هذا ما نحاول معرفته من خلال البحث التالي:
يقول الحموي في معجمه: لافت – جزيرة في بحر عمان بينها وبين هجر، وهي جزيرة بني كاوانة أيضًا التي افتتحها عثمان بن أبي العاص الثقفي في أيام عمر بن الخطاب ومنها سار إلى فارس فافتتح بلادها، ولعثمان بن أبي العاص بهذه الجزيرة مسجد معروف، وكانت هذه الجزيرة من أعمر جزائر البحر، بها قرى وعيون في ذلك البحر، وركبته عدة نوب فلم أسمع لها ذكرًا.
وفي “مراصد الاطلاع” قال: جزيرة كاوان ويقال لها: جزيرة بني كاوانة، جزيرة عظيمة يقال لها: جزيرة لافت، وهي من بحر فارس بين عمان والبحرين، كان بها قرى ومزارع، وهي الآن خراب.
وذكر المسعودي أنها كانت سنة 333هـ/944م عامرة آهلة.
وذكر لوريمر في كتابه “دليل الخليج” الوقائع التي حصلت على جزيرة بلافة ضمن تاريخ عمان، وذكر بأنها في 28 نوفمبر سنة 1809م تعرضت لهجوم إنجليزي وإنزال من عدة سفن، وكانت مسرحًا لمعركة حامية الوطيس بين قوة إنجليزية قوامها ص00 جندي مشاة وبين القواسم سكان تلك الجزيرة آنذاك، وذكر أن بها ميناء وقلعة محصنة دُكّت بالمدافع.
وورد ذكرها باسم بني كاوانة على لسان أمير المؤمنين عليه السلام، ففي كتاب “الغيبة” لمحمد بن إبراهيم النعماني وهو من أعلام القرن الرابع الهجري، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: “إذا قام القائم بخراسان وغلب على أرض كوفان وملتان، وجاز جزيرة بني كاوانة، وقام قائم منا بجيلان”.
وورد ذكرها بهذا الاسم أيضًا في تاري. الطبري (ج5، ص555) في ذكر ابن الجارود، وكذلك في (ج6، ص522).
كما ورد ذكرها في تاري. ابن خلدون (ج3، ص166)، وتاريخ دمشق لابن عساكر في أحداث سنة 129هـ (ج2، ص431).
وفي “الإصابة” قال ابن حج1 عند ذكر صعصعة بن صوحان: وكان خطيبًا فصيحًا وله مع معاوية مواقف، ثم قال: وذكر العلائي في أخبار زياد أن المغيرة نفى صعصعة بأمر معاوية من الكوفة إلى الجزيرة أو إلى البحرين، وقيل إلى جزيرة بني كافانة فمات بها.
والذي يبدو لي من خلال هذه المصادر وما ذكر فيها من وصف لهذه الجزيرة أنها غير جزيرة النبيه صالح حيث وصفت بأنها جزيرة عظيمة وذات قرى ومزارع، وأن بها ميناء وقلعة محصنة.
وأنها كانت تحت حكم القواسم وجرت بها معركة كبيرة كالتي ذكرها لوريمر، وهذا الوصف لا يناسب حجم جزيرة النبيه صالح لصغرها، ولا موقعها حيث ذكر أنها بين بحرين وعمان.
قد تكون جزيرة بني كافانة أو ابن كاوانة هي جزيرة بلافة، لكن المؤكد أنها ليست الجزيرة التي تعرف عندنا بجزيرة النبيه صالح.
ومن خلال تتبعي لبعض المواقع على شبكة الإنترنت تبين أن جزيرة كاوانة هي الاسم القديم لجزيرة قشم الحالية، وكانت تعرف عند العرب أيضًا بجزيرة “الطويلة”، وتقع هذه الجزيرة في مدخل الخليج مقابل ميناء بندر عباس وهي أقرب إلى بر إيران، أما بلافة فهي قرية من أهم قرى جزيرة قشم.
وعرفت هذه الجزيرة أيضًا باسم آخر أُكُلة، ذكرها بهذا الاسم الشيخ يوسف الحدائقي، قال في ترجمة الشي. أحمد المتوج: وقبره معروف بجزيرة أُكُلة (بضم الهمزة والكاف)، وهي المشهورة الآن بجزيرة النبي صالح من بلاد البحرين حماها الله تعالى من الشين.
وعرفت أيضًا باسم جزيرة النبي صالح منذ زمن الشيخ يوسف العصفور كما في النقل السابق عنه رحمه الله.
ولا يسعنا في هذا المقام إلا استبعاد بل نفي أن يكون هذا القبر للنبي صالح على نبينا وآله وعليه السلام، وذلك لأنه ورد أنه دفن في الكوفة، فقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته للحسنين عليهما السلام عندما طعنه ابن ملجم (لعنه الله): “فإذا مت فادفنوني في هذا الظهر في قبر أخوي هود وصالح”.
وفي كتاب “فضل الكوفة ومساجدها” ذكر مقام الصالحين ويعرف بمقام الأنبياء هود وصالح يقع في الزاوية بين الضلعين الشمالي والشرقي.
كما ذكر ابن عباس أن موطن ثمود بوادي القرى بين المدينة والشام.
وذكر صاحب الكشاف: أنه دفن في حضرموت.
وقال ابن أسباط: أنه بين الركن والمقام وزمزم ضمن تسعين نبيًا.
وعلى الرغم من أنه نُسب إلى عدة أماكن، إلا أنه لا يمكن أن يكون من ضمنها هذه الجزيرة لعدم انطباقها على مواصفات موطن ثمود لصغرها ولعدم تناسب طبيعتها، حيث ورد ذكرها في القرآن بأنها ذات سهول وجبال ينحتون منها البيوت، قال تعالى في قوم ثمود وهم قوم صالح: “إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورًا وتنحتون الجبال بيوتًا”.
والصحيح ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام بأن قبر صالح وهود في ظهر الكوفة أي النجف.
وقد ورد في زيارته عليه السلام المأثورة: “السلام عليك وعلى جاريك هود وصالح وعلى ضجيعيك آدم ونوح”.
وقد شيّد مقامه المحقق العلامة السيد محمد مهدي بحر العلوم (ت 1212هـ/1797م)، يقول الشيخ جعفر آل محبوبة (ت 1377هـ/1957م) رحمه الله: في جبانة النجف على الجهة الشمالية من البلد الأشرف قبر للنبي هود (ع) والنبي صالح (ع)، وهو من القبور المعلومة والمقامات المشهورة، عليه قبة يتبرك بها وتزار، شيدت في عهد العلامة الخبير السيد بحر العلوم وهو الذي أظهره وبنى عليه قبة من الجص.
وعلاوة على ذلك فإن كتب التاري. والسير القديمة لم تذكر هذه الجزيرة على أنها موطن ثمود وموضع مرقد النبي صالح عليه السلام، ولم تعرف بهذا الاسم وإلا لذكرها ياقوت الحموي المتوفى سنة 626هـ، وإنما أول ذكر لها بهذا الاسم باسم جزيرة النبي صالح – على ما نعلم – جاء في كتاب الشيخ سليمان الماحوزي (1075-1121هـ) وهو من أعلام القرن الحادي عشر.
يقول الأستاذ محمود بهجت: أما شخصية هذا الصالح الذي يجب أن يكون غير النبي صالح فإنه على ما يظهر لا يتقدم زمان القرن السابع ولا يتأخر القرن الحادي عشر، إذ لم تعرف الجزيرة باسمه على زمن ياقوت صاحب المعجم المتوفى سنة 626هـ.
وأول من ذكرها بهذا الاسم على ما نعلم العلامة الشيخ سليمان الماحوزي المتوفى عام 1121هـ أو الشيخ عبد الله بن صالح السماهيجي.
أما تسميته بـ”النبيه صالح” أول ما جاءت على لسان الشيخ محمد بن خليفة النبهاني (ت 1950م) في كتابه “التحفة النبهانية”، وتبعه الشيخ محمد علي التاج1 (ت 1967م) حيث استبعد أن يكون المقام للنبي صالح عليه السلام، فاحتمل أن يكون ثمة تحريف لكلمة “نبيه” على ألسن العامة فقالوا النبي صالح، ولكن الملفت أن الأهالي لم يقتصروا على ادّعاء مقام النبي بل وعلى مبرك ناقته، مما يعني أنهم لم يقولوا ذلك شبهة في الاسم وإنما كانوا يعتقدون أنه فعلًا للنبي صالح.
كما إن إضافة لقب “النبيه” للاسم العلم للعلماء أو غيرهم يبدو غريبًا، وليس متعارفًا لدى العلماء فضلًا عن غيرهم.
الحاصل:
وعليه فإنه إما أن يكون أحد الصالحين لم يُعرف اسمه على غرار المدفون في الحلة التي سميت باسمه “حلة العبد الصالح”، ومع الأيام حرّف من العبد الصالح إلى النبي صالح، وإما أن يكون اسمه صالح، ولكن لاشتهاره ببعض الكرامات أو بسبب وجود هذا الغار إلى جانب القبر وكانت تربط فيه ناقته، أطلق عليه مربط ناقة صالح تشبيهًا بالنبي صالح وناقته، أو لسبب آخر لا نعلمه تحول الشيخ صالح إلى النبي صالح على ألسن الناس.
فالقدر الثابت والمقطوع أنه غير النبي صالح عليه السلام لما مر، قد يكون النبيه صالح أو العبد الصالح، أو وليّ اسمه صالح أضيف له لقب نبي شبهة، ثم عدّل في الأخير إلى النبيه.
قصة مشيه على الماء:
ذكر له الوالد الشيخ محمد علي الناصري (ت 1419هـ) رحمه الله قصة ينقلها عن شخص اسمه الحاج ماجد بن الحاج حسن الدلال من أهالي المنامة، المتوفى يوم الاثنين 1393هـ، الذي قال إنه ينقلها عن أبيه عن أحد علماء البحرين لم يذكر اسمه، أوردها أنا هنا على سبيل الحكاية – وكما يقال العهدة على الراوي – ملخصها: إن الشيخ صالح أو النبيه صالح كان من رجال الله الصالحين، وكانت له كرامة وهي أنه يفرش إزاره على وجه ماء البحر ويعبر إلى الساحل الشرقي من توبلي عند قرية جد علي، وإذا وصل ينفض إزاره ويضعه على كتفه ويأتي المسجد المعروف بمسجد الحرم – وهو أحد المساجد السبعة التي كانت قبلتها من إرشاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في عهد خلافته ويقع غرب القرية – حيث ينتظره مجموعة من الطلبة ليلقي عليهم الدرس في ثلاث ليال من كل أسبوع، ثم يرجع إلى الجزيرة بنفس الطريقة.
وذكر أنه لما كُشف أمره مات وأصبح مرقده مزارًا ومتبركًا به لما عرف به من الصلاح والتقوى والكرامة.
أما ما قاله الأستاذ النويدري في تعليقه على هذه القصة، هو مجرد استبعاد، والاستبعاد لا يصلح أن يكون دليلًا علميًا، خصوصًا إذا اتفقنا على أن هذا الأمر ممكن حصوله عقلًا ويقع في دائرة الإمكان، وهناك شواهد تاريخية عديدة يذكرها أهل التواري. والسير على حصول هذا الأمر لعدد من الأعلام.
يقول النويدري: أما القصة التي أوردها الناصري في كراس له مستقل حول هذا المقام، فقد اعتمد فيها أقوال العوام، ولم تسعفه الدلائل العلمية مع الأسف الشديد.
هذه العبارة قالها الأستاذ النويدري وتلقّفها بعض من كتب في المزارات، كتبوها هكذا من غير تأمل وتحقق، للأسف الشديد.
وبدوري أنا أسأل: ما هي الدلائل العلمية التي يجب أن نستند إليها في رد أو قبول القصص أو الحوادث التاريخية؟ وهل القصة تحتاج إلى دليل علمي لتوثيقها أو إثباتها؟
ثانيًا: هل كل ما يقوله العوام محكوم بعدم الصحة؟ لا سيما في النقل والحكاية؟
أم يجب علينا أن نسأل العلماء والفقهاء والمحققين فقط عن أحداث الماضي وتاري. الماضين؟
أما ما ينقله لنا الآباء والأجداد عن الماضي فهو غير مقبول لأنهم من العوام؟
نعم، قد تكون بعض التفاصيل في الحكاية غير صحيحة أو غير دقيقة وردت على لسان رواتها، فقد قيل: إن آفة الأخبار رواتها، ولكن ذلك لا يعني أن الأصل غير صحيح.
وكما لا نستطيع القول بأن هذا وقع على نحو الجزم كذلك نرفض من ينسبها إلى الخرافة والكذب من غير دليل.
قصة بناء المشهد ومقبرته:
يقول الناصري رحمه الله: موقع قبر النبيه صالح من جزيرة أُكُلة كان على الساحل الغربي وعلى مساحة كبيرة من الجبل الصلد، وفي مقبرة الشيخ بدعلجة بن علي وهو الذي أمر بنحت القبور من الصخر على نفقته وعرفت باسمه لأنه لم ينجب الأولاد فأحب أن تكون له صدقة جارية، وأوقفها للمؤمنين وكان ذلك في حدود سنة أربعمائة هجرية، وأعد له قبة من الجبل وتحتها قبر وأوصى أن يدفن فيه، وهي موجودة (أي القبة) إلى سنة 1408هـ، وسورت المقبرة في سنة 1978م بسعي أهل الجزيرة وبمساعدة دائرة الأوقاف الجعفرية، وقد استهلكت ثمانمائة ألف طابوقة ومائة واثنين وعشرين شحنة سيارة من الحجارة واستغرقت مدة البناء تسعة أشهر.
أما عن عمارة المشهد، يقول الناصري رحمه الله: في سنة 1346هـ/1926م، حدثني الحاج علي بن حسن بن مرهون وكان من شيبة أهل الجزيرة قال: رأيت محل مسجد النبيه صالح أكمة وكنا نحبل لصيد الطيور عليها، وكان ذلك في حدود سنة 1343هـ/1923م، وعندما أرادوا بنائه ورفعوا الأنقاض ظهرت أسطوانات المسجد، وكانت على حد قوله: خرز من الحج1 الصلد كطاق الرحى الواحدة على الأخرى، مثلها الكثير في المساجد القديمة وغير المساجد، والذي تبرع للعمارة الثانية على نفقته في سنة 1346هـ/1926م أحد المؤمنين وهو الحاج علي بن ياسين من أهالي “القرية” إحدى قرى جزيرة سترة، وكان قد بنى حجرة واحدة تضم قبر النبيه صالح وقبر الشيخ عبد الله المتوج، وجعل الحاج حسن الحبشي وكيلًا على المسجد وهو من أهالي “القرية” سترة أيضًا وسكن الجزيرة، وأضاف الحاج حسن الحبشي حجرة تضم القبور الأربعة الكائنة شمال قبر النبيه صالح، ثم جعل ليوانًا على واجهة الأولى والثانية وفصل بينهم وخصص للنساء القسم الجنوبي والشمالي للرجال، وفي ولاية الحاج علي بن عبد الله بن حسين رمم ما احتاج للترميم.
وسيلة العبور إلى الجزيرة:
ولأن قبره كان في جزيرة يحوطها البحر من أربع الجوانب والوصول إليها لا يكون إلا بواسطة السفن، تبرع أحد المؤمنين واشترى سفينة وأوقفها للزوار ولأهل الجزيرة، وتبرع آخر وأوقف بستانًا من النخيل تصرف غلته السنوية على تصليح السفينة ومن يعمل فيها، مما سهل أمر الوافدين لزيارة قبر النبيه صالح، إلا أن قضية مد وجزر البحر واختلاف الأوقات صار حج1 عثرة في بعض الأحيان للزوار، فيضطرون إلى البقاء ليلًا وهذا يحتاج إلى الاستعداد الكامل للضيوف، فبنوا مسجدًا وزودوه بكل ما يلزم من الفراش وأواني الطب. إلى غير ذلك، ووظفوا مسؤولًا يحرس المسجد وما فيه ويكون سادنًا ومؤذنًا.
كان في عهد الشيخ محمد علي بن الشيخ عبد الله الستري المقلد (آية الله) توجد سفينتان، واحدة من ناحية الشرق من الجزيرة، منها إلى جزيرة سترة ومنها إلى الجزيرة، والثانية من جهة الشمال من الجزيرة، إلى أبو غزال من الماحوز ومنه إلى الجزيرة، والرحلة صباحًا من الجزيرة إلى أبو غزال مرة واحدة، وأخرى من أبو غزال إلى الجزيرة مرة واحدة وكذلك بين سترة والجزيرة، والسفينتان وقفًا وللسفينتين عدة قطع من النخيل موقوفة وقد بلغت غلة الجميع في السنين الأخيرة سنويًا أكثر من ألف وخمسمائة روبية (150 دينار بحريني)، تصرف على العاملين في السفينتين وتصليحها من قِبل دائرة الأوقاف الجعفرية، ويتقاضى العامل في السفينة مبلغ ستين روبية شهريًا في السنين الأخيرة حتى تحطمت واحدة من السفن في حدود سنة 1370هـ/1950م، ثم تلتها الأخرى، وقبل فتح الجسر بسبع سنين تبرعت بلدية المنامة ببلنجة تنقل أهل الجزيرة إلى أم الحصم ومنها إلى الجزيرة، حتى فتح الجسر رسميًا في 1978م.
سدنة المسجد وولاته:
1. الحاج حسن الحبشي الذي مر ذكره آنفًا.
2. الحاج محمد بن عبد الله القطان من أهالي الجزيرة.
3. أحمد بن عبد الله بن الحاج علي بن حسين من أهالي الجزيرة مدة وجيزة ثم أخوه.
4. الحاج علي بن عبد الله بن حسين مدة 35 سنة تقريبًا.
5. الحاج أحمد وأخوه الحاج سلمان أولاد الحاج عبد الحسين البصري الجزيري من 1389هـ/1969م حتى الآن، وفي عهدهما كانت العمارة الثالثة.
العمارة الثالثة:
للأسباب الآتي ذكرها أعيد بناء المسجد:
1. كثرة الزوار وأهل النذور الذين يفدون إلى المسجد طوال السنة وخاصة في أشهر الصيف وعلى الأخص أيام الجمع.
2. ضيق المكان وقدمه والحاجة إلى إصلاحه وتطويره ليناسب هذا الزمان.
3. دخله الوفير من أهل النذور والزوار الذي شجع المسؤولين على الإقدام على تصميم هذا البناء الضخم.
4. تشجيع دائرة الأوقاف الجعفرية لتحملها المسؤولية الكبيرة ومساعدتها ودعمها لبناء هذا الصرح العظيم، وربما من الحوافز آنفة الذكر نتج الإقدام على تشييد هذا الحرم الكبير والمقام الشريف بتاري. المقاولة في 1980م، الدفعة الأولى للمقاولة بمائة وخمسين ألف دينار بحريني. اسم المقاول الحاج محمد علي يوسف المزعل من أهالي “القرية” من قرى جزيرة سترة، البحرين، شروط المقاولة سبعة وثلاثون بندًا، منها ستة وعشرون تخص الحرم وإحدى عشرة تخص الحج1 والمرافق الخاصة للزوار، ولنذكر هنا بعض النقاط المهمة في المقاولة.
1. نوع الخرسانة (الكنكريت) المستخدم يجب أن يكون من رأس الخيمة ويجب أن يكون نظيفًا، إلخ.
2. الرمل المستخدم للخرسانة يجب أن يكون مغسولًا نظيفًا خشنًا خاليًا من الشوائب مثل الأصداف وغيرها، إلخ.
3. القبة والمآذن: تبنى القبة بشكل ممتاز بالموقع المخصص لها وأن يكون ارتفاعها وقطرها حسب المقاسات المؤشر عنها بالخارطة (بالدائرة 11 في 11)، وأن تكسى بالفسيفساء الذهبية الممتازة من الخارج، كذلك يكون مستوى المآذن بالمواقع المخصصة لها وقطرها وارتفاعها حسب المخطط (70 قدمًا).