تاريخي

تاريخ التشيع في إقليم البحرين القديم

__2_1_~1 بحث بقلم عبد الخالق بن عبد الجليل الجنبي. هذا البحث هو فصل من كتاب للباحث عن عبد القيس، وهو قيد التأليف.

ربيعة السامعة المطيعة

هذا العنوان مقتبس من قولٍ للإمام علي عليه السلام قاله في قبائل ربيعة عندما رأى استبسالهم في نصرته وقتال أعدائه، ورأى كثرة من استشهد منهم معه في حروب الجمل وصفين. وقد كان إقليم البحرين القديم – الممتد على الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية من العراق شمالًا، وحتى حدود عمان القديمة جنوبًا – كان موطنًا لقبائل ربيعة منذ أنْ رحلت إليه قبيلة عبد القيس وبطون من بكر بن وائل وأختها تغلب ابنة وائل. فقد ذكر البكري الذي ينقل عن هشام

 

بن محمد الكلبي أنّ قبيلة عبد القيس عندما رحلت من تهامة إلى البحرين استطاعت أنْ تزيح قبيلة إياد التي كانت تسيطر على البحرين، وأجبرتها على الرحيل نحو العراق، واقتسمت بطونها كامل هذا الإقليم ومراعيه الخصبة وأقطاره العامرة، ولاسيما واحتي الأحساء والقطيف وما يتبعهما من مدن وقرى وواحات وبراري. وصار هذا الإقليم كله يُعرف منذ ذلك الحين بديار عبد القيس حتى القرن السابع الهجري حيث استطاعت أحلاف قبائل وبطون من عُقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة من إنهاء سيطرة عبد القيس على البحرين بعد إسقاطهم لدولة العُيونيين آخر دولة عبدية حكمت كامل المنطقة.

وعلى الرغم من إنهاء هذه القبائل العُقيلية لسيطرة عبد القيس على البحرين إلا أنّ ذلك لم يؤثر بتاتًا على التشيع في المنطقة لأنّ هذا الحِلف العُقيلي كان يتكون من قبائل متشيعة هي الأخرى، وظلت محافظة على تشيعها حتى لقد وصف ابن حج1 أسرة حاكمة منهم تتكون من جدٍّ وابنه وحفيده بأنهم من كبار الروافض.

وقد غلب التشيّع على ربيعة من قديم الزمان، ولاسيما عبد القيس وبكر بن وائل، وهما رحيا ربيعة من أرحاء العرب الستة. وقد ذكر الشي. المفيد أنّ ربيعة خرجت كلها لنصرة الإمام علي عليه السلام في وقعة الجمل إلا مالك بن مسمع منها. في حين ذكر ابن عساكر أنّ ربيعة كانوا ثلث أهل الكوفة، وكانوا مع عليّ عليه السلام يوم الجمل، وذكر أنهم كانوا يوم الواقعة في هذا اليوم نصف الناس معه، مما يدلُّ على إخلاصهم له وأنهم كانوا أشد الناس في محاربة أعدائه. ويذكر المسعودي أنّ الإمام علي عليه السلام حزن حزنًا شديدًا على مَن قُتِل من ربيعة قبل وروده البصرة ممن قتلهم الزبير وطلحة من عبد القيس وربيعة، ثم جدد حزنه قتل زيد بن صوحان العبدي في وقعة يوم الجمل. ويضيف المسعودي أنّ الإمام كان دائمًا ما يكثر من قوله:

يا لهف نفسي على ربيعة           ربيعة السامعة المطيعة.

وقال في موضع آخر: ولعليٍّ في ربيعة كلامٌ كثير يمدحهم فيه، ويرثيهم شعرًا ومنثورًا. وقد كانوا أنصاره وأعوانه، والركن المنيع من أركانه. فمن بعض ذلك قوله يوم صفين:

لمن رايةٌ سوداء يخفق ظلها          إذا قيل قدّمها حُضَينُ تقدما

فيوردها في الصفّ حتى يعلها       حياض المنايا تقطر الموت والدِّما

جزى الله قومًا قاتلوا في لقائه         لدى الموت قُدماً ما أعزّ وأكرما

وأطيب أخبارًا، وأكرم شيمةً          إذا كان أصوات الرِّجال تغمغما

ربيعة أعني إنّهم أهل نجدةٍ           وبأسٍ إذا لاقوا خميسًا عرمرمًا.

وقد فتَّش معاوية قبل ذلك جيشه في حرب صفين فلم يجد فيه من ربيعة أحدًا لأنهم جميعهم كانوا مع أمير المؤمنين علي. ولما تفرَّق عن الإمام أصحابه في ليلة الهرير الشهيرة من حرب صفين، ولم يجد أحدًا يحيط به انحاز إلى ربيعة من دون القبائل التي تنصره. فنزل بينهم فحاموا عنه برماحهم لئلا يصل إليه أحد. وفي تلك الليلة قال قولته المشهورة لهم: “أنتم درعي ورمحي”. فكانت ربيعة تفخر بهذا الكلام من أمير المؤمنين على بقية قبائل العرب. وفي ذلك الوقت وقف سيد بكر بن وائل شقيق بن ثور السدوسي خاطبًا في ربيعة، وهو يقول: يا معشر ربيعة، لا خير لكم إنْ قُتل عليٌّ ومنكم رجلٌ حيٌّ. فكان ذلك مما حمَّسهم في الحرب، فقاتلوا مع الإمام قتالًا لم يُسمع بمثله، وانتدب له منهم ما بين تسعة آلاف إلى أكثر من ذلك قد جادوا بأنفسهم لله عزّ وجلّ، وحملوا معه حملة رجل واحد، فلم يبق لأهل الشام صفٌّ إلا انتقض، وأهْمدوا كل ما أتوا عليه على حدِّ وصف المسعودي.

ويؤكد الجاحظ في رسالة الحكمين أنّ ربيعة كانوا في طاعة عليّ مجتهدين، وعلى معاوية مطيعين حتى هجروا فيه – يعني عليًّا – الإخوان والجيران، وفارقوا من أجله الأوطان كصنيع عجلٍ بالبصرة وانتقالهم بعد نصرته يوم الجمل إلى الكوفة حتى نُزِلت ديارهم، وصارت في ربوعهم الأزد. وهذا الكلام يأتي من رجلٍ بصري خبير بالعراق وأهله، ولا سيما ما يتعلق ببلده البصرة.

وقد كان لبكر بن وائل وبطونها شأنٌ عظيم في معركة الجمل. ومن بطونها التي كان لها ذكرٌ وشأنٌ في ذلك اليوم بنو ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. فقد روى الطبري في تاريخه أن راية بكر من أهل الكوفة كانت فيهم. وفي تلك المعركة تقدم زعيمهم الحارث بن حسان بن خوط الذهلي مناشدًا بكرًا، وهو يقول: يا معشر بكر بن وائل إنه لم يكن أحدٌ له من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثل منزلة صاحبكم، فانصروه. وذكر أيضًا أنه قُتل من بني ذهل ذلك اليوم خمسةٌ وثلاثون رجلًا. وعندها التفت رجلٌ منهم لأخيه قائلًا له: يا أخي ما أحسن قتالنا إن كنا على حق؟ فأجابه أخوه بكل إيمان وعزم قائلًا له: فإنّا على الحق إنّ الناس أخذوا يمينًا وشمالًا، وتمسكنا بأهل بيت نبينا. فقاتلا حتى قتلا. وعندما بعث الإمام علي زياد بن خصفة التيمي أحد بكر بن وائل إلى قتال الخريت بن راشد الناجي خطب زياد في قومه بكر بن وائل قائلًا: “يا معشر بكر بن وائل إنّ أمير المؤمنين ندَبَني لأمر من أموره مهمٌّ له، وأمرني بالانكماش فيه بالعشيرة حتى يأتي أمره، وأنتم شيعته وأنصاره، وأوثق حيٍّ من أحياء العرب في نفسه”. وقد كرر زياد بن أبيه هذا القول الأخير الذي قاله زياد بن خصفة، وذلك لمّا نزل عبد الله بن عامر الحضرمي في البصرة داعيًا إلى بيعة معاوية بعد التحكيم، وكان زياد بن أبيه واليها من قبل الإمام علي، والذي جمع أشراف بكر بن وائل، فقال لهم: أنتم يا بني بكر بن وائل من أنصار أمير المؤمنين وثقاته، ثم طلب منهم أن يمنعوه من عبد الله بن عامر الحضرمي. وقد ذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج أنّ معاوية لمّا أرسل ابن الحضرمي إلى البصرة يدعو أهلها إلى مبايعته والخروج على أمير المؤمنين علي عليه السلام أمره أنْ ينزل في مضر البصرة، وأنْ يمنع النزول في ربيعة لما يعلم من تشيعهم للإمام علي عليه السلام.

أما بقية قبائل ربيعة، فقد ذكر الرواة أنّه عندما سار الإمام علي لمحاربة معاوية في صفين، فلما بلغ الجزيرة من العراق لقيه بطون تغلب والنمر بن قاسط. فسار معه منهم خلقٌ عظيم كما يذكر ذلك اليعقوبي. أما ابن عساكر فذكر في تاريخه أنّه كان في جيش الإمام علي عليه السلام أربعة آلاف من قبيلة عنزة بن ربيعة يوم صفين.

وقد ذكر أبو عبيدة أنّه لما قُتل الإمام علي عليه السلام أراد معاوية الناس على بيعة ابنه يزيد، فتثاقلت ربيعة ولحقت بعبد القيس بالبحرين. كما يذكر الطبري في تاريخه أنّ عبد الله بن عامر والي البصرة لمعاوية أمر شريك بن الأعور الحارثي، وهو من شيعة علي أنْ يخرج لمحاربة بعض الخوارج الذين كانوا بقيادة المستورد بن علفة التيمي، وأمره أنْ يخرج معه في قتاله لهم من يستحلّ قتالهم من أهل البصرة. فعرف شريك أنه يريد بذلك الشيعة، فدعاهم شريك، وكان أعظمهم فرسان ربيعة الذين نصّ الراوي على أنهم كانوا شيعةً لعلي، وأنه قد أجاب شريكًا منهم فرسانهم وزعمائهم.

ثم لما كانت وقعة كربلاء عام 61 للهجرة كانت ربيعة من أكثر أنصار الإمام الحسين عليه السلام فيها على قلة أنصاره. وقد ذكر الرواة ستة وتسعين رجلًا من ربيعة كانوا من ضمن أنصاره الذين لم يتجاوز عددهم سبعة وسبعين نفرًا، وهم جميعهم من بني بكر وتغلب والنمر وعبد القيس. مع الأخذ بالاعتبار أنّه يوجد في أنصاره من لم ينسبهم المؤرخون إلى قبيلة معينة، ولو فعلوا لربما فاق عدد الربعيين من أنصار الحسين في كربلاء التسعين رجلًا أي أكثر من ربع العدد الحقيقي لأنصار الحسين.

وعندما مات يزيد بن معاوية – لعنه الله – انتفض أهل الكوفة على الحكم الأموي، وأرادوا أنْ يولّوا عليهم أميرًا من بلدهم. فاقترح بعضهم عمرو بن سعد. ولما سمعت نساء ربيعة وهمدان والنخع ذلك خرجن إلى المسجد ناشرات لشعورهن، وهنّ يندبن الحسين قائلات: أما رضي عمرو بن سعد بقتل الحسين عليه السلام حتى تجعلوه يتولى أمرنا؟ فبكى كلُّ من في المسجد، وصرفوا النظر عن توليته.

ثم لما انتفض التوابون للأخذ بثأر الإمام الحسين عليه السلام كان لربيعة أيضًا حضورهم القويّ والفعال، وكان أحد زعماء التوابين هو عبد الله بن وال التيمي تيم بكر بن وائل الربعية. وقد قتل في المعركة وهو مُقْدمٌ على خصومه.

ثم أخذ التشيع يتغلغل في ربيعة، فلم يظهر ثائرٌ من آل أبي طالب على الأمويين أو العباسيين بعدهم إلا وكان معه من ربيعة من ينصره، ويكون من خلّص أصحابه مثل: يزيد بن عمرو التيمي تيم بكر بن وائل، والحريش بن عبد الرحمن الشيباني شيبان بكر أيضًا، وأبو العجارم الحنفي منهم أيضًا، وهم من أنصار يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. ويونس بن أرقم العنزي، وهو من أصحاب إبراهيم بن عبد الله بن الحسن العلوي الثائر على أبي جعفر المنصور. وأبي السرايا الشيباني مدبر أمر محمد بن طباطبا العلوي الثائر على المأمون العباسي. والهيصم بن العلاء العجلي ثم البكري الذي جاء مع أهل بيته لنصرة الثائر العلوي يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب مرثية ابن الرومي.

ثم تطوّر التشيّع في ربيعة أكثر فأكثر حتى إننا لنرى بعد ذلك بيوتات مشهورة منها في عصر الدولة العباسية تتشيع مثل معن بن زائدة الشيباني البكري وأهل بيته. وأبي دُلف العِجلي البكري وأهل بيته. وهما أسرتان من بكر بن وائل، ومثل آل حمدان من تغلب.

وعندما بدأ دعاة الشيعة الإسماعيلية تحرّكهم في أواسط القرن الثالث كان التشيّع قد تفشَّى في ربيعة وقبائلها وبطونها، فكان هؤلاء الدعاة أوّل من يدعونهم قبائل ربيعة لعلمهم بإخلاصهم في تشيعهم. وفي هذا الصدد يتحدث المقريزي عن أكبر دعاة الإسماعيلية، وهو حمدان قرمط الذي خرج بسواد الكوفة، فقال عنه إنّه كان لا يظهر غير التشيّع والعلم، ويدعو إلى الإمام من «ل رسول الله محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق. ثم عدد من بطون القبائل التي دخلت في دعوته و»منت بها: بني رفاعة، وبني ضبيعة، وبني عابس، وبني ذهل، وعنزة، وتيم الله، وبني ثعل، وغيرهم من بني شيبان. وهذه القبائل والبطون جميعها من ربيعة بن نزار مما يؤكد ما قلناه من انتشار التشيع في جماهيرها وقبائلها. وكذلك يذكر المقدسي في أحسن التقاسيم مشاهدته لبعض المشاحنات في البصرة بين الرّبعيين الذين وصفهم بأنهم شيعة وبين من سماهم بالسعديين وقال إنهم سنة. وهذا كله يدل على اختصاص ربيعة بالتشيع إلا من شذّ عنها في ذلك.

عبد القيس خير ربيعة

أما عبد القيس فقد كان لها نصيب الأسد من بين قبائل ربيعة في التشيع إلى الحدِّ الذي صيَّرهم أكثر أصحاب الإمام علي عليه السلام إخلاصًا له في الحروب، وأشدّ أعوانه بصيرةً فيها وأعظمهم حُبًّا له ولأهل بيته من بعده حتى لقد اشتهر عنه أنّه كان إذا أقسم قسمًا قال: “لا والذي جعل عبد القيس خير ربيعة”. كما يذكر المؤرخون أنّه عندما أنشد أبو أسماء العبدي شعرًا مدح فيه الإمام علي قال له الإمام: “رحمك الله يا أبا أسماء وأسمعك خيرًا إني وإن أكن كذلك فإنك من قوم نجباء أهل حب ووفاء”. وواضح من قول الإمام عن عبد القيس أنهم أهل حبٍّ ووفاء أنه كان يرى فيهم تشيعًا صريحًا له ولأهل بيته لأنّه إذا كان الحبُّ قد يطرأ على الناس في أي وقت وفي كل حين، فإنّ خصلة الوفاء لا يوصف بها إلا مَنْ تعرَّض لامتحان عسير ومرير في جديته وثباته على معتقده مهما واجه من ظروف صعبة للغاية.

كما يُروى عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنّه كان يقول لشيعته: “يا معشر الشيعة علِّموا أولادكم شعر العبدي، فإنّه على دين الله”. وقول الإمام: إنّ شعر العبدي على دين الله إنما أراد به أنّه على الفطرة التي جُبلت عليها قبيلته، وذلك لما عُرف عن هذه القبيلة من تشيع فطري تأصّل فيهم وتشبعت به نفوسهم. ومن هنا فإنه لا يُستغرب ما ذكره المؤرخون أنه عندما لجأ عبيد الله بن زياد – لعنه الله – في هربه من جيش ابن الزبير إلى قيس بن مسعود الأزدي ليستجير به من أهل البصرة، وصادف أنه كان لقيس هذا امرأتان إحداهما من قومه الأزد والأخرى من عبد القيس، فكانت الأزدية تحضُّ زوجها على حماية عبيد الله بن زياد في حين أنّ العبدية كانت تقول: أخرجوا العبد.

وقد ساعدت عدَّةُ أمور على تهيئة أفراد هذه القبيلة لاعتناق مذهب التشيّع لآل البيت عليهم السلام منذ قديم الزمان. ومن أهمها كون الكثير من أفراد هذه القبيلة قد اعتنقوا المسيحية قبل مجيء الإسلام. فقد رأينا عند الحديث عن ديانات عبد القيس أنّ أشهر راهبين مسيحيين في جزيرة العرب كانا من هذه القبيلة، وهما بحيرى الراهب ورئاب بن البراء الشني. وقد رأينا أيضًا أنّ قسّ بن ساعدة الإيادي، وهو راهب مسيحي لا يقلُّ شأنًا عن هذين الراهبين كان يعيش في البحرين، ويجاور عبد القيس، والذين كانوا يستمعون إليه ويأخذون عنه كما ورد في أخبار وفادتيهم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسؤاله لهم عنه. وكان منْ جرّاء ذلك أن اعتنق المسيحية أيضًا زعيمُ عبد القيس الأكبر وسيدها الجارود بن عمرو الذي نصَّ أكثر من ترجم له على أنّه كان نصرانيًّا. وهو أمرٌ كفيلٌ بأنْ يعتنق الغالبية العظمى من هذه القبيلة المسيحية لأنّه اشتهر في أعراف القبائل العربية أنّ الغالبية العظمى من أفرادها تتبع زعمائها في دياناتهم ومعتقداتهم.

ولأنّه كان معروفًا لدى مسيحيي العرب يُعرف بمصطلح الوصيّ الذي هو الخليفة الروحي للنبي عيسى عليه السلام، والذي ذكر أكثر من مفسر وكاتب أنّ شمعون المعروف عند المؤرخين الإسلاميين بشمعون الصّفا كان وصيًّا لعيسى بموجب ذلك. كما روى أكثر من مؤر. أنّ الصحابي سلمان الفارسي كان من المعمرين، وأنه أدرك وصي عيسى بن مريم. وسوف نذكر لاحقًا الأثر البالغ لسلمان في نفوس بعض زعماء عبد القيس وتشيعهم لآل البيت. ويبدو أنه حتى قبل التقاء هؤلاء الزعماء بسلمان، فإنّ مسيحيي عبد القيس قد تشبعوا بهذه الفكرة، وصار بديهيًا أنهم بعد إسلامهم لم يجدوا أيَّ حرج في القبول بفكرة وجود وصيٍّ للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مُنصَّبٌ من قبل الله لخلافته بعد وفاته، بل ربما يكونون قد سألوا النبي في إحدى وفادتيهم عليه عن وصيّه الذي يخلفه بعد موته مثلما سأله أولئك القوم الذين أشار إليهم شاعر آل البيت المعروف بالسيد الحميري في قصيدته العينية الشهيرة، والذين سألوا النبي عن وصيّه الذي يفزعون إليه بعده، وهو ما يُستشف من قوله في هذه القصيدة:

عجبتُ من قومٍ أتَوْا أحمداً        بخُطّةٍ ليس لها مَدْفَعُ

قالوا له لو شِئتَ أخبرتَنا        إلى مَن الغايةُ والمَفْزَعُ

إذا تولّيتَ وفارَقْتَنا            وفيهمُ في الملكِ من يَطمعُ

وبالفعل فقد روى مؤرخو الشيعة وكتابهم خبرًا عن الجارود سيد عبد القيس عندما وفد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليُسْلم على يديه، وفيه أنَّ الجارود أخبر النبي أنّه سمع الراهب المشهور قسّ بن ساعدة يذكر اسم النبيّ محمد صلى الله عليه و«له وسلم وأسماء اثني عشر شخصًا معه كان يتوسَّل بهم. وطلب الجارود من الرسول صلى الله عليه و»له وسلم أن يعلمه بهم فأخبره أنهم الأئمة بعده من ذرية علي عليه السلام.

وقد ورد في هذا الخبر نفسه أنّ الجارود زعيم عبد القيس سأل الصحابة الحافين بالرسول صلى الله عليه و«له وسلم إن كانوا قد »منوا به على علم به قبل مبعثه كما «من هو به، فدلوه على سلمان الفارسي قائلين للجارود إنه »من به كذلك. وقد ورد في الخبر نفسه مديح للجارود في سلمان يدل على أنّ الجارود قد آنس بسلمان، ومالت نفسه إليه. وهو أمرٌ – كما سبق وقلت – له أهمية كبرى لأنّ سلمان سيكون بعد ذلك أحد الأركان الأربعة الذين سيتأسس على يدهم التشيع للإمام علي عليه السلام، وسيكون لسلمان نصيب الأسد من ذلك. فإذا كان الجارود قد آنس بسلمان منذ أول إسلامه وأول رؤية له، فإنّنا نستطيع القول أنّ ذلك اليوم الذي التقى فيه سلمان والجارود العبدي كان قد شهد أول علاقة صحبة بينهما كما لا شك أنّ سلمان قد أخبر الجارود خلال صحبته له بالفضائل التي سمعها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ابن عمه علي.

والواقع إنّ الإخبار عن اثني عشر إمامًا أو خليفة يأتون بعد الرسول أخبر به حتى الرسول نفسه صلى الله عليه وآله وسلم في حديث رواه غير واحد من المحدثين شيعةً وسنة، ومفاده أنَّ أمر الأمة لا ينقضي حتى يقوم فيها اثنا عشر إمامًا، أو خليفة. كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية ترجمةً عبريةً لنصٍّ نقله عن السّفر الأوّل من التوراة جاء فيه: “إن الله أوحى إلى إبراهيم عليه السلام، بعدما سلمه من نار النمروذ: أن قم فاسلك الأرض مشارقها ومغاربها لولدك. فلما قص ذلك على سارة طمعت أن يكون ذلك لولدها منه، وحرصت على إبعاد هاج1 وولدها، حتى ذهب بهما الخليل إلى برية الحجاز وجبال فاران. وظن إبراهيم عليه السلام أن هذه البشارة تكون لولده إسحاق حتى أوحى الله إليه ما مضمونه: أما ولدك فإنه يرزق ذرية عظيمة، وأما ولدك إسماعيل فإني باركته وعظمته، وكثرت ذريته، وجعلت من ذريته بماذ ماذة يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم وجعلت في ذريته اثني عشر إمامًا، وتكون له أمة عظيمة.”

وهذا الخبر الذي رواه ابن كثير هو عين ما رواه أحد علماء الشيعة، وهو الفضل بن الحسن الطبرسي حيث قال عند ذكره البشارات التي بشر بها الأنبياء عن ظهور الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: ومن ذلك: بشارة موسى بن عمران عليه السلام به في التوراة. فلقد حدثني من أثق به قال: مكتوب في خروج النبي من ولد إسماعيل، وصفته هذه الألفاظ: “لا شموعيل شمعشخوا هني بيراختما اوثو هربيث، أتو هربتي واتو ببماد مادة شينم آسور نسيئم وأنا تيتو الكوى كادل”. وتفسيره: إسماعيل قُبلت صلاته، وباركت فيه، وأنميته، وكثرت عدده بولد له اسمه محمد، يكون اثنين وتسعين في الحساب. سأخرج اثني عشر إمامًا ملكًا من نسله، وأعطيه قومًا كثير العدد.

كما إنّ التبشير بالرسول صلى الله عليه و«له وسلم ومبعثه في الجزيرة العربية قد جاء في التوراة والإنجيل بنصّ القر»ن. وقد تناقله الرهبان النصارى لاحقٌ عن سابق، ومنهم عالم عبد القيس الشهير بحيرا الراهب الذي هاج1 عن ديار قومه، وقصد بصرى الشام متنسكًا. وقد بقي إلى أنْ مرَّ به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو غلامٌ مع عمّه أبي طالب، فاكتشف بحيرا صفات النبيّ المرتقب في هذا الغلام الطاهر، وهي قصّةٌ مشهورة ذكرها كلُّ رواة السيرة المحمدية. كما إنّ من الرهبان النصارى الذين أخبروا بمبعث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قسُّ بن ساعدة الإيادي الذي أخبر سيّد عبد القيس الجارود بقرب مبعث النبيّ كما مرّ بنا. ويضيف كُتَّاب الشيعة أنّه أخبره أيضًا بأسماء اثني عشر شخصًا مباركين معه. كما مرّ بنا أنّ الصحابي الكبير سلمان الفارسي قد التقى هو أيضًا براهبٍ، وقيل بآخر أوصياء عيسى عليه السلام، والذي أخبره بقرب ظهور النبيّ في جزيرة العرب.