“بحريني” و”بحراني”، لفظان يقسمان مجتمع البحرين مذهبيًا، في حين أن المطلوب منهما هو وصف مواطني البحرين. والحال أن أحد اللفظين عربي قديم، والآخر أعجمي حديث. وقد كتب الكثيرون في هذا المعنى مصححين الوضع من ناحية لغوية، إلا أننا هنا نريد أن نتتبع اللفظين من ناحية تاريخية، ونسلط الضوء على استعمالات ودلالات لفظ “بحراني” واختلاف الدلالة والاستعمال عبر التاريخ.
إعلان لاسطوانات بحرانية للمطرب محمد بن فارس آل خليفة
أصل اللفظين، ومشكلة التعريب.
لفظ “بحريني” هو لفظ أعجمي غير عربي في أصله، وهو تعريب للنسبة الإنجليزية للبحرين Bahraini. وهنا نشير إلى أن استخدام الألفاظ المعربة مقبول في اللغة العربية كالتليفون والتلفزيون والراديو وغيرها، فاللغة العربية قادرة على استيعاب الجديد ما دمنا لا نملك مرادفًا عربيًا لهذه الأسماء الجديدة، إلا أنه من غير المقبول تعريب شيء موجود في اللغة أصلًا. فلفظة “بحراني” معناها المنتمي إلى البحرين، وعلى هذا تاري. اللفظ ومعناه في المعاجم العربية، ومثال ذلك:
أ. الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 173 هـ): رجل بحراني، منسوب إلى البحرين، وهو موضع بين البصرة وعمان.
ب. سيبويه (ت 180 هـ): تقول في بهراء بهراني، وفي صنعاء صنعاني، كما تقول بحراني في النسب إلى البحرين وهي مدينة.
ج. يحيى اليزيدي (ت 202 هـ): إنما قالوا بحراني في النسب إلى البحرين، ولم يقولوا بحري ليفرقوا بينه وبين النسب إلى البحر.
د. أبو العباس الجوهري (ت 393 هـ): البحرين بلد، والنسبة إليه بحراني.
المؤتمر الوطني البحراني، بقيادة الزياني والبوفلاسة، ولم يكن بينهم شيعي واحد.
المدلول المذهبي للفظ “بحراني”.
ارتبط لفظ “بحراني” بالشيعة، حتى أصبح البعض لا يفرق بين معنى “بحراني” و”شيعي”، وذلك أن سكان البحرين الأصليين هم من الشيعة. وهذا اللفظ لا يشمل شيعة أوال فقط، بل يشمل شيعة البحرين الكبرى الممتدة غرب الجزيرة العربية من جنوب البصرة إلى صحار في عمان. وأصالة الشيعة في هذه البلاد أمر ثابت لا ينكره إلا جاهل لا يستحق الرد عليه. وهنا يصدق الاستشهاد بقول المتنبي:
وَلَيسَ يَصِحُّ في الأَفهامِ شَيءٌ إِلّا إِذا اِحتاجَ النَهارُ إِلى دَليلِ
من منشورات هيئة الاتحاد الوطني التي كانت تخاطب عموم الشعب
لفظ “بحراني”: المعنى الإثني في خضم التغير السكاني.
منذ قديم الزمان عاش العرب من قبائل عبد قيس وبكر وتغلب أبناء ربيعة في البحرين، وامتزجوا بحضارة دلمون، فتولد من ذلك التمازج شكل إثني تميز به البحارنة عن بقية العرب في لهجاتهم وسماتهم الجسدية وتحضرهم وعاداتهم. إلا أن هناك تغييرًا طرأ على التكوين الديموغرافي قبيل الغزو البرتغالي بسيطرة بني الجبور على البحرين، ثم بتزايد تواجد الهولة في البحرين، وتزايد القبائل النجدية بعد سيطرة آل خليفة على جزيرة أوال. فأصبح هناك “البحراني” وهو من السكان العرب الأصليين، و”الهولي” الوافد من ساحل فارس، و”العجمي” وهو الوافد من إيران الداخل (وبين الهولة والعجم فرق في اللغة)، و”العربي” وهو المنتمي للقبائل البدوية التي قدم أغلبها مع آل خليفة (عربي هنا تعني ابن قبيلة). وقد استخدمت بمعنى سني كون أبناء القبائل غالبيتهم سنة، وانتقل معناها من الرجل الذي أصله عربي، إلى العربي ابن القبيلة، ثم إلى العربي ابن القبيلة السنية. وبالتالي أصبح لفظ “بحراني” يدل على مجموعة إثنية معينة، لها صفاتها المميزة. وبعد هذا التغير الديمغرافي، واجهت الإثنيات الجديدة مشكلة في استخدام لفظ “بحراني” بسبب ارتباطه بالسكان الأصليين، فلجأ البعض لاختراع مسمى “أهل البحرين” والذي يعني في اللغة العربية ما يعنيه لفظ “البحارنة” أو “البحرانيون”. ولكن المشكلة بالنسبة لهؤلاء كانت في اللفظ وليس في المعنى.
تقسيم لوريمر لشيعة المنامة، نلاحظ أن البحارنة إثنية تنتمي لمناطق البحرين الكبرى.
وأن كلمة عرب تستخدم بمعنى قبائل لا بمعنى سُنّة.
وفي هذا المقام يحسن الاستشهاد بقول لوريمر: [ ويجب الحذر من الاعتقاد بأن البحارنة معناها بأهالي البحرين، على العكس فإن ساكن البحرين السني يتبرأ من اسم “بحراني” ويصف الطبقة التي ينتمي إليها هو نفسه “بأهل البحرين” كما يستخدم على طول الساحل الغربي للخليج العربي اصطلاح “بحراني” عمليًا كمرادف للمسلم الشيعي الذي تكون لغته الأصلية هي العربية]
توصيف المواطن: عودة لفظ “بحراني” لمدلوله الأصلي.
مع بدايات نشأة الدولة الحديثة في البحرين، القائمة على مفهوم المواطنة وتنظيم العلاقات بين الحكم والشعب برزت مشكلة توصيف المواطن. فكونك تنتمي للبحرين يعني أنك بحراني. وهنا شاع استخدام اللفظ من قبل الوطنيين خصوصًا مع بدايات نشوء الصحافة والتعليم، فأصبح الأمر طبيعيًا وخرج لفظ “بحراني” من مدلولاته القومية والمذهبية وتوجه إلى مدلوله الصحيح، فأصبح يتداول بين الناس بمدلوله الأصلي، دون اعتبارات للدين أو القومية. وهنا نذكر أمثلة على ذلك.
بحراني من آل خليفة. استخدام اللفظ بمدلوله الأصلي من كتاب منتظم الدرين للشي. التاجر.
1. المؤتمر الوطني البحراني، وهي حركة إصلاحية نشأت في مطلع الأربعينيات بين مجموعة من العرب والهولة، بقيادة الشيخ عبدالوهاب الزياني وأحمد بن لاحج (البوفلاسة). ولم يكن فيهم شيعي واحد، إلا أنهم لم يجدوا نسبة لحركتهم غير النسبة العربية الصحيحة.
2. استخدم الكتاب والمثقفون الوطنيون الأوائل لفظ “بحراني” بدلالته الأصلية كالمناضل المرحوم عبدالرحمن الباكر، والشيخ محمد علي التاج1 في كتابه منتظم الدرين.
3. استخدم لفظ “بحراني” في مدونات وخطابات الحركات الوطنية، فهيئة الاتحاد الوطني كانت تبدأ بياناتها بجملة “يا أيها الشعب البحراني الكريم” وجبهة التحرير البحرانية تستخدم ذات اللفظ العربي الصحيح.
4. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالإعلانات التجارية والمنشورات الرسمية كانت تستخدم نفس اللفظ أيضًا. وهنا نشير إلى أن طلبة البحرين حتى اليوم يدرسون قصيدة بعنوان الخليج العربي للشاعر الكويتي أحمد السقاف، والتي يقول فيها:
أي فرق ٍ تراه بين كريم ٍ أو من عمان ٍ وماجد ٍ بحراني
منشور حكومي يدعو المدرسين للالتزام بالملابس الوطنية البحرانية
المؤسسة الرسمية ترس. الدلالة المذهبية للفظ “بحراني”.
بعد أن عاد لفظ “بحراني” لمدلوله الأصلي، وشاع استخدامه وفقًا لمعناه اللغوي الصحيح، اعتمدت المؤسسات الرسمية بعد الاستقلال 1971 وصف “بحريني” للدلالة على المواطن المنتمي للبحرين. وبهذا أصبح هذا الوصف متداولًا في الصحف والدوائر الرسمية والتلفزيون، وهو لفظ غير عربي كما أسلفنا. إلا أن تداول هذا الوصف “بحريني” أدى إلى ترسي. الدلالة المذهبية للفظ “بحراني”، فأصبح “البحريني” يعني السني و”البحراني” يعني الشيعي، وهذه معضلة لا تزال تقسم المجتمع. والغريب أنك إذا استخدمت لفظ بحراني بمعناه الأصلي فإنك ستتهم بالطائفية، في حين أن هذا المدلول تلاشى كما سبق وأن بيّنا.
استخدام طبيعي للفظ “بحراني” من قبل شخص سني مالكي كان يعيش في جزيرة سماهيج قبل قرابة ص00 سنة.
وهذه بواكير الوجود السني مع سيطرة الجبور ومن ثم البرتغاليين على البحرين.
دعوة للعودة إلى لفظ “بحراني”.
بعد هذا الاستعراض التاريخي، أرى أن من الجيد استخدام لفظ “بحراني” بمدلوله اللغوي الأصلي، بصورة طبيعية كما استخدمه المثقفون والقادة الوطنيون سابقًا، وكما استخدمه كل من سكن البحرين في السابق دون حساسية، سواء كان من البحارنة القدامى أبناء ربيعة، أو ممن خالطهم من السادة أو من غيرهم، وكذلك من عاش من السنة في الزمن القديم كعبدالله بن محمود الأنصاري المالكي البحراني الذي نس. كتاب الروض الزاهر وكان يعيش في جزيرة سماهيج أيام السيطرة البرتغالية قبل قرابة ص00 سنة.
بقلم الأستاذ: علي إبراهيم السلاطنة






