تاريخي

صراع قرامطة البحرين مع الخلافة الفاطمية في مصر

e_58هناك إجماع بين الباحثين على ارتباط أصول القرامطة بالدعوة الإسماعيلية. لكن غالباً ما عانى بيت الدعوة الإسماعيلي من انشقاقات حادة قادت إلى مصادمات عسكرية بين الفرقاء. وخير شاهد على هذا العلاقات المبكرة بين قرامطة بلاد الشام، وبيت الإمامة الإسماعيلية الذي كان متمركزاً بالسلمية. فقد هاجم الزعيم القرمطي صاحب الخال السلمية وقتل سكانها. وكان بين أهدافه قتل زعماء البيت الإسماعيلي لأنه أعلن نفسه إماماً مهدياً.
هذا وترتبط بدايات الدعوة الإسماعيلية في البحرين بالحركة

 

القرمطية التي قامت في سواد العراق بزعامة حمدان بن الأشعث القرمطي والداعية عبدان. أي بما يعتقد أنه بدايات ظهور حركة القرامطة تاريخياً. ففي تلك المرحلة تم ـ كما هو معتقد ـ إرسال داعية إلى منطقة هج1 يدعو بين قبائلها التي تحدر معظمها من جمهرة عامر بن صعصعة.
ويبدو أن اسم هذا الداعية كان: أبو زكريا يحيى بن علي الطمامي. ولعل ذلك كان سنة 281هـ/894م. ثم ألحق هذا الداعية بداعية آخر من بلدة جنابة اسمه الحسن بن بهرام الجنابي. وشهر باسم أبي سعيد.
ونجح أبو سعيد في عمله الدعوي. وتخلص من الطمامي. وأسس للقرامطة دولة نموذجية. ونشط قرامطة البحرين عسكرياً داخل شبه الجزيرة والعراق والجزيرة الفراتية وأطراف بلاد الشام.
ولا نمتلك معلومات عن اتصالات بين قرامطة الأحساء وبيت الدعوة الإسماعيلية في الشام، ثم إفريقية بعد تأسيس الخلافة الفاطمية. لكن من المهم أن حركة القرامطة في الأحساء تحولت إلى دولة تفاوضت مع العباسيين والإخشيديين وحصلت منهم على إتاوات مالية. ثم إنها شكلت خطرًا حقيقياً لدى استيلاء الفاطميين على مصر.
وكان الفاطميون حين استولوا على مصر يستهدفون الوصول إلى بغداد والقضاء على الخلافة العباسية. وكان للفاطميين أنصارهم في خراسان والمشرق، ممن يمكن حشدهم للتوجه نحو العراق. وكان على قرامطة البحرين مهاجمة العراق من الجنوب. ولذلك يلاحظ أنه ما أن تمكن جوهر الصقلي من الاستيلاء على مصر حتى قام سنة 359هـ/969م بإرسال جيش كبير على رأسه القائد الكتامي جعفر بن فلاح نحو بلاد الشام ليعمل على ضمها إلى الحكم الفاطمي. ولقد لقي هذا الجيش أثناء زحفه في فلسطين مقاومة من بقايا الجيوش الإخشيدية. لكنه تغلب عليها.
وكان يخيل لجعفر بن فلاح بعد الاستيلاء على فلسطين وقدوم وفد من أهل دمشق إلى طبرية لاستقباله أنه صار سيد الشام، وأنه سيتمكن قريباً من الزحف نحو العراق تعاونه قبائل بادية الشام والجزيرة الفراتية التي كانت تدين بالتشيع. وكان جعفر أحمقاً هذاراً، كثير الكلام، أكثر كلامه بغير طائل. وكان وجنده لا يعرفون طبائع أهل الشام. لذلك عوضاً عن إحسان جعفر وأصحابه لاستقبال الوفد الدمشقي قصد الجند الفاطمي أهل دمشق فأخذوهم وجردوهم من ثيابهم وسبوهم وتوعدوهم وقالوا لهم: أو ذا نحن سائرون إليكم. فصاروا في أسوأ حال قد أخذت أثقالهم وثيابهم. فلقوا جعفر بن فلاح وعادوا إلى دمشق فأخبروا الناس بما جرى عليهم من الوعيد، وأنهم لقوا قوماً جفاة، قباح المنظر والزي والكلام، ناقصين العقول. فاستوحشت قلوب أهل دمشق من المغاربة. وخلت مدينة دمشق من السلطان، فطمع الطامع وكثر الذعار وحمال السلاح.
وزحف الجيش الفاطمي نحو دمشق، وعسكر خارج المدينة. فخرج الناس إليه مستعدين في خيل ورجل فاقتتلوا. واستمر القتال مدة طويلة. ونظم الدمشقيون أمور الدفاع عن مدينتهم بأن أغلقوا أبوابها وأوقفوا الرماة على شرفات الأسوار، وأقاموا الحواج2 داخل المدينة، وكسروا قني الماء، وحفروا الخنادق ولقد اشترك الرجال والنساء والصبية في الإعداد للدفاع عن دمشق. ومع هذا تمكنت القوات الفاطمية من دخول دمشق.
وكان القائم بشؤون الدفاع عن دمشق زعيم أحداث المدينة واسمه أبو إسحاق محمد بن عصودا. وبعدما دخل ابن فلاح دمشق هرب أبو إسحاق إلى الأحساء حيث طلب معونة القرامطة ضد الفاطميين. وإنه لمثير للانتباه توجه زعيم أحداث دمشق إلى الأحساء وليس إلى بغداد أو حلب أو الموصل للاستعانة بالسلطات العباسية والحمدانية. فهل جمعت بين أحداث دمشق وقرامطة البحرين مواقف عقائدية، أم الجامع كان العداء للفاطميين، أم أن السبب هو أن والي دمشق بوشاح السلمية قبل دخول ابن فلاح إليها كان معيناً من قبل القرامطة؟
وبعدما دخل الجيش الفاطمي إلى دمشق، عسكروا في البناء فوق نهر يزيد عند الدكة وعملوا مساكن وأسواقاً حتى صارت تشبه المدينة، وبنوا قصراً عظيماً شاهقاً في الهواء، غريب البنيان. وقام ابن فلاح بإعدام زعماء الأحداث وكان منهم إسحاق بن محمد بن عصودا.
وأما محمد بن عصودا، فإنه لما انهزم سار إلى الأحساء هو وظالم بن مرهوب العقيلي. وحثّ القرامطة على المسير إلى الشام، فوافق ذلك منهم الغرض. لأن الإخشيدية كانت تحمل في كل سنة إلى القرامطة مالاً. فلما أخذ جوهر مصر انقطع المال عن القرامطة. فأخذوا في الجهاز للمسير إلى الشام.
كان على رأس القرامطة في الأحساء الأعصم ـ الحسن بن أحمد الجنابي. فانزعج لما حدث بالشام، وبعث سفارة من قبله إلى بغداد تفاوضت مع سلطاتها البويهية. ووعد البويهيون بتقديم ألف دينار، وألف جوشن، وألف سيف، وألف رمح، وألف قوس، وألف جعبة للقرامطة عندما يصلون إلى الكوفة.
وعندما وصل القرامطة إلى الكوفة، كتبت سلطات بغداد إلى أبي تغلب عبد الله بن ناصر الدولة الحمداني بمبلغ أربعمائة ألف دينار إلى القرامطة من مال الرحبة، وأن يمدّ القرامطة بما يحتاجونه من عون.
وجاء القرامطة مع الحسن الأعصم إلى الرحبة، فبعث إليه أبو تغلب الحمداني بالمال والمساعدات وأرسل إليه يقول: “هذا شيء أردت أن أسير أنا فيه بنفسي، لكني مقيم في هذا الموضع إلى أن يرد إليَّ خبرك، فإن احتجت إلى مسيري سرت إليك”. ونادى في عسكره: “من أراد السير من الجند الإخشيدية وغيرهم إلى الشام مع الحسن بن أحمد لا اعتراض لنا عليه، وقد أذنا له في المسير، والعسكران واحد”. فخرج إلى القرامطة كثير من الإخشيدية الذين كانوا بمصر وفلسطين ممن فرّ من جوهر ومن جعفر بن فلاح.
وكان جعفر بن فلاح بعد استيلائه على دمشق بعث بجيش نحو أنطاكية بقيادة غلامه فتوح. وعندما وصلته الأخبار عن حشود القرامطة بالرحبة كتب جعفر إلى غلامه فتوح، وهو على أنطاكية، يأمره بالرحيل. فوافاه الكتاب، فشرع في شد أحماله، ونظم الناس إليه فجفلوا ورموا خيمهم وأراقوا طعامهم، وأخذوا في السير مجدين إلى دمشق. فلما وافوا جعفر أراد أن يقاتل بهم القرامطة فلم يقفوا، وطلب كل قوم موضعهم، ولم يبالوا بالموكلين على الطرق.
ثم إن الحسن بن أحمد القرمطي، سار عن الرحبة إلى أن قرب من دمشق. فجمع جعفر خواصه، واستشارهم فاتفقوا على أن يكون لقاء القرامطة في طرف البرية قبل أن يتمكنوا من العمارة. فخرج إليهم ولقيهم فقاتلهم قتالاً كبيراً، فانهزم عنه عدة من أصحابه، فولى في عدة ممن معه. وركب القرامطة أقفيتهم، وقد تكاثرت العربان من كل ناحية، وصعد الغبار، فلم يعرف كبير من صغير. ووجد جعفر قتيلاً لا يعرف له قاتل. وخرج محمد بن عصودا إلى جثة جعفر بن فلاح وهي مطروحة في الطريق، فأخذ رأسه وصلبه على حائط داره. وملك القرامطة دمشق، وورد الخبر بذلك على جوهر القائد، فاستعد لحرب القرامطة.
لقد شكل مقتل ابن فلاح انتكاسة هائلة بالنسبة لمشاريع الخلافة الفاطمية بالتوسع والانفراد بزعامة العالم الإسلامي. ولم يقف التدهور بل تتابع بوتيرة خطيرة كادت تؤدي إلى القضاء على الكيان الفاطمي المقام بمصر. فقد عين القرامطة والياً على دمشق وتابعوا زحفهم نحو القاهرة خلف الفلول الفاطمية.
وكان القائد جوهر الصقلي عندما بلغه قدوم القرامطة إلى الرحبة، ونيتهم بقصد دمشق، أنفذ من مصر رجلاً من المغاربة يقال له سعادة بن حيان، ذكر أنه في أحد الجيوش التي بلغت مائة ألف. فلما بلغه أن ابن حيان وابن فلاح قد قتلا، وجاءه بعد ذلك قوم من المنهزمين فأخبروه بخبر الواقعة، تحير وتقطعت به الأسباب، فلم تكن له جهة غير الدخول إلى يافا، ولم يكن له بها عدة ولا دار. فلما دخل إليها جاءه الحسن بن أحمد فنزل عليها، واجتمعت إليه قبائل الشام، فنازلها وناصبها بالقتال حتى اشتد الحصار وقل ما بها جداً.
وترك القرمطي يافا تحت الحصار، وتوجه نحو مصر، ونزل على القاهرة سنة 361هـ/972م وحاصرها. فقاتل المغاربة على الخندق الذي لمدينتهم، وقتل كثيراً منهم خارج الخندق، وحاصرهم شهوراً، ثم رحل عنها إلى الأحساء، ولم يعلم الناس ما كان السبب في ذلك.
ووقع خلاف بين ظالم بن مرهوب العقيلي وأبو المنجا نائب الأعصم، مما أدى إلى رفع الحصار عن يافا، الفرصة التي اغتنمها جوهر، فأرسل من قدم المساعدة إلى المحاصرين داخل يافا.
ورجع الحسن بن أحمد فنزل الرملة. وهناك اعتقل ظالم بن مرهوب. ثم إنه طرح مراكب في البحر، وجعل فيها رجلاً وقاتله، وجمع كل من قدر عليه من العرب وغيرهم، وتأهب للمسير إلى مصر.
وكان جوهر يكتب إلى المعز لدين الله إلى القيروان بما جرى على عسكره، من القتل والحصار، وأن الحسن بن أحمد يقاتلهم على خندق عسكرهم، وقد أشرف على أخذ مصر. فقلق من ذلك قلقاً شديداً، وجمع من يقدر عليه، وسار إلى مصر، وهو يظن أنها تؤخذ قبل أن يصل إليها. فدخلها في يوم الثلاثاء لخمس خلون من شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة. وكان شديد الخوف من الحسن بن أحمد. فلما نزل مصر، عزم على أن يكتب إلى الحسن بن أحمد كتاباً يعرفه فيه أن المذهب واحد، وأنهم منهم استمدوا، وأنهم ساداتهم في هذا الأمر، وبهم وصلوا إلى هذه المرتبة، وترهب عليه. وكان غرض المعز لدين الله العبيدي في ذلك أن يعلم من جواب القرمطي ما في نفسه، وهل خافه لما وافى مصر أم لا.
لقد ألغى قدوم المعز لدين الله الفاطمي إلى القاهرة المرحلة الإفريقية من تاري. الخلافة الفاطمية، وخط بالنسبة لشخصية مصر الإسلامية مرحلة هامة جداً. ولا بد من أن نلاحظ أن حملة جوهر الصقلي للاستيلاء على مصر، ثم موكب المعز من إفريقية إلى القاهرة كانا بمثابة هجرة للقبائل البربرية نحو مصر ثم بلاد الشام. وكان هجرة أولى من نوعها. فضلاً عن ذلك حمل المعز معه كميات عظيمة من الذهب والذخائر، وجل أهل الحرف والصناعات والفنون، مما كان له أبعد الآثار على بلدان المغرب العربي. فضلاً عن أن رحيله نحو مصر عطل وحدة بلدان المغرب، وفتح الطريق نحو حركات جديدة في المغرب الكبير.
وأورد النويري قطعة من رسالة المعز إلى القرمطي، وقام المقريزي بإيرادها كاملة. وعندي أن هذه الرسالة من أجمل ما حوته المكتبة الإسماعيلية. ونحن إذا كنا لا نعرف الذي كتبها، لكن لا بد أن يعقوب بن كلس كان وراء أفكارها وحجمها.
ويعقوب بن كلس يهودي أصله من العراق، هاج1 العراق وجاء إلى الرملة حيث عمل بالتجارة والمال ثم قصد مصر واتصل بكافور الإخشيدي، ونجح لديه ثم أعلن عن إسلامه فاستوزره كافور. وبعد وفاة كافور، توجه إلى إفريقية والتحق بالمعز لدين الله، وزوّده بأوفى المعلومات عن أحوال الدولة الإخشيدية، مما سهل الاستيلاء على مصر. وجاء إلى مصر مع المعز، حيث أرسى الأساس للإدارة الفاطمية في مصر، وكتب كتاباً معتمداً في الدعوة الإسماعيلية ظل معتمداً لدى الإسماعيلية لوقت طويل.
وبعد المعز استوزره ابنه العزيز. وعندما مرض مرض الموت عاده العزيز، وقال له: “وددت لو أنك تبتاع فأبتاعك بملكي، أو تفدى فأفديك بولدي، فهل من حاجة توصي بها يا يعقوب؟” فشكره يعقوب ورسم له منهجاً سياسياً لدولته خارجياً. والمثير أن وثائق الجنيزا لكنيس الفسطاط القديم تظهر أن ابن كلس ظل محافظاً على يهوديته، وتظاهر بالإسلام تظاهراً. وبدأ المعز لدين الله رسالته بقوله: “رسوم النطقاء، مذهب الأئمة والأنبياء، ومسالك الرسل والأوصياء السالف وال«نف منا، صلوات الله علينا وعلى »بائنا، أولى الأيدي والأبصار في متقدم الدهور والأكوار، وسالف الأزمان والأعصار، عند قيامهم بأحكام الله، وانتصابهم لأمر الله.
الابتداء بالأعداء، والانتهاء بالإنذار، قبل إنفاذ الأقدار في أهل الشقاق والآصار، لتكون الحجة على من خالف وعصى والعوبة على من باين وغوى. وكتابنا هذا من فسطاط مصر، وقد جئناها على قدر مقدور، ووقت مذكور، فلا نرفع قدماً ولا نضع قدماً إلا بعلم موضوع.
فأما أنت أيها الغادر الخائن، الناكث المباين عن هدي آبائه وأجداده، والمنسلخ عن دين أسلافه وأنداده. لكن غلب الران على قلبك، والصدأ على لبك، فأزلك عن الهدى، وأزاغك عن البصيرة والضيا، وأمالك عن مناهج الأولياء. ثم لم تقنع في انتكاسك، وترديتك في ارتكاسك، وانعكاسك من خلافك، ومشيك القهقري، لتقيم دعوة قد درست، ودولة قد طمست. أم تريد أن ترد القرون السالفة والأشخاص الغابرة؟ أما علمت أن المطيع آخر ولد العباس؟ فقد ضل عملك، وخاب سعيك، وطلع نحسك. واعلم أنا لسنا بممهليك ولا مهمليك. فليتدبر من كان ذا تدبير. والسلام على من اتبع الهدى.
فأجابه الحسن الأعصم بما نصه: من الحسن بن أحمد القرمطي الأعصم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
وصل إلينا كتابك الذي كثر تفصيله، وقل تحصيله. ونحن سائرون على أثره والسلام.
وسار القرامطة نحو مصر، فنزلوا ببليس. ومن هنا بعث الأعصم بجزء من قواته نحو الصعيد. وانبثت سراياه في أرض مصر فتأهب المعز، وجهز عساكره في ثالث رجب سنة ثلاث وستين وثلاثمائة وأمر بتفرقة السلاح على الرجال ووسع عليهم في الأرزاق، وسير معهم الأشراف والعرب، وسير معهم المعز ابنه الأمير عبد الله، فسار بمظلته وبين يديه الرجال والسلاح والكراع والبنود وصناديق الأموال والخلع، وسير معه أولاده وجميع أهله، وجمعاً من جند المصريين.
وطالت المناوشات بين القرامطة وجيوش المعز، واستمال المعز إلى جانبه دغفل بن الجراح أمير قبائل طيء. وكانت أقوى القبائل العربية في فلسطين. ويروى أنه اشترى تخليه عن تحالفه مع القرامطة بمبلغ مائة ألف دينار. وكان لتخلي الطائيين عن القرامطة آثاره الجدية، حيث استعادت القوات الفاطمية زمام المبادرة، حتى كادوا يأسرون الحسن الأعصم. فإنهم أحاطوا به وصار في وسطهم فاغتنم فرجة مضى منها على مرأى وجهه، ونهب سواده وأخذت قبته وأسر رجاله.
لقد اعتمد القرامطة في حروبهم على شتى الوسائل لإثارة عزائم الجند في ساعة الحسم أثناء القتال. فزعيم القرامطة الأول في الشام عرف باسم صاحب الناقة لأنه كان يقول بأن ناقته مأمورة ـ مثلما كانت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الهجرة إلى المدينة ـ وكان لا يبعث ناقته إلا في لحظة مقدرة لحسم القتال. ودعي الذي خلف صاحب الناقة في الشام باسم صاحب الخال فقد وضع خالاً كبيراً على وجهه، قال إنه دليل إمامته مثلما كان خاتم النبوة بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا لم يبدعه القرامطة، بل كان في صلب الفكر الإسماعيلي. فقد أوجد الفاطميون نظام المظلة التي كانت ترفع فوق رؤوس الأئمة. واستعيرت فكرة المظلة مما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في أسفاره يظلله السحاب.
ويساعد هذا كله على فهم مسألة القبة التي روى عنها المقريزي أنه “كان في مخاريق القرامطة القبة، وهي أن أبا طاهر بن أبي سعيد الجنابي، كانت دعوته في الحرب أن يفرد طائفة من عسكره – فرساناً ورجّالة – عن القتال يقفون معه لا يقاتل ولا يقاتلون. فإذا كان المقاتلون قد كلوا من القتال، حمل هو بنفسه في الطائفة المستريحة التي لم تشارك في القتال، فقاتل وقد كلوا منهزمين عنه”. وبعد موته “رجعوا إلى المخرقة، وأقاموا قبة كالعمارية على جمل، وقالوا: إن النصر ينزل مع هذه القبة في وقت معلوم. وأخذوا من حب الكحل، ومن اللؤلؤ الكبار، وجعلوه في وعاء مع فحمة ومدخنة بداخل القبة. وإذا أرادوا الحمل على عسكر من يحاربوه صعد الرجل منهم إلى القبة، وقدم النار إلى المجمرة، وأخذ حب الكحل، وأرى القواد والناس بياضه من بعيد وهم لا يعرفونه، ثم يطرحه على النار فيفرقع فرقعة شديدة، ويتقد من غير دخان، فيظن ذلك شيئاً ويحملون على أعدائهم ومعهم القبة. ولا يوقد ذلك إلا عندما يقول صاحب العسكر: قد نزل النصر. وذلك أنه يقف مع القبة قطعة من الجيش مستريحة لا تقاتل، وهو مستخف معهم، وأكثر القوم يقاتلون ودم القبة من وراء المقاتلة فمن انهزم من مقاتلتهم حل دمه وقتل. فإذا أحسّ بأنهم قد كلوا أمر بعمل ما قلنا في القبة، وحمل بها في الطائفة المستريحة، فهزم من عساه يكون. وما زالت محرقتهم هذه يموهون بها إلى أن أخذها عبد الله بن المعز خارج القاهرة، فقلت عند ذلك مهابة القرامطة، بما ذهب من قيمتهم.
ويذكر هذا الباحثين في التاريخ بحكاية حمل صليب الصلبوت من جيوش الصليبيين ووقوع هذا الصليب بأيدي المسلمين في معركة حطين، مما سيكون له أخطر الآثار على مصير المعركة.
ولما رأى الحسن الأعصم ما حدث لقبته، تحير. فكان جهده أن قاتل بمن معه حتى تخلص، وكانوا قد أحاطوا به من كل جانب فخشي على نفسه وانهزم. وسار إلى الشام حتى نزل في منطقة درعا. وهناك عرف بزحف جيش فاطمي كبير تعداده عشرة آلاف بقيادة إبراهيم بن جعفر بن فلاح يريد دمشق، وأن المعز لدين الله قد راسل ظالم بن مرهوب العقيلي، ووعده بتوليته مدينة دمشق.
في هذا الوقت بالذات شهدت بغداد صراعات على السلطة أدت ـ فيما أدته ـ إلى خلع الخليفة العباسي المطيع لله 334-363هـ/946-974م واستخلاف ولده الطائع. الأمر الذي سيؤثر على مجريات الأحداث في بلاد الشام، أو بالأحرى على أوضاع دمشق، ومن ثم العلاقات بين القرامطة والفاطميين.
وقبل متابعة البحث في هذه المسألة ينبغي أن نذكر أن رجل الدولة البويهية القوي في العراق، عضد الدولة فناخسرو، أراد استغلال ما لحق بحملة الحسن الأعصم على مصر مع غيابه عن الأحساء، فبعث عسكراً إلى الأحساء، وبها يومئذ أبو يعقوب بن أبي سعيد الجنابي، عم الحسن بن أحمد الأعصم. ففر أبو يعقوب، وأخذ العسكر ما كان في الأحساء. فقدم الأعصم منهزماً من الشام فيمن بقي معه، فانضم إليه عمه، وسار وأوقع بالعسكر، واستباحه قتلاً ونهباً، فقويت نفسه، وكاتب العرب فأتوه.
وفي عودة إلى دمشق نجد أن إبراهيم بن جعفر بن فلاح وصل مع قواته إلى دمشق وشرع بحصارها. والتحق به آنذاك ظالم بن مرهوب العقيلي. وحاول ظالم وإبراهيم الاستيلاء على دمشق بالحديد والنار، فأوقعا الحرائق بعدة أمكنة من المدينة، وكاد الدمار يلحق بها لكن ذلك لم يفت من عضد الدمشقيين بزعامة أحداثها. وأخيراً اضطر الجيش الفاطمي وظالم بن مرهوب إلى القبول بتسوية مع الدمشقيين، قضت بانسحاب كل من إبراهيم بن جعفر بن فلاح وظالم بن مرهوب، وأن يسمح أهالي دمشق لجيش ابن الصمصامة، وهو ابن أخت جعفر، بالدخول إلى مدينتهم والياً عليها. وكان ذلك سنة 364هـ/975م. ولم ينفذ الاتفاق ومنع الدمشقيون ابن الصمصامة من دخول مدينتهم فلحق بخاله، وسمّت القاهرة صقلبياً خصياً اسمه بريانة لولاية دمشق.
وكان مما نجم عن خلع المطيع في بغداد قيام بعض العسكريين الترك بهج1 بغداد. والتحق واحد منهم واسمه ألبتكين، وهو هفتكين الحاجب، بمنطقة دمشق. وعسكر خارجها ومعه مجموعة من غلمانه. فخرج إليه بعض شيو. المدينة وأشرافها، فرحبوا به، وسألوه الإقامة عندهم، والنظر في أحوالهم. وقبل ألبتكين الولاية، وكان عسكرياً محترفاً، له خبرات إدارية وسياسية. وقام بعد ما تمكن من دخول دمشق بترتيب الأمور فيها بالتعاون مع الأحداث. وكان مقدم أحداث دمشق رجلاً عاملياً بالأصل اسمه قسام التراث. وكان أصل قسام من قرية تلفيتا، إحدى قرى دمشق، من قوم من العرب كان يقال لهم الحارثيون. وقد نشأ في دمشق، وكان يعمل في التراب، ثم انضم إلى الأحداث، فارتفع شأنه بينهم.
وكانت الإمبراطورية البيزنطية تراقب بقلق ما يجري في بلاد الشام، وترغب في الحيلولة بين الفاطميين وبين الاستيلاء على هذه البلاد، لاسيما الأجزاء الشمالية منها. وفي القاهرة توفي الخليفة المعز دون التمكن من حل مشكلة دمشق ودون الوصول إلى تسوية مع قرامطة الأحساء، الذين استعادوا نشاطهم، فهاجموا منطقة الكوفة بالعراق، مما أرغم سلطات بغداد على العودة إلى مهادنتهم، وإعادة تشجيعهم على التوجه إلى بلاد الشام لاستئناف الحرب ضد الفاطميين.
لقد خلف العزيز الفاطمي المعز لدين الله. وافتتح هذا الخليفة عهده بإعداد جيش كبير وجهه نحو دمشق وجعل على رأسه جوهر الصقلي شخصياً، وأمره أن يسترد دمشق بأي ثمن، وأن يبعد خطر القرامطة عن بلاد الشام مهما كلفه الأمر.
وسار جوهر من القاهرة في عسكر لم يخرج إلى الشام قبله مثله، بلغت عدتهم مائتي ألف. فلما بلغهفتكين الشرابي، وهو على عكا، مسير جوهر، والقرامطة على الرملة، ولت القرامطة منهزمين عجزاً عن مقاومته. وسار هفتكين إلى دمشق وجوهر في أثره إلى أن نزل بين داريا وبين الشماسية ظاهر دمشق يوم الأحد لثمان بقين من ذي القعدة سنة خمس وستين. وحفر على عسكره خندقاً عظيماً وجعل له أبواباً وبنى البيوت من داخل الخندق. وكان قد انضم إليه ظالم بن مرهوب العقيلي، فأنزله خارج الخندق وجمع هفتكين الذعار وحمال السلاح من عوام دمشق، وقدم قسام السناط التراب، وأجرى له الأرزاق، وأخرجه إلى قتال جوهر.
واستمرت الحرب بين جوهر والمدافعين عن دمشق عدة أشهر مريرة. وصلت خلالها الأخبار إلى المنطقة بزحف الحسن الأعصم على رأس قوة قرمطية كبيرة. وبلغ ذلك جوهر فدعا إلى الصلح، وكان الشتاء قد هجم عليه، وهلك ما معه من الكراع، وصار معظم أصحابه رجالاً بغير خيل، وقلت العلوفات عنده واشتد وقوع الثلوج فامتنع هفتكين من إجابته ثم أذعن وأنفذ إلى جوهر بجمال.
ورحل عن دمشق بعدما أحرق ما عج2 عن حمله من الخزائن والأسلحة وسار يوم الخميس ثالث جمادى الأولى 366هـ مجداً لخوفه أن يدركه القرمطي. فهلك كثير من عسكره لشدة الثلج. وخرج هفتكين من دمشق، ولحق بالقرامطة، واجتمعوا على قتال جوهر. فجرت بينهم حروب طويلة شديدة، آلت إلى التجاء جوهر إلى عسقلان. وقد فني معظم عسكره، ونهبت أنفاله. فنزل هفتكين عليه، وحصره حتى بلغه الجهد الشديد، وغلت عنده الأسعار بعسقلان، فبلغ قفيز القمح أربعين ديناراً. وتنكر عليه من معه من الكتّاميين، واحتقروه وتنقصوه وشتموه. وكانوا قبل ذلك تخاذلوا ولم يصدقوا في القتال. فضاقت بجوهر ومن معه الأرض، ولاذ إلى الصلح. فبعث إلى هفتكين: “إن أردت الخروج بمن معك فأنا أومنك حتى تنصرف إلى صاحبك”. فتعاقدوا على ذلك، وصالح هفتكين إليه على مال، وخرج وقد علق هفتكين سيفه على باب عسقلان حتى يخرج جوهر ومن معه من تحت سيفه. فسار معه، وكانت مدة قتال القرامطة وهفتكين لجوهر على الزيتون ظاهر الرملة وعلى عسقلان سبعة أشهر.
وكان العزيز عندما التحق به جوهر، عزله عن الوزارة، وأسندها إلى يعقوب بن كلس. وتجنب الجيش الفاطمي التصادم مع قوات ألبتكين والقرامطة. واتصل العزيز بأمراء قبيلة طيء. ومع أن علاقة الحسن الأعصم كانت متينة بالحمراء، إلا أنهم فضلوا فس. الأحلاف على غيره من أنواع الشذوذ فتخلوا عن القرامطة وخذلوهم. فتراجع الحسن الأعصم إلى الرملة. وهكذا انفرد العزيز بألبتكين، فأوقع