مقدمة: شهدت ضفتا الخليج بين البحرين وشرق الجزيرة العربية، وبالخصوص الأحساء، هجرات وانتقالات متبادلة واسعة عبر التاريخ. وهذا الأمر غير مستغرب، فالمنطقتان تعتبران ضمن إقليم جغرافي واحد ويسكنهما شعب يتحد في الأصول والطباع والتقاليد.
وقد شهد مطلع الأربعينيات في القرن العشرين انتعاشًا اقتصاديًا ملموسًا في البحرين بعد أن بدأت تتشكل معالم الدولة الحديثة فيها. فقد ازدادت أهميتها التجارية كمركز للتجارة الإقليمية في الخليج، وبذلك اجتذبت كثيرًا من أهالي المناطق المجاورة للبحرين إليها ومنها الأحساء.
-
أعمال الأحسائيين في البحرين:
عمل الأحسائيون في مهن عديدة أهمها التجارة وخياطة البشوت والزراعة والبناء والنجارة. وقد كان قسم منهم يعمل في الغوص قبل اضمحلال تلك المهنة بعد انتشار اللؤلؤ الصناعي في أربعينيات القرن العشرين، خاصة من أبناء قرى الأحساء الشرقية كالمنيزلة والطرف والجشة والجفر، وأعداد أقل من أهالي الفريق القبلي الشرقي في الهفوف.
-
لماذا البحرين؟
كما ذكرت سلفًا، هناك عدة أسباب لقصد البحرين من أهمها: 
1. قرب البحرين الجغرافي: فالأحسائي سواء كان تاجرًا أو خياطًا أو فلاحًا فإنه يمكنه الوصول لها بسهولة نسبيًا مقارنة بالانتقال إلى البصرة أو الكويت أو الكاظمية أو دمشق أو غيرها من الأماكن التي قصدها الأحسائيون تلك الفترة. لذا كان يمكنه الوصول إلى الأحساء عدة مرات في السنة بسهولة، أو كما كانت تسمى حينها بـ ‘التحديرة’. فالأحسائي في البحرين حينها كان يقول عند رغبته في الرجوع إلى موطنه بـ ‘أنا بأحدّر’، أي سأنزل وأذهب إلى الأحساء.
2. الانتعاش الاقتصادي:
ففي البحرين منذ تلك الفترة توجد مكاتب وممثليات للكثير من الشركات التجارية الأجنبية سيما الإنجليزية، كما يوجد بها ميناء نشط تحط فيه بضائع من أنحاء العالم.
وكذلك نشطت التجارات والصناعة، وكان من أهمها خياطة البشوت التي عمل فيها القطاع الأوسع من الأحسائيين في البحرين حينها.
-
3. توفر الوسائل الحديثة الأساسية:
على الرغم من تشابه البيئتين بشكل كبير، إلا أن الهيمنة البريطانية على البحرين في تلك الفترة أثّرت في إدخال الكهرباء في تاريخ مبكر. وكذلك توافر السلع والخدمات الأخرى.
-
4. توفر الخدمات الصحية:
افتتح في المنامة مركز للإرسالية الأمريكية أواخر القرن التاسع عشر بـ 39 سريرًا. وضمت قسمين: قسم علوي سمّي بـ ‘البنقلواة’ ويقدم الخدمات الطبية بمقابل للمقتدرين الذين كانوا عادة من الأوروبيين والأمريكان وبعض تجار البحرين، وكان بعض التجار الأحسائيون يقصدونه للعلاج. كما أن هناك قسمًا يسمى بـ ‘البرستية’ يقدم الخدمات الطبية مجانًا للفقراء، وكان يقصده من لا يستطيع دفع المال نظير الخدمات الطبية.
وكان لأطباء الإرسالية جولات تصل بعض الأحيان إلى الأحساء، وقد نال هؤلاء الأطباء شهرة كبيرة كالطبيب بول هاريسون وستورن، والطبيب الهندي كاندي.
وكانت رحلات العلاج للأحسائيين إلى البحرين كثيرة. ربما أدت ببعض مرافقيهم للمكث والعمل في البحرين أثناء فترات العلاج لمرضاهم.
-
5. تفضيل الفلاح الأحسائي:
كان الفلاح الأحسائي يلقى فرصًا جيدة للعمل في البحرين وقتها بسبب مهارته العالية خاصة في شؤون النخلة من جهة، ومن جهة أخرى، بسبب عدم وقوعه في خلافات كالتي كانت تحدث بين الفلاحين وأرباب الأراضي الزراعية في ذلك الوقت.
وكان الفلاحون منهم يعملون إما باليومية أو بالقطوعة بـ ‘الإنجاز’ أو بتقبيل النخيل بـ ‘إيجار النخيل’ إما بتقديم حصة من الثمرة أو بالنقد.
-
تواجد الأحسائيين في البحرين:
تختلف وجهات الأحسائيين حسب الأعمال التي كانوا يمارسونها. فأرباب الخياطة والمخايطة الذين جاؤوا في أوقات مبكرة قصدوا المحرّق بسبب كونها العاصمة القديمة للبحرين وتواجد أغلب شيو. الأسرة الحاكمة بـ ‘آل خليفة’ فيها. أما الذين جاءوا منهم في فترات تالية أو الذين قصدوا التجارة العامة فقد استقرّوا في حي المخارقة في سوق المنامة.
أما الفلاحون منهم فقد انتشروا في قرى البحرين والمناطق الزراعية لقربها من أعمالهم.
كما قصدها مجموعة من البنائين الأحسائيين، سكن بعضهم المحرق وسكن بعضهم المنامة، ومنهم من أهالي القارة وبعضهم من الهفوف خاصة إبان الحرب العالمية الثانية. والنجارون أمثال الحاج طاهر العمران والحاج عبدالله العمران اللذان كانا يمارسان النجارة في ورش خاصة في حي المخارقة قرب حسينية الحساوية، وأعداد أقل في الصياغة كالحاج محمد الباذر بـ ‘أبو محمد’ الذي كان يمارس الصياغة بيده في محله في فريج نعيم، وكذلك بعض أرباب المهن الأخرى.
-
منطلق الأحسائيين:
يصعب تحديد منطلق الأحسائيين. فمن قصد البحرين كان من مختلف مناطق الأحساء ومدنها. ففي الهفوف لم يقتصر انطلاقهم من حي معين رغم أن أكثر المخايطة كانوا من حي الرفاعة من الهفوف، ورغم تزايد المخايطة الآخرين في الفترة.
-
في المحرّق:
ونظرًا لأن خياطي البشوت بـ ‘المخايطة’ يشكلون القطاع الأكبر بين الأحسائيين حينها. فكما أسلفت، نظرًا لتمركز عدد كبير من مستهلكي البشوت الرئيسيين وهم أفراد الأسرة الحاكمة، فقد تواجد عدد من معازيب ومحال بيع البشوت منهم:
1. محمد السليمان البقشي: وهو من أقدم مشغلي خياطي البشوت، واختص بمجموعة من أمهر الخياطين كالحاج محمد المسلم والحاج عبدالله الموسى الحمراني والحاج عبدالله الزاير وآخرون كانوا يلقبون بالجنرالات، لمهارتهم الكبيرة في الصنعة. وكان يستقبل طلبات مجموعة من شيو. الأسرة الحاكمة كالشيخ حمد بن عيسى والشيخ عبدالله بن عيسى بن علي والشيخ محمد بن علي بـ ‘أعمام الحاكم وقتها’.
2. الحاج علي السعيد القطان.
3. الحاج موسى الكويتي.
4. الحاج حسين بن محمد البقشي: يمتلك محلًا في السوق.
5. الحاج محمد بن عبدالله الحرز: يمتلك محلًا صغيرًا لبيع العبي النسائية بـ ‘كانت العبي النسائية تحتوي على تطريز من الزري’ ويستقبل بعض التوصيات.
سوق المنامة:
تواجد في أسواق المنامة عدد كبير من الأحسائيين من المخايطة والمحال التجارية التي اختصّت في بيع البشوت والعباءات النسائية وامتدت في عدد من الأسواق:
شارع التجار:
1. السيد عبدالله اليوسف.
2. الحاج علي بوكنان بـ ‘يستقبل طلبات عدد من شيو. الأسرة الحاكمة’.
أما المحال في شارع أبي العلاء الحضرمي:
توجد فيه عدة محلات لكل من:
1. الوجيه الحاج طاهر التحوت ثم ابنه جاسم.
2. الحاج إبراهيم بن علي بن ناصر بوحليقة.
3. الحاج حسين محمد بوحمود. بـ ‘يمتلك بيتًا مجاورًا لمنزله لسكنى الخياطين’. كما عمل باستيراد أقمشة البشوت اللندني والونشين والحرير الخاص بالعباءات النسائية.
4. الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن جعفر بـ ‘من الصالحية في الأحساء’.
ثم تلاهم:
5. الحاج يوسف الحواج وإخوانه، وقد استقرّوا في البحرين.
ثم افتتحت محلات في شارع الشيخ عبدالله منها:
1. الحاج عبدالله بن طاهر الزرقي آل بن سليمان.
2. الحاج علي بن موسى البوعلي، والذي كان لهم الريادة في خياطة البشوت لبعض شيو. الأسرة الحاكمة كالشيخ علي بن عيسى والشيخ حمد بن عيسى، وكان لهم ديوان للخياطة ومحل بشارع التجار إلا أن تجارتهم انحسرت وتقلصت. بعدها واقتصرت على هذا المحلّ.
3. الحاج علي بن محمد الحوّاج: بـ ‘عم يوسف سالف الذكر’.
4. الحاج أحمد آل الشيخ علي الرمضان بـ ‘أبو جاسم’.
5. موسى بن عيسى البوحليقة بـ ‘أبو محمد’، والذي انتقل إلى قطر بعدها.
6. أحمد وسلمان ابنا محمد حسين الخواجه.
7. حسن بن علي البن صالح بـ ‘انتقل بعدها إلى قطر’.
8. حسن البراهيم بـ ‘الشريجي’.
9. عبدالله السعيد القطان.
التجار الأحسائيون في البحرين:
كما أسلفنا في بداية الموضوع حول الأهمية الاقتصادية للبحرين وتواجد الوكالات الإقليمية للشركات الأجنبية فيها، فقد فتح بعض التجار الأحسائيين محالًا تجارية أو مكاتب لمراسلة فروعهم في الأحساء ومراكز الاستيراد الخارجية وتلك المكاتب الموجودة في البحرين.
وكان المقيم منهم في البحرين يسمى بـ ‘القعدي’ من القعود لأنه يقعد في البحرين.
وقد كان من أقدمهم الحاج عباس الشواف الذي كان مندوبًا عن أغلب التجار الأحسائيين في البحرين. أرسل أغلب هؤلاء التجار مندوبين لهم، وفي الغالب كانوا من أبنائهم منهم.
منهم الحاج عبدالله بن أحمد الرمضان ثم أرسل ابنه الحاج ياسين.
الحاج علي بن سلمان بن أحمد الهاجري عن والده.
والحاج فارس البن الشي. وأخيه عبدالوهاب.
والحاج عيسى البن الشيخ. والحاج محمد بن سلمان الوصيبعي.
والحاج علي بن حسين بن ناصر التحو بـ ‘انتقل من الكويت إلى البحرين’.
وكانت مجمل هؤلاء يعملون في تجارة المواد الغذائية والتجارة العامة.
ومن أشهر البيوت التجارية الأحسائية المقيمة في البحرين بيت القصيبي بـ (عبد الرحمن القصيبي) حيث تنوعت تجارتهم بين الطواشة بـ ‘تجارة اللؤلؤ’ والتجارة العامة في المواد الغذائية وغيرها.
وكذلك بـ ‘العجاجي’ (حسن وأبناؤه) الذين عملوا استيراد مضخات المياه. تطورت تجارتهم واستقروا في البحرين.
وأسرة الناصر بـ ‘عبد اللطيف الناصر’ الذين عملوا في المجال العقاري.
كما عمل مجموعة من معازيب الخياطة في استيراد أقمشة البشوت والعباءات النسائية والزري، مثل الحاج حسين بو حمود.
آثار الإقامة في البحرين على الأحسائيين:
1. التوطن:
حصلت شريحةٌ من الأحسائيين الذين قطنوا البحرين على الجنسية البحرينية وصاروا جزءًا مهمًا من نسيج المجتمع البحريني. ولمعت خلال ذلك أسماء بيوت تجارية معروفة أحسائية في مختلف الأنشطة كالقصيبي والعجاجي والتحو والحواج وبوكنان وغيرهم.
كما تقلد بعضهم وظائف جيدة بعد التدرّج التعليمي والوظيفي.
2. التجمعات:
من المعتاد على أي مجتمع مهاج1 أن يكون تجمعات من خلال السكن في أماكن محددة. لحاجة بعضهم لبعضهم الآخر. ومن مظاهر هذه التجمعات في البحرين تركزهم في حي الحاكة في المحرق قديمًا، ثم تركزهم في حي المخارقة في المنامة.
ومن هذا الحي انتشر بقية الأحسائيين الذين استوطنوا وحصلوا على الجنسية لاحقًا في المدن الجديدة كمدينة عيسى ومدينة حمد، ومن أهم نتاجات هذه التجمعات.
وفي تلك الفترة كان الأحسائيون العزاب، سيما المخايطة منهم، يأوون إما في منازل معدة لذلك الأمر كبيت حمد الطيّب، أو بيت يديره الحاج حسين بو حمود، أو بيوت أخرى تعود لأسر بحرانية كبيت خير الله، ويشتركون في ما يسمى بـ ‘الخابة’ وهو اشتراك مالي يقدم نظيرها خدمة الإطعام.
كما قد يسكن الأحسائي في خانات، وهي غرف مجهزة بحمامات مشتركة ومطبخ مشترك، مثل فندق الرمضان والحميدي في فريج المخارقة ويعود لعلي الرمضان وناصر الحميدي وهما أحسائيان. وفندق اليماني، فندق الديوانية في سوق واقف، وفندق الكويت في سوق الحلوى.
كما بنى الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن جعفر السالف الذكر عددًا من الغرف للتأجير، كان بعض الأحسائيين من أرباب العوائل يسكنون فيها.
حسينية الحساوية:
إنشاء مأتم الحساوية في حي المخارقة، التي تأسست عام 1346هـ، وتولى رعايتها الوجيه الأحسائي الحاج طاهر التحو وآخرون.
وكان هذا المأتم مكانًا لاجتماع الأحسائيين في البحرين، ويأوي إليها من لا يتمكن من دفع قيمة الإيجار في الفنادق والخانات. وفيه يتمكن من أراد إرسال شيء لعائلته في الأحساء يجد من ينقلها إليهم، كما كان ينزل فيها القادمون من الأحساء لملاقاة من يريدون.
ومنها ينطلق موكب الأحسائيين في المسيرات التي تجوب المنامة على العادة المتبعة في البحرين.
وقد جدد بناؤها مؤخرًا عام 1995م. وتولى رعايتها الوجيه الحاج ميرزا بن الحاج طاهر التحو.
آثار اقتصادية:
كما أشرنا أن العامل الاقتصادي كان هو المحفز الأول لانتقال الكثير من الأحسائيين إلى البحرين تلك الفترة. وقد وجد أغلبهم تلك الضالة، فقد كانت تحويلاتهم النقدية لعائلاتهم تسهم في إنعاش أهاليهم.
وكما أشرنا سابقًا، فقد برزت أسماء تجارية مهمة في تجارة المواد الغذائية وصناعة البشوت والعباءات، وقد نوع بعضهم أنشطته إلى الصرافة والذهب.
ومن الأدوار التي كان يقدمها التجار الأحسائيون تأمين مدخرات العاملين الأحسائيين سيما الفلاحين الذين كانت طبيعة عملهم تفرض التنقل من قرية لقرية، وكذلك نقل بعض أموالهم إلى ذويهم في الأحساء.
وقد كونت الخبرات المتراكمة لدى تجار الأحسائيين في البحرين الثقة فيهم، مما دفع الحكومة السعودية إبان اهتمامها بتطوير مدينتي الدمام والخبر بدعوة الكثير منهم لتملك الأراضي مجانًا في الخبر ونقل مراكزهم إليها. وقد استجاب لهذا النداء عدد منهم حققوا بعده تطورًا كبيرًا في مكانتهم التجارية.
آثار تعليمية وثقافية:
إن انتعاش الأعمال التجارية والحكومية في البحرين مبكرًا أوجد حاجة لطبقة من المتعلمين تعليمًا نظاميًا. ورغم ذلك فقد كان من أعمال الإرسالية الأمريكية افتتاح مدارس لتعليم الأبناء، إلا أنها لم تلق استحسانًا من الأهالي الذين كانوا يتوجسون من تأثيرات تولي المبشرين أمر تعليم أبنائهم. فبعضهم اقتصر على التعليم التقليدي لدى المطوع. وحدثت بعض الجهود المبكرة لسد هذا الخلل من قبل بعض المثقفين لإنشاء مدارس وافتتاح مراكز ثقافية. ومن أهم تلك الجهود أثمرت إنشاء مدارس كالهداية الخليفية بالمحرق (1338هـ/1919م)، وقد التحق بها قليل من أبناء القصيبي في فترات مختلفة.
ثم افتتحت المدرسة الجعفرية عام 1929م، والتحق بها مجاميع من الطلاب.
ومدرسة عبدالرسول التاج1 التي كانت تعرف بـ ‘المدرسة الأهلية’. وقد كانت تمثل حالة متقدمة حيث كان هذا الأستاذ يقدم دروسًا في اللغة الإنجليزية والرياضيات والكتابة على الآلة الكاتبة الإنجليزية. وقد التحق بها عدد من المخايطة الأحسائيين كالشيخ جواد الرمضان المؤر. الأحسائي في الفترة المسائية إبان عمله بالخياطة في المنامة.
كما تدرب بعض الأحسائيين على مهن جديدة كالخياطة الرجالية المقيفة والدقيقة أمثال السيد إبراهيم الهاشم وأخيه السيد هاشم والحاج محمد بن محمد البقشي. وتدرب بعضهم على مهنة التصوير لدى مصورين إيرانيين كالحاج جمعة بن حسن الخليفة. تدرب عدد منهم على أعمال التمريض وزرق الإبر كالممرضين الشهيرين ابن بطيح وبن شناط، وصارا يمارسان عملهما في الأحساء بعدها.
بالإضافة لوجود المدارس، كان للمكتبات المنتشرة في البحرين كمكتبة التاجر، ودور في إثارة اهتمام المهتمين من الأحسائيين بالثقافة وبعض الشباب الأحسائيين في البحرين في الأربعينيات والخمسينيات الميلادية من يقتني الكتب والمجلات كالأستاذ محمد بن حسين آل الشيخ علي الرمضان وأخوه الشيخ جواد والحاج معتوق البوحليقة والحاج أحمد الحسن البراهيم وعدد من أبناء أسرة آل بن الشيخ. شكل هؤلاء جذوةً طيبة في وعي مجتمعهم ولتحفيز التحاق أقرانهم وأبنائهم في الأحساء. بل كان لبعضهم دور مهم في نقد الوضع المتواضع للمنبر الحسيني في الأحساء، لذا كان لهم مسعى لتطويره بتكوين جماعة واعية تنقد الخطباء وتهيئ حالة من الوعي تجاه مسؤوليات الخطيب.
كما أورثت سخونة الأجواء السياسية في البحرين إبان الاحتلال البريطاني الحماسة الوطنية والاهتمام بهذه الشؤون ومتابعتها خاصة مع استيقاظ الحس العروبي وتصاعد الاهتمام بضرورة تحرر البلدان العربية حينها من الاستعمار. وكانت تذكي كتابات الوطنيين البحرينيين الحماسة في نفوس متابعيهم.
وقد كانت سني الحرب العالمية الثانية قاسية على الجميع، فقد عاشها الأحسائيون هناك كما عاشها أهل البلد وعاصروا ما عانوه من التقشف. واستعمال البطاقة التموينية. بل إن بعض من عانى من شظف العيش في الأحساء لجأ للبحرين فوجد أنه كالمستجير من الرمضاء بالنار حيث الأوضاع كانت أقسى. وعمومًا كانت الحكومة البريطانية التي وجهت إذاعة عربية عمل في تحريرها بعض العرب كسالم العريض والشاعر إبراهيم العريض، وأشاعت قدرًا من الاهتمام بالشأن العام. وإن كانت محط نقد من بعض الوطنيين لتبنيها أولويات البريطانيين وتسويقها لهم.
آثار اجتماعية:
يمكن اعتبار الاستيطان الذي أشرت إليه سابقًا من أهم الآثار الاجتماعية للإقامة في البحرين.
مضافًا إليها المصاهرات، وهي التي عادة تعزز بقاء المهاجرين وتشدهم بمجتمعهم الجديد. فقد تمازج الأحسائيون بالمصاهرة مع كثير من أبناء المجتمع البحريني سواءً مع الأسر ذات الأصول البحرينية القديمة أو مع ذوي الأصول الفارسية الذين يعرفون بالعجم.
وبما أن عددًا كبيرًا من الأحسائيين يعمل في إنتاج وتصنيع وتسويق البشت الحساوي، الذي يعد لباسًا عامًا للناس حينها. لكن من أهم الزبائن في تلك الفترة حكام البلد الذين يعدون مستهلكين رئيسيين لهذه السلعة. مضافًا إلى كبار رجال الأعمال والتجار وأعيان البلد. وبذلك توطّدت علاقات حسنة ووطيدة مع هذه الأطراف.
ونشأت من طبقة التجار ومعازيب البشوت الأحسائيين طبقة من الوجهاء كان لهم أثر حسن، حيث يلجأ لهم الأحسائيون عندما تواجههم مشكلات نظامية أو يتصدون في حالة وفاة أحد الأشخاص فيرتبون أمر تجهيزه أو التكفل بإيصال عائلته إلى الأحساء. وكان للوجيه الحاج طاهر التحو أياد بيضاء في هذا المجال. كما كان يتشفّع في بعض من يتسلل من الأحسائيين بطريقة غير نظامية بـ ‘دون جواز سفر’ فيستصدر له ورقة مرور تخول له الرجوع للأحساء.
ومن كرام الأحسائيين الحاج ملا الجزيري وهو من أهالي التيمية وكان يعمل في تقبيل النخيل. وكان يقيم قراءة حسينية في أغلب المناسبات ويقدم المعروض في أغلبها، وكان منزله في السلمانية التي كان أغلبها بساتين حينها مأوى للكثير من الأحسائيين الواردين إلى البحرين للزيارة أو العلاج أو البحث عن عمل.