صورتان نادرتان لعزاء البحرين في عام 1908 من أرشيف الإرسالية العربية
حيث أننا قاربنا على نهاية موسم عاشوراء في البحرين وددت أن أضع أقدم صورتين لعزاء البحرين التي وردت ضمن صفحات المقالة الأولى مع بعض من المقالات الثلاث التي لا يتسع المقام لسردها بالكامل ولكن أتيت بأهم ما جاء فيها.
كُتب “النداء العربي” (The Neglected Arabian) تقع في ثمانية مجلدات والتي تتضمن كل التقارير التي أُرسلت منذ عام 1892 م وتحتوي على 4600 صفحة وتتضمن أيضاً الكثير من الصور وتتحدث عن كيفية إنشاء الإرساليات في الخليج وبداياتها والتي تأسست عام 1898 م من قبل كل من السادة توماس راسل والبروفيسور جيه. جي. ليستن وصموئيل زويمر. وقد أصدرت التقارير في بداية يناير من عام 1892 م أُرسلت من البصرة من قبل السيد جيمس كانتين. والأرشيف يقدم كل المقالات التي تتحدث عن أعمالها أولاً بالبصرة ثم البحرين فمسقط وأخيراً الكويت. وما يتعلق بالبحرين فهي تحتوي على خرائط ورسومات عديدة وتقارير عن عدد النفوس وعن قياس درجات الحرارة وهطول الأمطار وحفر الآبار الارتوازية والكوارث.
وقد كُتبت ثلاث مقالات تتناول موسم عاشوراء في الخليج وسوف نطوف عليها بإيجاز. ففي المقالة الأولى والتي كتبها الدكتور توماس جيه. ليستن في العام 1909 م عنوانها “مسرحية الألم في البحرين” حيث بدأها: “هذا هو العاشر من محرم المخصص للمحمديين (المسلمين)، اليوم الذي لقي فيه الحسين سبط النبي مقتله بأرضٍ خلاء هي الآن المدينة المقدسة كربلاء في عام 680 بعد الميلاد.”
ثم يتطرق للحادثة الدرامية التي كُتبت من قبل السير لويس بيلي الذي يقول أن إحياء هذا الحدث الدرامي يقاس بمدى التأثير الذي ينتجه من الأشخاص الذين يمثلون هذه المسرحية أو الحضور قبلها، فلا توجد مسرحية معروفة في العالم الإسلامي لها تأثير يبلغ مدى المأساة بهذه القوة والعمق عن الحسن والحسين.
أما ماثيو أرنولد كتب مقالته النقدية الرائعة مبيناً هذا الحدث ومؤثراته في هذه المسرحية، بينما كتب أيضاً ماكولي (اللورد كليف) فقد أحاطت به هالة السحرية القداسة والخلود. بعدها يسرد من الترجمة الممتازة التي صاغها السير لويس بيلي والتي وضعها في مجلدين ولطولها، فقد اقتصرها حيث تحدث في البداية عن الإمام علي صهر النبي وزواجه من ابنته فاطمة وخلافته ثم يمر بأحداث التاريخ حتى يصل إلى الأيام الحالية التي بها يحتفون، حيث هنالك مجموعة من الناس في انتحاب وعويل تلطم على صدورها [المعزين] يحيطون بقارئ [الرادود] يتلو عليهم بصوت رخيم ترديدات من روح معاناة المناسبة الأليمة.
أما المقالة الثانية عن الملتقيات النسائية في البحرين للسيدة فاني لوتن والتي نشرت عام 1913 عن الملتقيات النسائية في البحرين [المجالس] أن في البحرين طائفتان كبيرتان في الوسط الإسلامي: السنة والشيعة. فالسنة يحتفلون بالمولد النبوي الشريف وإحدى أعظم الاجتماعات التي حضرتها وتحدثت عنها بإسهاب كبير. أما بخصوص المجلس النسائي الشيعي الذي نحن بصدده فكتبت أن للشيعة بالمقابل عندهم العديد من الفعاليات في مجالسهم طوال العام، بعضها القراءة كل ليلتَي يوم الخميس والجمعة والتي تقرأ في المجالس (الحسينيات) ملاصقة لبيوت الطبقة الميسورة. ثم تصف الحسينية الشيعية عندما تم دعوتها من قبل إحدى السيدات المالكات والقائمات على تلك البيوت التي يتم فيها القراء والتي تتمتع بالقوة والنفوذ حيث قالت: “حيث إنه شيء جيد أن يُسبغ عليك العطف، فهناك الكثيرون يرون أنني غير مرغوب بي في المكان ومن قوة مضيفتي كان لها القول الفصل ببقائي فأخذت مقعداً في الصف الخلفي وجلوساً على الأرض حيث أنني لا أريد التشويش على أحد حيث جعلت وجهي يبدو طبيعياً وغير لافت ومستفز ولأنه من الصعب أن تسمع بعضهن يرسلن ملاحظات عليك ولكن آثرت أن أبقى على صمتي التام.” ثم بدأت بوصف كيفية إعداد النارجيلة الفخارية (القدو) وكيف يتم إعدادها من قبل النسوة وبأن أغلب النسوة الشيعة يدخنون النارجيلة عكس النسوة السنة ولا يوجد بيت شيعي تقريباً يخلو منها وتصف كيف أنهم لا يبدون زينة فهن يلبسن رداءً كبيراً أسود حيث يغطي الرأس ثم يسترسل على كامل الجسم.
في البداية كانت هنالك قارئتان حاضرتان ولكن قبل الختم كانت هنالك حوالي اثنتا عشرة مقرئة كما عدتّهن وحين بدأت القراءة كان هنالك اجتماع صغير ولكن مع مرور الوقت إلى قرب نهايته كانت هنالك حوالي خمسون امرأة والكثير منهم أخذ بالقدوم قبل افتراقهن.
القارئة الأولى كانت تعاني من قصر نظر شديد حيث أنفها يكاد أن يلامس الصفحة وكانت تقرأ بحدة وألفاظها تخرج من الأنف وكلما كانت النغمة خارجة من الأنف يكون وقعها عالياً على المستمعين وكانت الجلجلة تدخل من كل كلمة تستجاب من قبل المستمعة بصوت (واحسين واحسين) الذي ذبح على أرض كربلاء. فالشيعة يرون أنه شهيداً وشفيعاً ومخلصاً.
وبعض النسوة يبكين منذ بداية الاجتماع حتى نهايته وبعض الوقت تقوم النسوة بلطم صدورهن ويتأرجحن بأبدانهن للأمام والخلف ويصيحون (حسين) مرات ومرات ومن خلال كل هذا القارئة تواصل دون انقطاع ولو لثانية ولا تتحرك ولا ترفع عينيها عن الكتاب وقبيل ختام المجلس تدار القهوة وقدم لي فنجان من القهوة وشربتها لأذهل من يجلسون حولي. وكان بالغ سعادتي أنها كانت ساخنة. ثم تتساءل ما الذي يجعل هذه النسوة تجتمع سوياً كل أسبوع ليرددن نفس القراءة التي لا تختلف أبداً ثم تمنت لهن خيراً وصلت لأجلهن.
وكتبت في عام 1923 السيدة بول دبليو هاريسون المقالة الثالثة تحت عنوان “موسم محرم” وتحدثت في بدايتها إنها رأت من خلال نافذتها في يوم بأواخر شهر أكتوبر عدداً من الأعلام المرفوعة على أعالي المنازل بقرية إيرانية. وتساءلت عن ما تعنيه. ثم تعرفت بأنها رفعت كرامة لشهر محرم حيث أن فرقة الشيعة الإسلامية تحتفي بذكرى مقتل الحسين وهو أحد أهم رموزهم الدينيين وسبط النبي. الحسين قتل بكربلاء في يوم العاشر من محرم (الشهر الأول حسب التقويم الإسلامي) ومأساة مقتله تُندب بطرق متعددة المظاهر حينما تتواجد فرقة الشيعة المسلمين. وفي البحرين بالعام المنصرم كان التحضير للمناسبة بشكل مدروس ومتقن. وحينما يقام فكل الشيعة يرتدون ملابس سوداء طوال شهر محرم. ويرفعون أعلاماً سوداء على منازلهم علامة للحداد والحسينيات الشيعية تتوشح بالسواد الكامل وهنالك العديد من بيوت المدينة يقام بها محاضرات (قراءات) مستوحاة من تلك المعاناة والقتل الذي وقع على الحسين وفي تلك القراءات تضرب النساء صدورهن ويعولن ويسكبن الدموع الجاريات على مقتل محبوبهن الحسين. وفي اليوم التاسع من الشهر يحمل نعشاً مزيناً بأقمشة زاهية محمولاً على أكتاف أربعة رجال يطاف به بالشوارع وتتبعه رجال ونساء يضربون على صدورهم وهم يبكون على ابن أ. الحسين (القاسم) الذي قتل في ذلك اليوم. وفي ذروة تلك المناسبات الدينية نصل إلى يوم (عاشوراء) العاشر من محرم. ففي صباح هذا اليوم حيث تنظم مسيرة كبيرة وحيث أنه هنالك المتدينون المتحمسون لنيل ثواب وجزاء الآخرة فيأخذون على عاتقهم تنظيم تلك المسيرة بشكل مدروس ومحكم ففي بدايتها يأتي أولاً حملة الأعلام السوداء كرمز للحداد والحزن تعقبها مسيرة التطبير التي تردد بنبرات حزينة (واحسين واحسين) ثم يأتي الجزء الأساسي للمسيرة وقوامها مجموعات فقد أعدت مجموعة من الرجال والأطفال الذين يشكلون مختلف أقارب الحسين الذين أخذوا أسرى والذين قتلوا ففي المقدمة جملان يأتي أحدهما بأحد أبناء وبنات الحسين (زين العابدين وسكينة) والآخر يحمل أخته (زينب) على رأس هذه المجموعة يعقبهما فارسان من قتلة الحسين معهم مجموعة من الرجالة حوالي عشرة إلى خمسة عشرة يلوحون بسيوفهم وعصيهم التي يحملونها ويقتربون بشكل حماسي لمحاولة قتل الفارس الذي هو أ. الحسين (العباس) بعدها يأتي الحصان الرابع الذي يمتطيه ابن الحسين (علي الأكبر) الذي ينازع الموت من جراء الجرح الذي أحدثه السيف الذي انغرس في رأسه وثبت فيه وقد أعدت قطعة بمهارة وإبداع ليبدو المشهد مؤثراً. يتبعها ثلاثة نعوش بتشبيهات قد غطيت بأقمشة زاهية ومزينة بمرايا وكرات صغيرة مذيلة بذيول سوداء وهي لابن الحسين وابن أخيه وصهره. والأكثر أهمية من الكل هو نعش بتشبيه الحسين نفسه الذي غطى بقماش أبيض وضعت فوقه حمامة بيضاء. وحتى يبدو مقطوع الرأس بطلهم المعشوق أكثر واقعية يمدد فيه رجلاً وقد أُخفي رأسه عن الأنظار وفي مكان النحر يضعون رقبة لذبيحة يتدفق منها الدم ليبدو المشهد أكثر إثارة. وفي آخر المسيرة هنالك مجموعات مكونة من صفين بها خمسة وعشرون رجلاً عاريو الصدور يلطمون على صدورهم بأيديهم بكل قواهم وهم يرددون بصوت عال ومتواصل (ياحسين ياحسين) ثم تختم المسيرة من جميع المشاركين بطريقة أخلاقية عالية حيث يتبادلون ويتقبلون التعازي من بعضهم ثم يترحمون على موتاهم.
وللأمانة لابد أن أشير أنني حصلت على هاتين الصورتين النادرتين بمساعدة من إحدى السيدات البحرينيات الفاضلات فلها كل الشكر والتقدير وبأن الإرساليات العربية قد أسست من قبل الكنيسة الهولندية الإصلاحية في نيويورك (الولايات المتحدة).
ترجمة الأستاذ: فؤاد إبراهيم الشكر
![]() |
الصورة الأولى: المسيرة العزائية بقرب دار الإرسالية الجديدة
![]() |
الصورة الثانية: مسيرة محرم الحرام مقابل مستشفى ميسون التذكاري بالبحرين

