تاريخي

البحث في تاريخ وأصالة شعب البحرين – الحلقة الثالثة

مسجد الخميسما زلنا نتتبع مواقع القرى على الخريطة البحرينية؛ حيث وصلنا إلى قرية عسكر، وهي قرية قديمة قامت على أنقاضها القرية الحالية، وهي ذات بساتين باسقة ومياه غزيرة وأهلها فلاحون. وشرقيها آثار قديمة ممتدة إلى سلماباد ومقطع توبلي.
ثم قرية القرية جنوبي بني جمرة، وهي ذات نخيل باسقة وأهلها فلاحون وملاحون ونساجون لحياكة السفن والعباءات. وجنوبيها قرية الجنبية، وهي كسابقتها.

 

 

قرية الحويص، بها مصانع الفخار والكلس.

 

وشرقي هذه القرى الثلاث الأخيرة تمتد «ثار قديمة إلى مسافة بعيدة. وشرقي جنوب هذه ال»ثار قرية الحويص، وهي ذات بساتين غناء ومياه غزيرة، مبانيها جيدة وبها مصانع الفخار والكلس. وهي من المدن القديمة التي استوطنها الفينيقيون قبل أن يهاجروا إلى فينيقية، وبها «ثار قبورهم التي ملأت رحاب صحرائها إلى ما لا يدرك الطرف »خره. ويرجع عهدها إلى ما قبل خمسة «لاف عام. وجنوبي الحويص قرية بوري، وهي ذات بساتين باسقة ومياه غزيرة دافقة وأهلها فلاحون. وجنوبيها »ثار قديمة. وغربيها قرية المغزال، وهي قرية صغيرة ليس بها نخل. وجنوبيها غربًا الهملة، وهي ذات بساتين باسقة ومياه جارية وأهلها فلاحون وملاحون. وجنوبيها شرقًا قرية دمستان، وهي كسابقتها وأهلها فلاحون وغواصون، وخرج منها العالم الأوحد الشيخ حسن الدمستاني. وجنوبيها قرية كرزكان، وهي ذات بساتين ناضرة كثيرة ومياه صافية غزيرة، وقد مرت إشارة ابن المقرب إليها بقوله: “وأمضى شيء للقلوب قطايع بالمروزان لهم وكرزكان”. وأهلها فلاحون وغواصون.

 

قرية المالكية، موضع نزل فيه إبراهيم بن مالك الأشتر.

 

وجنوبيها قرية المالكية، موضع نزول إبراهيم بن مالك الأشتر الذي جاء للبحرين. وقريبها قبر ينسب للأمير زيد بن صوحان العبدي، له مزار مبني ملاصق لمسجد كبير يزورونه ويتبركون به وينذرون إليه، وهي قرية قديمة. وجنوبيها قرية صدد، وهي قرية قديمة ذات بساتين ناضرة ومياه جارية وأهلها فلاحون وملاحون. وشرقيها جنوبًا «ثار قديمة، ويقال إنها »ثار مدينة رفين، وهي خراب ليس بها عمران ولا سكان، ولم يبق منها غير آثار الرسوم الدوارس. وجنوبيها قرية شهركان، وهي كسابقاتها ذات بساتين باسقة ومياه دافقة وأهلها فلاحون. وجنوبيها شرقًا قرية دار كليب، واسمها يدل على أنها كانت في الجاهلية مصيفًا لكليب الفارس المشهور، وهي قديمة ذات بساتين ناضرة وعيون كثيرة مياهها صافية غزيرة. وشرقها آثار متصلة إلى شهركان وأهلها فلاحون ونساجون لحياكة السفن. وجنوبها بمسافة كبيرة غربًا قرية الزلاق، وهي مجاورة للساحل وليس بها نخيل وأهلها فلاحون وملاحون وغواصون. وجنوبيها بمسافة كبيرة قرية عدايم، وهي قرية صغيرة مجاورة للساحل وأهلها صيادو سمك. وجنوبيها شرقًا مملحة الممطلة، وجنوبيها آثار قديمة ممتدة إلى الساحل الغربي إلى الجنوب. وبعدها صحراء كبيرة إلى رأس البر الجنوبي، تتمة في جبل الدخان. والرفاع الغربي، التي أسسها الشيخ علي بن خليفة حاكم البحرين سابقًا. وغربيها رفاع الشيخ محمد، أسسه الشي. أحمد بن محمد بن خليفة أول حاكم على البحرين من آل خليفة.

 

هذه القرى البحرينية المتأصلة الجذور بهذه الأرض الحبيبة لها تاريخ عريق مديد، لا يستطيع أيٌّ كان أن ينفيه؛ لأنه باقٍ ببقاء هذه الأرض.

 

أغلب سكان البحرين شيعة.

 

يقول الشيخ محمد بن الشيخ خليفة بن حمد في تحفته: “ولما توطد حكم الشيخ خليفة بن محمد بن خليفة على الزبارة، حث عشيرته وأتباعه بالاشتغال في التجارة، فكانوا يأتون جزيرة البحرين ويشترون منه اللؤلؤ ويسافرون به إلى أرض الهند فيبيعونه ويرجعون إلى بلادهم”. وكان غالب سكان البحرين شيعة شديدي التعصب على إخوانهم السنيين، وكانوا يتغالون في إهانة واضطهاد كل سني وطئ بلادهم للحرفة أو للتجارة.
فوافق في بعض الأيام أن اعتدوا على خدم ل«ل خليفة جاءوا إلى بلدة في البحرين تسمى سترة لشراء جذوع النخيل، فأدى ذلك إلى وقوع قتال بين خدم »ل خليفة والبحارنة الشيعة، كانت نتيجته قتل خادم لآل خليفة يسمى إسماعيل. فغضب لذلك أهل الزبارة جميعًا، ثم إنهم أرسلوا إلى البحرين أناسًا مسلحين في سفينة صغيرة للأخذ بثأر المقتول. فساروا إلى سترة وتقابلوا مع رهط القاتلين حتى تمكنوا من قتل غريمهم، ولكن بعد أن قُتل معه نحو خمسة أشخاص، ولم يُقتل من أهل الزبارة أحد. فعظمت المصيبة على البحارنة فتجمهروا واستغاثوا بحاكمهم الشي. نصر بن جبر المسلم، فجهز لهم السفن مشحونة بجيش عظيم وتولى هو القيادة بنفسه ليثير النخوة والحماسة فيهم. وسار الكل نحو قطر حتى أرسوا بسفنهم عند موضع يقال له عشيرق، ومشوا من هناك رجّالًا على أرجلهم إلى الزبارة وأحاطوا بها محاصرين لها. وطلبوا من أهلها سبي نسائهم وأطفالهم وخدمهم جميعًا، وإلا وضعوا فيهم السيوف حتى يفنوهم عن آخرهم. فعظمت المحنة على المسلمين واستكبروا هذه الشروط التي ما أنزل الله بها من سلطان، فهان عليهم الموت في حفظ عرضهم وحفظ نسائهم وأطفالهم. وخرجوا إلى ميدان القتال بعد أن أبقوا فئة من الرجال عند النساء والأطفال، وقالوا لهم: “إن نصرنا الله فيها فنِعمت، وإن انكسرنا فأنتم اقتلوا النساء والأطفال جميعًا ولا تدعوهم يصيروا أسارى في أيدي الشيعة. وبعد قتلهم فشأنكم والفرار للنجاة بأنفسكم”. ولما تقابل الجمعان كان رئيس الزبارة وكيل حاكمها الشي. أحمد بن محمد، لغياب أخيه الحاكم الشيخ خليفة في الحج، ودار بينهم الضرب والطعان وتطايرت الرؤوس عن الأبدان. وصاحت الأبطال على بعضها بأصوات يذوب منها قلب الجبان، فنهض أهل فريحة، وهم فخيذة من «ل ابن علي مساعدين ل»ل خليفة، وشهروا سيوفهم وبرزوا إلى الميدان. فلم يلبث قوم نصر إلا ساعة من نهار حتى أسفرت الواقعة عن انكسارهم فولوا الأدبار وانتصر أهل الزبارة. وغلب هنالك قوم نصر وانقلبوا صاغرين وفروا بأنفسهم إلى سفنهم وذهبوا بها إلى بوشهر، تاركين ساحة الوغى ملأى بجثث قتلاهم. ومن ذلك اليوم صغّر أهل البحرين اسم الشي. نصر وسموه “نصورًا”، وتسمى هذه الوقعة “وقعة نصور”. وذلك في 18 جمادى الثانية عام 1197هـ.
ما وُثّق هنا يغلب عليه التوظيف الطائفي البحت. الكاتب فضّل الحديث عن حدث تاريخي انتقالي من خلال عبارات التشدد والتعصب إزاء الآخر بناءً على انتمائه المذهبي. هذا الكتاب لم ولن يكن الوحيد الذي يُدوّن بهذه الصورة التي يغلب عليها ذاتية الكاتب، فهذا حال الكثير من الكتب والمراجع الكثيرة الموجودة في مكتباتنا والبعيدة عن الموضوعية العلمية المرجوة في مثل هذه الكتابات.

 

إذًا من خلال بحثنا السابق لبعض تلك الحقائق التاريخية التي ما زالت المراجع والكتب تتحدث عنها حتى مع محاولات عدم تدوين التاري. كما يجب، فما تم تدوينه غالبًا ما كان يحوي الكثير من المغالطات. نجد أن تنامي الحسابات السياسية والطائفية خاصة هو ما جعل من الآخر المختلف مستهدفًا في أصالته وثقافته وتراثه وحتى وجوده. وحول موضوع الطائفية المقيتة، استعنت بإحدى المقالات التي كُتبت في عهد سابق ووجدتها تلاءم وضعنا الحالي المتردي حقيقة.
في مجلة صوت البحرين كان المقال الذي يحكي الواقع البحريني كما هو، لا كما يصوره الآخرون، وتحت عنوان “الطائفية علتنا الكبرى” يقول الكاتب: “لو التفتُ إلى مجتمعنا البحريني، يرتد بصري وقلبي كسير. ولو جاز لي أن أتصور جسمًا قد اختلّت وظائفه، وراح كل عضو فيه يعمل على شاكلته، فينبض القلب متى شاء وتهضم المعدة متى أرادت، وتفرز الكبد صفراءها حين يطيب لها ذلك، وتستقبل الرئة الهواء تارة، وتسد عليه المنافذ أخرى. لو جاز لي، ولماذا لا يجوز؟ لكان ذلك صورة واقعية لمجتمعنا البحريني، بل جماعاتنا. فليس في البحرين – هذا البلد الصغير – مجتمع، وإنما هناك طوائف وجماعات متنافرة متنابذة، يتلظى كل منها حقدًا على الأخرى، وتسعى للكيد بها والنيل من
كرامتها، رغم ما نلمحه من صفاء كاذب بين الأفراد. فكأنما بين القوم ثارات.
ويواصل الكاتب: “هذه حقيقة صارخة لا ينكرها إلا كل مكابر يتعامى عن الداء لأنه ألف الداء، أو لأنه يفرّ من مواجهة الجراح. ومن المؤسف أن تكون هذه النعرة الطائفية أشد ما تكون استفحالًا بين السنة والشيعة، وأن المرء المتجرد لا يحتاج إلى جهد كبير ليستبين مظاهر هذا الخلاف الطائفي المتعدد الألوان”.

 

ختامًا أقول: أملنا كبير أن يتغير وضعنا الحالي من جماعات متنافرة متقاتلة من أجل السياسة والملة والطائفة إلى جماعة متحابة تعمل من أجل الوطن وتاريخه وأصالته وبقائه، تجمعها قيم المواطنة الحقّة، فكلنا وطن وكلنا مواطنون.

 

الهوامش
1. التاجر، الشيخ محمد علي. 1994. السلسلة التاريخية: عقد اللآل في تاري. أوال. إصدارات مؤسسات الأيام للطباعة والصحافة والنشر، البحرين. الباب الثالث، الفصل الأول، ص 40.
2. النبهاني، الشيخ محمد بن الشيخ خليفة بن حمد. 2004. التحفة النبهانية في تاري. الجزيرة العربية. المكتبة الوطنية، البحرين. الطبعة الأولى، ص 85.
3. مجلة صوت البحرين. مجلة أدبية اجتماعية، الجزء الأول، ص 11.