تاريخي

تايلوس والتأثيرات الآرامية والعربية

ذكرنا في الفصل السابق أن هناك جماعة من العرب العدنانية أو 91ب الشمال تركت حياة البداوة واستقرت في مناطق مختلفة من الجزيرة العربية وبالخصوص شمال الجزيرة العربية والعراق والشام ومنهم من نزل في شرق الجزيرة العربية. وقد عملت هذه الجماعات المستقرة في الزراعة والتجارة وقد عرفوا في الغالب باسم النبط. إذاً النبط عبارة عن جماعات من الأعراب استقروا تدريجياً ليشكلوا في النهاية دويلات خاصة بهم في شرق وشمال الجزيرة العربية وقد لعبوا دوراً هاماً في تاري. الجزيرة العربية اعتباراً من القرن الرابع قبل الميلاد إلى القرن الثاني الميلادي حيث بدأوا ينتشرون تدريجياً في مناطق متفرقة من الجزيرة العربية وفي بلاد الشام بهيلي 1986ةج وقد عرفت هذه الجماعات عند كتاب اليونان باسم النبط والعرب بعباس 1987: ص 25ة.

وقد واجهت هذه المجموعات المستقرة أي النبط مشكلة رئيسية وهي أن لغتهم العربية الشمالية لم تكن لغة مكتوبة فلم تبتكر لها حروف خاصة بها بعد وقد توجب على هذه الجماعات أن توثق بعض المعاملات وتكتب بعض المراسلات مما أدى بهذه الجماعات أن تقتبس حروف لغات أخرى كانت منتشرة وبصورة أساسية استخدموا حروف اللغة الآرامية وبصورة اقل بفي شرق الجزيرةة استعملوا حروف اللغة العربية الجنوبية. ومن هنا شكك البعض في عروبتهمج والبعض ال«خر عمم لفظ الأنباط ليشمل جماعات »رامية غير الجماعات العربية. في هذا الفصل سنتناول دلائل عروبة الأنباط وكيف استقروا في شرق الجزيرة العربية وكيف تكونت حروف اللغة العربية الشمالية وهي الأبجدية الحالية.

عروبة الأنباط

          الرأي السائد اليوم بين العلماء أن النبط 91ب مثل سائر العرب وان استعملوا الآرامية في كتاباتهم بدليل إن أسماءهم هي أسماء 91بية خالصة وإنهم يشاركون العرب في عبادة الأصنام المعروفة عند 91ب الحجاز مثل ذي الشرى واللات والعزى وانهم 159وا ال«رامية بكثير من الألفاظ العربية بعلي 1993: ج س ص عة. ويؤكد جواد علي في مقطع »خر من كتابه المفصل في تاري. العرب قبل الإسلام على أن الأنباط ينتمون للعرب العدنانية حيث يقولغ

وعندي أن النبط 91ب بل هم أقرب إلى قريش والى القبائل الحجازية التي أدركت الإسلام من العرب الذين يعرفون بالعرب الجنوبيينئخ. لهذه الأسباب أرى أن النبط أقرب إلى قريش وإلى العدنانينج على حد تعبير النسابينج من العرب الجنوبيين الذين تبتعد أسماؤهم وأسماء أصنامهم بعداً كبيراً عن أسماء الأشخاص والأصنام عند قريش وبقية العدنانيين بعلي 1993: ج س ص 14ة.

          والمصادر العربية التي ذكرت النبط أو الأنباط عممت لفظة النبط على كل من يعمل في الزراعة ويتحدث العربية برطانة أعجميةج وعلينا أن نفرق بين نوعين من النبط الأول وهم جماعة الأعراب الذين استقروا وكونوا ممالك أو دويلات في شمال الجزيرة العربية وبلاد الشامج أما الجماعة الأخرى التي عرفت بالنبط فهم بقايا الشعوب القديمة خاصة النازلين في البطائح ومنهم مترسبات الآرامين في العراق والشام وذلك قبيل الإسلام وفي الإسلام وكانوا يتكلمون بلهجات 91بية ولكن برطانة أعجمية وبلكنة غريبة ظاهرة بعلي 1993: ج س ص 13  14ة.

مملكة النبط

          عرفت الدويلات التي كونتها الأنباط في شمال الجزيرة العربية وبلاد الشام باسم مملكة النبط أو الأنباط ودولة النبط وقد ذكر الاسم الأول جواد علي الذي خصص فصلاً لنقاش النبط في الجزء الثالث بعلي 1993: ج س ص ص  75ةج أما الاسم الثاني فقد جعل منه إحسان عباس عنوان لكتابه تاريخ دولة الأنباط الذي صدر العام 1987م. ولم تكن منطقة البحرين أو شرق الجزيرة العربية من ضمن الأراضي التي نوقشت ضمن تلك البحوث على الرغم من أن الجماعات التي سكنتها ينطبق عليهم تعريف النبط كما سنرى لاحقاً. وقد عرف جواد علي مملكة النبط بالتاليغ

مملكة 91بية لم يعرف الأخباريون من أمرها شيئاًخ سداها ولحمتها النبط وهم قوم من جبلة العرب وإن تبرأ العرب منهم وعيّروا بهم وبعدوا أنفسهم عنهم وعابوا عليهم لهجتهم حتى جعلوا لغتهم من لغات العجم وقالوا إنهم نبط وإن في لسان من استعرب منهم رطانةً. وسبب ذلك هو أنهم كانوا قد تثقفوا بثقافة بني إرم وكتبوا بكتابتهم وتأثروا بلغتهم حتى غلبت الإرمية عليهم ولأنهم فضلاً عن ذلك خالفوا سواد العرب باشتغالهم بالزراعة وبالرعي وباحترافهم للحرف والصناعات اليدوية وهي حرف يزدريها العربي الصميم ويُعَيَر من يقوم بها ويحترفها وتكمن عوامل ظهور النبط وغلبتهم على المنطقة التي عرفت بهم وتكوينهم دوله بعد أن كانوا إعراباً يعيشون عيشة ساذجة تكمن في أسباب وأسس اقتصادية قد تمكن هؤلاء النبط الأذكياء من استغلال موقع بلادهم لمرور شرايين التجارة بين العربية الجنوبية وبلاد الشام بها. ففرضوا ضرائب على التجار وعلى التجارة عادت عليهم بفوائد كبيرة كما قاموا أنفسهم بالوساطة في نقل التجارة بين بلاد للشام ومصر ومواضع من جزيرة العرب فدرّت هذه الوساطة عليهم أموالاً طائلة جعلتهم من الشعوب العربية الغنية بالنسبة إلى غيرهم ممن يسكنون البواديّ المواقع المقفرة المنعزلة بعلي 1993: ج س ص صة.

وقد جمع النبط ثروة كبيرة بفضل اشتغالها في التجارة وموقعها الممتاز الذي تلتقي عنده جملة طرق تجارية برية كانت عماد طرق القوافل في ذلك الزمن حيث إليها يصل طريق اليمن والعربية الجنوبية المهم الموازي للبحر الأحمر الذي تناولناه في الفصل السابق. وتصل بعض تلك الطرق حتى مدينة تجارية أخرى هي مدينة جرها على ساحل الخليج العربي التي تحمل إليها تجارة الهند وما وراء الهند وحاصلات إيران والعربية الشرقية لتوزع منها في الشام ومصر وموانيء البحر المتوسط. وقد عمل ملوك النبط بكل ذكاء على الاستفادة من كل تلك الطرق التجارية واستغلالها لمصلحتهمج وقد اقتضى ذلك بالطبع وضع ح13 قوي لحماية القوافل وإجراء التسهيلات الضرورية لأصحابها والاتفاق مع سادات القبائل لضمان سلامتها مقابل مبالغ تدفع لهم عن المرور بعلي 1993: ج س ص 20ة.

استقرار النبط في البحرين

          عثر في شرق الجزيرة العربية على دلائل واضحة بنناقشها لاحقاًة على استيطان جماعات 91بية تتحدث باللغة العربية الشمالية وقد عملت هذه الجماعات في الزراعة والتجارةج وتتزامن فترة استقرارهم في شرق الجزيرة العربية مع فترة استقرار النبط في شمال الجزيرة وبلاد الشام وبروزهم على الساحةج وقد عرفت أيضاً الجماعات التي سكنت شرق الجزيرة العربية باسم النبط أيضاً وعلى هذا الأساس وجد الربط بين تاري. استقرار النبط في شمال الجزيرة العربية والاستيطان في شرق الجزيرة العربيةج إلا أن هناك خصوصيات للجماعات التي استوطنت شرق الجزيرة العربية تختلف عن تلك التي استوطنت شمال الجزيرة العربية.

لا نعلم بالتحديد منذ متى بدأت جماعات من الأنباط أو 91ب الشمال الاستقرار في شرق الجزيرة العربية ومنها إلى جزر البحرين إلا أن المرجح أنهم استقروا في شرق الجزيرة العربية قبل القرن الرابع قبل الميلاد كما سنناقش ذلك لاحقاً. وقد خالطت تلك الجماعات الشعب القديم في شرق الجزيرة وذابوا فيها. وقد أستمر وجود النبط حتى مجيء موجات جديدة من هجرات القبائل العربية وأخذوا في الاندماج معهمج وقد ورد في معاجم اللغة بأنظر لسان العرب على سبيل المثالة في مادة نبط الجملة الشهيرة التي تصف سكان البحرين القديم وهي أهل البحرين نبيط استعربوا.

          ونستطيع أن نفترض أن نمط استيطان تلك الجماعات في شرق الجزيرة العربية مشابه لنمط استيطان جماعات النبط المختلفة في الجزيرة العربية حيث أن تلك الجماعات استقرت في مواقع المياه القريبة من طرق التجارة أو المراكز التجارية وبعدها تحولوا من نقلة لمتاج1 غيرهم مقابل أجر معلوم لعاملين في التجارة هم أنفسهمج لكنهم بعد ذلك اصطدموا بمشكلة كبيرة حيث اكتشفوا حاجتهم الماسة للكتابة إلا أن اللغة العربية الشمالية التي كانوا يتحدثون بها لم تكن يومئذ لغة مكتوبة بعباس 1987: ص 24ةج وبالتالي كان لزوماً على تلك الجماعات تعلم لغة التجارة السائدة في تلك الحقبة وتعلم أبجدية معينة يكتبون بها لهجتهم.

الاقتباس من العربية الجنوبية

          من خصوصيات الجماعات العربية التي استوطنت شرق الجزيرة العربية أنها كتبت لغتها العربية بحروف اللغة العربية الجنوبية وبالتحديد الخط المسند وليس بالحروف ال«رامية كما فعل نبط شمال الجزيرة العربية على الرغم من معرفتهم لل»رامية كما سنرى لاحقاً. ويعتقد أن هذه الكتابة سميت باسم المسند نظراً لاستقامة حروفها فكأن هذه الحروف مستندة إلى دعائمج وتكتب حروف المسند منفصلة لا اتصال بينها وتفصل الكلمات في النصوص بخطوط عموديةج ويكتب المسند عادة من اليمين إلى اليسار أو بالعكس بالبني 2001).

          وقد عرفت النقوش التي عثر عليها والتي كتبة بلغة 91بية شمالية إلا أنها نقشت بحروف المسند باسم النقوش الأحسائية أو الحسائية.

الكتابة الأحسائية

          تسمى الكتابة الأحسائية أو الحسائية نسبة لمنطقة الأحساء في شرق الجزيرة العربيةج وهذه الكتابة هي مزيج بين العربية الشمالية والعربية الجنوبية حيث أن اللغة المكتوبة تعتبر لغة 91بية شمالية تتميز بألفاظها وأدواتها وتختلف عن اللغة العربية الجنوبية إلا أن نقوش تلك النصوص قد كتبت بحروف 91بية جنوبية وبالتحديد خط المسند الذي تكون وتطور في جنوب الجزيرة العربية كما أسلفنا. وقد تم العثور على العديد من النقوش في شرق الجزيرة العربية والتي كتبت بالأحسائية بأي لغتها 91بية شمالية كتبت بالخط المسندة والتي يرجع تاريخها إلى 350 قخ مخ  100 قخ مخ ببوتس 2003: ج زج ص 771ة. وغالبية النقوش التي عثر عليها كانت من منطقة ثاج إلا أن هناك نقوش عثر عليها في القطيف وعين جاوان والعواميةج وقد عثر على نقش واحد من خارج شرق الجزيرة العربية وبالتحديد من الوركاء في العراق ببوتس 2003: ج زج ص 751  752ة. ويعتبر لوريمر أول من أشار لتلك النقوش في ثاج وذلك عام 1908م وذلك عند وصف وادي المياه ببوتس 2003: ج زج ص 751ة إلا أن وينت بعام 1946م) يعتبر أول باحث تعرف على أن هذه النقوش التي كتبت بالخط المسند تعتبر مجموعة مستقلة قائمة بذاتها محددة على أساس اللغة والثقافة والجغرافيةج وفي عام 1966م تم تسمية هذه النقوس بالحسائية او الأحسائية وذلك من قبل الباحث جام بقزدر وآخرون 1984م).

          لاحظ تزامن ظهور الكتابة الأحسائية مع ظهور العملة الخاصة بشرق الجزيرة العربية الشبيهة بعملة الإسكندر وهي ذاتها الحقبة التي يعتقد أن مملكة هج1 تكونت فيها في شرق الجزيرة العربيةج وهذا ي922 نظرية تكون هوية محلية كونت سلطة سياسية تسلمت الحكم في فترات متقطعة في تلك الحقبة كما سبق وأسلفنا في فصل سابق.

*'JDH3 H'D*#+J1'* 'D

التأثر باللغة ال«رامية

          بلا شك كان يتوجب على شعوب شرق الجزيرة العربية تعلم ال»رامية لتسهل التعامل مع مراكز التجارة في بلاد الرافدين حيث أستق11 عدد من الشعوب السامية التي تتحدث باللغة ال«رامية في بلاد الرافدين وقد أصبحت اللغة ال»رامية لغة الدولة الرسمية في الفترة الأخمينية ببوتس 1983ةج إلا أننا لا نعلم بالتحديد منذ متى بدأ التعامل بالآرامية في شرق الجزيرة العربية فأقدم ما عثر عليه من لغة خاصة بشعوب هذه المنطقة هي لغة النقوش الأحسائية والتي لا نعلم كم بقيت محكية في هذه المنطقة. ويحتمل أن استعمال اللغة الآرامية كلغة مكتوبة حل تدريجياً محل اللغة المدونة بها النصوص الأحسائية مع بقاء الشعوب على 91بيتهم. وفي فترة زمنية ما أصبح كلًا من اللغة ال«رامية والأحسائية متزامنتين حيث عثر على نقشين اعتبرا مزدوجي اللغة مكتوبين بالإحسائية و ال»رامية ببوتس 2003: ج2 ص 981ة.

أما في ما يخص استعمال اللغة ال«رامية فقد عثر على العديد من النقوش التي كتبت بال»رامية في جزر البحرين وجزيرة فيلكا وشرق الجزيرة العربية وحتى في الإمارات العربية المتحدةج وقد قام كل من وealey و Seray بنشر تلك النقوش مجموعة في بحث واحد حول وجود اللغة الآرامية في الخليج العربي بوealey and Seray 2000ة.

وهناك بينة أخرى تدل على استعمال اللغة الآرامية في شرق الجزيرة العربية وهي بينة أدبية لا نقشية ب إبيغرافية ة حيث كانت اللغة السيريانية لغة الطقوس الدينية عند السكان النصارى الذين يمثلون الغالبية في البحرين وشرق الجزيرة العربية. ويمكن تتبع أصول هذه اللغة في الحد الأدنى حتى آخر القرن الرابع الميلاديج ويفترض أن استعمالها استمر ما دامت النصرانية ممارسة في تلك المنطقة ببوتس 2003: ج2 ص 984ة.

سنناقش وجود الديانة المسيحية في البحرين بصورة مفصلة في فصول لاحقة ولكن يجب التأكيد هنا أن اللغة الآرامية أو السريالية لم تدخل للمنطقة بسبب الديانة المسيحية بل عرفت قبلها بقرون حيث أن الثابت من النقوش التي عثر عليها أن اللغة الآرامية كانت متداولة في هذه المنطقة خلال القرن الثالث المتأخر قبل الميلاد واستمر استعمالها فيها في إقامة الطقوس الدينية مدة طويلة بعد الفتح الإسلامي ببوتس 2003: ج2 ص 981ة.

تايلوس والتأثيرات الآرامية والعربية الجنوبية