تاريخي

تاريخ البحرين للشيخ محمد علي آل عصفور

fish1كتاب تاري. البحرين تأليف الشيخ محمد علي آل عصفور، وهو من الكتب المشهورة والقيمة، ويحوي الكثير من المعلومات الثمينة في عدة جوانب من تاري. البحرين. وهنا ننقل لكم الكتاب كاملاً لكي تستفيدوا منه في البحوث والقراءة، واللطيف أن الكتاب يبدأ من الفهرست.
بسم الله الرحمن الرحيم
الفهرس
الباب الأول في عدد قراها وأساميها وغير ذلك من المطالب
الباب الثاني في أقسام فواكهها ورطبها وتمرها
الباب الثالث في عيونها
فائدة جليلة
فضيلة عظيمة
حكاية حسنة
فائدة
جوهرة فاخرة
الباب الرابع في ذكر ملوك البحرين وما وقع عليها
الباب الخامس في ما وقع عليها بعد ظهور الإسلام
الباب السادس في ذكر مشايخ آل مذكور جعلهم الله في دار السرور
الباب السابع في نبذة من مكاتبات السلاطين مع مشايخ آل مذكور
فصل في أسماك البحرين وحوتها
فصل في ذكر تكون اللؤلؤة
الباب الثامن في ذكر مواضع البحرين التي ضبطها صاحب القاموس
الباب التاسع في ذكر وقعات البحرين وما صدر عليها
الباب العاشر في قصة الوزير مع أهل البحرين بالرمانة
حادثة غريبة
جزيرة خارك
الباب الحادي عشر في ذكر محاسن أهل البحرين وأدبائها وعلمائها

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي فاوت بين العباد، وفضّل بعض خلقه على بعضٍ حتى في الأمكنة والبلاد، والصلاة والسلام على أشرف الموجودات محمد وآله السادة الأمجاد.
وبعد، فيقول الراجي لعفو ربه الغفور محمد علي آل عصفور: إن الناس قد صنّفوا كتب التواري. والسير، وذكروا ما وقع في العالم من أبناء البشر، حتى لا يتركوا منها أرضاً إلا عينوها طولاً وعرضاً، ووصفوا البلدان شرقاً وغرباً، وقطّعوها إرباً إرباً، لأن منهم من أتى على ذكر مصر وإفريقيا، وأيام الفراعنة والأكاسرة، والخلفاء الأمويين، ومنهم من رغب في ذكر بغداد والأهوال والشداد والخلفاء العباسيين والسلاطين السلاجقة، ومنهم من تعلّق قلبه بذكر الهند وأفيالها، فأتى بما يكشف عن حالتها، وكم ألّفوا في وصف البلدان كتاباً، وقالوا صواباً، إلا أنهم ـ شكر الله سعيهم ـ ما رمّموا في ذكر البحرين فصلاً ولا باباً، أو ذكروا وتقصّوا خطاباً، اللهم إلا أن يقال إنهم اقتصروا على الزبد، واختصروا ومالوا في المطالب إلى قول المتأخرين واقتصروا.
إذ البحرين من المدن العظيمة، ولها ذكر في الجغرافية القديمة، مع ما فيها من الوقائع، وما خرج عنها من الودائع، فلذا أحببت تأليف كتاب مستقلّ حيث أذكر تلك القرى الفاخرة التي تخرج منها القرى الظاهرة، حتى يسير فيها من كان خبيراً وبالمطالب بصيراً، وبالله أستعين، فإنّه خير موفّق ومعين.
فأقول: اتّفقت كلمة علماء الجغرافية قديماً وحديثاً على أن البحرين جزيرة من جزائر بحر فارس، وإنما سميت “البحرين” لأنها واقعة بين بحر عمان وبحر فارس.
قال المسعودي بعد ذكر جمل من الأخبار عن البحر الحبشي ومقداره وسعة خلجانه ما هذا لفظه: ويتشعّب من هذا البحر خليج آخر وهو بحر فارس، وينتهي إلى بلاد الأبلة والخشبات وعبّادان من أرض البصرة، وعرضه في الأصل خمسمائة ميل، وطول هذا الخليج ألف وأربعمائة ميل، وربما يصير عرض طرفيه مائة وخمسين ميلاً، وهذا الخليج مثلث الشكل، ينتهي أحد زواياه إلى بلاد الأبلة، وعليه مما يلي المشرق ساحل فارس من بلاد دورق الفرس، ـ إلى أن قال ـ: ويقابل ما ذكرنا من مبدأ ساحل كرمان والسند بلاد البحرين وبلاد عمان، وفي ذلك الساحل مدينة البرارة والقطيف من ساحل هجر، وفي هذا الخط وقعت جزائر كثيرة مثل جزيرة خارك وخاركو، وبينه وبين بوشهر فراس. فيها مغاص اللؤلؤ، ـ إلى أن قال ـ: وهذا البحر وهو خليج فارس ويعرف بالبحر الفارسي، عليه ما وصفنا من البحرين، وفارس، والبصرة، وعمان إلى رأس الجمجمة، ومن البحرين إلى بوشهر ثلاثين فرسخاً، وفيها عيون كبار كعين السجور، وسيأتي تفصيله إن شاء الله.
والأحساء واقعة من طرف قبلة البحرين، والقطيف على سمت شمال البحرين، وهذه الجزيرة شراعية الشكل، قال بعض علمائنا: إنها كالشراع المرمي على البحر الموّاج.
قال الدميري: ومن مسقط إلى رأس الجمجمة خمسون فرسخاً وهذا آخر بحر فارس، وطوله أربعمائة فرسخ، وفي هذا البحر جزائر كثيرة كعمان، والخطّ (الخاركي)، ومسقط، والبحرين، والقطيف، والأحساء، ـ إلى أن قال ـ: ورأس الجمجمة جبل متّصل ببلاد اليمن، فمن هنالك تنطلق المراكب إلى البحر الثاني، وأما البحرين وجزيرة خارك ففيهما مغاص اللؤلؤ، وللغواص واللؤلؤ وحيوانه أخبار عجيبة.
وبالجملة فالبحرين على ما قيل: عبارة عن مملكة وسيعة وساحة فسيحة، من جانب ينتهي إلى البصرة و«خر إلى عمان، فبمرور الأيام والشهور قطّعوها وأخذها الأجانب، وأما ال»ن فالبحرين يطلق على جزيرة أوال فقط، فطوله من الشمال إلى الجنوب سبعة فراسخ، ومنتهى عرضها فرسخين، وأغلب أهاليها إماميّ المذهب، وعدد نفوسها ـ على ما قيل ـ مائة وخمسين ألفاً، والظاهر أنه أكثر، فالتّجار وأهل المراكب وأرباب المعاملات مقيمون في بندر المنعمة المشهور بالمنامة، وحكّامها وأهل المناصب ساكنون في المحرّق، وهما من أكبر العمران فيها.
قال شيخنا العلاّمة الشيخ ياسين: والخطّ سيف البحرين وإليه تنسب الرماح الخطية، وفي القاموس مثله، إلا أنه قال: لأنها تُحمل من بلاد الهند وتُباع هنا.

الباب الأول
في عدد قراها وأساميها وغير ذلك من المطالب
قد يطلق أوال على البحرين جميعاً تسمية للشيء باسم جزئه، كما يطلق هج1 عليه.
قال في القاموس: هج1 اسم لجميع أرض البحرين، قال بعض مشائخنا: أوال وهي بفتح الهمزة، جزيرة عظيمة معمورة بالعلم والعمل حتى أنّه ورد فيها عنه صلى الله عليه وآله وسلم: “إذا فقدتم العلم فاطلبوه من البحرين”، لا يقدر أحد أن يحيط بوصفها، وما وقع عليها تفصيلاً.
قال في القاموس: أوال كسحاب، جزيرة كبيرة بالبحرين عندها مغاص اللؤلؤ، وذكر بعض شارحي الهمزة أنه يجوز ضم الهمزة، إلى أن قال ـ قدس سره ـ: وهي الآن مختصة باسم البحرين عند الإطلاق، وإن كان في الأصل وعند عدم التقييد يطلق لفظ البحرين على الخطّ والأحساء، وفي الحديث: “لو غلبونا حتى يبلغوا بنا السعفات من هج1 لعلمنا أننا على الحق” ـ وهج1 هنا البحرين ـ.
وفي الخبر: عجبت لتاج1 هج1 وراكب البحر، أي إن تاجرها وراكب البحر سواء، وفيها قرى متعددة.
قال بعض مشائخنا: كان عدد قرى البحرين في الزمان السابق بعدد أيام السنة، وبظلمهم ما بقي ال«ن سقوفها وفروشها على عروشها، والقري معمورة ال»ن أزيد من مائتين، فمنها: المنامة، والمحرق، والسماهيج، والجفير، والحورة، ورأس رمان، ونعيم، ومني وكتكان، وكرزكان، وسنابس، والدية، وكرباباد، والقلعة، وكرّانة، وجد الحاج، وحنينان، وآيار، وجبل الدخان، وجزيرة أم النعسان، والشريبة، والبديع، والدار، وبني جمرة، وسار، والضلع، وعالي، وبوري، والجزيرة، والحجر، وأُكُل، وهجر، والقدم، وأبو قوة، والسهلة، وجدحفص، والهملة، والرويس، وباربار، وأوال، وسترة ـ وهي خمس قرى ـ والرفاع، وبلاد القديم، وكورة، وتوبلي، والغريفة، ودار كليب، والزنج، والسقية، والجبيلات، والحلة الصغيرة، وجو ـ وهي الواقعة في منتهى جنوب البحرين ـ والمشهد، وأبو صبيع، والمصلى، وجبلة الحبش، والماحوز، والقرية، والمرخ، ودمستان، ومقابة، والبستان، والقرية الخارجية، والدونج، وعراد، والعقير، وجور، وصدد، وسند، ولقبيط، وجنبة، وجدعلي، وهلتا، وعالي حويض، والحلة الكبيرة، وحلة علي، والشويكة، وصداغة، وبني، وقريق المزارعة، وشهركان، وعين الدار، وسلماباد، وجروزان، وحرنان ـ قريتان بالبحرين كبرى وصغرى ـ ذكرها في القاموس، وغير ذلك مما يأتي في حالات العلماء والأدباء في هذه الجزيرة.

الباب الثاني
في أقسام فواكهها ورطبها وتمرها
وهي الموز، واللوز، والخوخ، والترنج، والرمان، والتين، والمشمش، والصبّار ـ وهو نوع من التمر الهندي ـ وفيها شجرة الحناء، والسدر، والطوف.
وأما رطبها وتمرها فهما على أنواع: وهي الخنيزي، ومرزبان، وسلمى، ونفول، وخصّاب، ومهز، وخلاص، وخصايب العصفور، وحلو تاروت، وحلو أبيض، وفرناج، وماجي، وخضيري، وشريفي، ومدلل، ومبكر ـ وهي أول نخلة يوجد فيها الرطب ولذا سميت بمبكر ـ وآزاد، ورطب الحمري، والشنبري.
وبالجملة فمن خصائص هذه الجزيرة أن الرطب يوجد فيها ثمانية أشهر ولا يوجد في غيرها بهذا المقدار، وكانت في السابق من أكثر البلاد تمراً، وأطيبها رطباً، حتى ضربوا بها المثل المشهور: “كناقل التمر إلى هجر”.
قال في المعجم: إن هج1 مدينة كبيرة واقعة في البحرين، كثيرة من النخل والرمان، والزيتون، والتين، والأترج، والقطن، ـ إلى أن قال ـ ومن عجائبها أن من سكنها عظم طحاله ـ إلى أن قال ـ وبقلالها شبّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقلل الجنة، وهي الواقعة في إقليم أوال ـ إلى أن قال ـ فيها من العلماء والزهاد والعباد والأدباء والشعراء ما لا يحصى.

الباب الثالث
في عيونها
وفيها من العيون ما لا تحصى، وأما العيون الكبار: فعين القصاري: وهي الواقعة في بلاد القديم، وعين العداري: وهي الواقعة في السهلة، وعين أبو زيدان: وهي الواقعة في المشهد، فأما عين السجور: وهي من أكبر العيون وأكثرها نفعاً ودفنها عبد الملك بن مروان.
قال جدي العلاّمة الشيخ يوسف ـ قدّس سرّه الشريف ـ في كشكوله نقلاً من كتاب معتبر يشتمل على جملة من فضائل علي عليه السلام وأخبار تدخل في ذلك الباب ما لفظه: وأما ما كان من خبر أهل الشام فإنّه لما قُتل عامر بن الطفيل بن ربيعة الشيباني وجاءت الأخبار بذلك إلى الشام، وقد كان قد مات مروان بن الحكم وتولّى الأمر من بعده عبد الملك بن مروان، فسار بنفسه إلى الكوفة في ألوف لا يحصي عددهم إلا الله، وقد آلى على نفسه أن لا يبقي بها أحداً من شيعة علي عليه السلام إلا قتله، فلما سمع بذلك إبراهيم بن مالك الأشتر، وصعصعة بن صوحان، وعمرو بن عامر الهمداني المعلم، وجماعة من خواصّ الشيعة، هربوا من عبد الملك إلى جزيرة البحرين، وكان زيد بن صوحان العبدي والياً عليها من قِبل الحسن عليه السلام، ولم يتمكن من عزله بنو أمية خوفاً من أهل البحرين لأنّهم لم يسلّموا أمراً إلى بني أمية أبداً، وهم كانوا أشجع أهل الدنيا وأقواهم جناناً، وأفصحهم لساناً، وأحبهم لأمير المؤمنين عليه السلام قلباً.
قال: فبقي زيد بن صوحان حاكماً في البحرين إلى زمان عبد الملك بن مروان، إلى أن هرب عنده الجماعة المذكورون، فتبعهم عبد الملك إلى القطيف وأرسل إليهم من أصحابه إلى البحرين، فدافعت عنهم أهل البحرين، وقتلوا جميع من أرسلهم عبد الملك، فجاء إليه الخبر وهو في القطيف بأن أهل البحرين قتلوا جميع أصحابه الذين أرسلهم إلى أهل الكوفة، فلما سمع بذلك حشّد عليهم من الأعراب والبوادي ما لم يعلم عددهم إلا الله، وانحدر على أهل البحرين عبد الملك بنفسه، وجلس في الطرف الغربي، وكان مخيمهم من أول الدراز إلى بني جمرة، حتى ملأت عساكره الأماكن والفلوات، وقلعة البحرين يومئذٍ في بلاد القديم عند المشهد، وهي القلعة التي بناها الملك دقيانوس وهو الذي ادّعى الربوبية، وهربوا عنه أصحاب الكهف، والرقيم جبل في الأحساء، وكان زمان هذا الملك في الفترة التي ما بين موسى بن عمران وعيسى بن مريم عليهم السلام، وبقيت هذه القلعة إلى زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإلى زمان بني أمية، وكانت بيوت أهل البحرين يومئذ متصلة من خلف القطاع الجنوبي إلى باربار وإلى كرزكان، وكان الرجل من أهل البحرين في ذلك الزمان يعد بألف فارس.
قال ثم أنّه لما انحدر عليهم عبد الملك جعل زيد بن صوحان على القلعة من يحرسها وخرج مع أهل البحرين إلى قتال عبد الملك، وجعل إبراهيم بن مالك الأشتر، وسندر معهما عسكر كبير في وسط البلد، وجعل سهلان بن علي ومعه أهل الأطراف الشرقية على الشرقية، وجعل صعصعة أخاه وهو أغلب عسكره في الطرف الجنوبي، وجلس الأمير زيد بن صوحان في كرزكان ومعه أهل الأطراف الغربية، ثم وقعت الحرب بينهم وبين عبد الملك، ووقعت بينهم مقابلة عظيمة يطول شرحها في هذا المكان، قال: فلما رأى عبد الملك الشجاعة من أهل البحرين وقوة بأسهم على الحروب، ورآهم أفرس أهل الدنيا، وكان يخرج عليهم بخمسين ألف وبالمائة ألف من أصحابه فيحصدهم أهل البحرين حصد السنبل، حتى كادوا يقتلون عبد الملك، فأشاروا عليه بعد ذلك أرباب دولته بأن يستميل أهل البحرين بالرشاء والعطاء، فاستمال جهّالهم وأشرارهم بذلك، وأغرى بعضهم على بعض، فقتل شرارهم خيارهم، وقتلوا أخا زيد بن صوحان والجماعة الذين خرجوا معهم من الكوفة والذين نصروهم من أهل البحرين.
قال: فلما ظفر عبد الملك بالبحرين وأهلها، أحضر أهل الأطراف الذين نصروه والذين استأمنوا، ودعاهم إلى الخروج من التشيع، فأبوا أن يخرجوا من دينهم وامتنعوا عليه وقد أخذهم الندم على قتلهم أخيارهم، فلما نظر عبد الملك إلى بعضهم وإظهارهم العداوة، خاف منهم خوفاً شديداً، فقال لهم: طيبوا نفوسكم فإني أترككم على دينكم ولكم عندي ما أردتم، ولكن أريد منكم أن تكونوا في جزيرتكم هذه ولا أحد منكم يحمل السيف ولا العصي ولا يشد وسطه إلى حرب أبداً، ولا أحد ينقل السلاح ولكم عليَّ أن لا «خذ منكم شيئاً من خراج بلدكم، ولا »خذ لكم بعد سنتي هذه، وهذا العهد بيني وبينكم، وعليَّ في ذلك عهد الله وميثاقه.
قال: فحالف أهل البحرين على ذلك، وكتب الله عليهم الذلّة، فلم يشدّوا أوساطهم بعد ذلك إلى الحرب، ولم يقتتلوا إلى يومنا هذا.
ثم إنّ عبد الملك دفن عين السجور، وكانت أقوى عين في البحرين، ودفن عيوناً كثيرة منها، لأن مراده ضعف أهل البحرين، وولّى راجعاً بعد ذلك، انتهى.
يقول جامع هذه الطرف ومهدي هذه التحف: إن هذه الحكاية وإن كانت لا تخلو من ركاكة في التعبير وخلل في التحبير، مع إصلاح كثير منها حال النقل، إلا أن مضمونها موافق لما هو الموجود الآن في تلك البلاد ومشهور بين الخلف من قبور أولئك الأمجاد، فإن قبور هؤلاء المشار إليهم كلّهم موجودة في البحرين، اتّخذوها مزارات يتبركون بها وينذرون إليها ويقصدونها من كلّ جانب ومكان، سيما قبر صعصعة وأخوه زيد بن صوحان.
وأما عين السجور ـ بالسين المهملة ثم الجيم ـ المشار إليها في «خر الخبر، فموقعها في قريتنا من البحرين بقرب الساحل، والنظر فيها ظهر من »ثار تلك العين، وسعة دائرتها الموجودة الآن يدل على قوّتها وغزارة مائها، وكان ذلك الملعون قد أحكم رجمها بالحجارة الهائلة والصخور الثقيلة، وأخفى أثرها بالكلية، وبقيت كذلك إلى زمن الحاج يوسف الناصر وكان من أكابر أهل البحرين وأعيانهم المشار إليهم، وكان ذا حدس صائب وفكر ثاقب في استخراج المياه من الأرض، وقد استخرج عيوناً كثيرة مبتكرة، فعمد من جهة الغرب إلى إخراج مائها وضرب خيامه عندها، ووضع العملة فيها، وأخرج منها أحجاراً وصخوراً ـ على ما ذكرنا ـ يعج2 المائة رجل على سحب واحدة منها، وقد نحتها ذلك الملعون من جزيرة بقرب البحرين تسمي ـ قدا ـ وبقي العمل فيها حتى لما قرب خروج أول مائها، جاء رجل من العملة إلى الحاج يوسف المرقوم، وقال: إني رأيت في المنام أن هذه العين في صورة امرأة وهي تريد ثوراً سميناً، فأسرَّ الحاج يوسف في نفسه أنه ذلك الثور السمين، وأخذته الواهمة، فمرض وثقل حاله في ذلك المرض حتى مات، وبقيت على ما هي عليه إلى ال«ن، وإلى ال»ن بعض تلك الأحجار موجودة حول العين، وبعض قد سحبه الناس ووضعوه في أساس البيوت، وكانوا إذا همّوا بسحب شيء منها تجتمع لها جموع عديدة من الرجال، والله العالم بحقائق الأحوال.
فائدة جليلة.
ذكر أبو جمهور الأحسائي ـ قدّس سرّه ـ في كتاب عوالي اللئالئ ـ نقلاً عن ابن عباس ـ قال: أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة لجمعة في عبد القيس بجواثا ـ وهو اسم حصن بالبحرين ـ وفي هذا الحديث دليل على أن أهل البحرين كانوا أفضل من أهالي أكثر البلدان، وللبحرين مزية وفضيلة كما سيأتي نبذة منها إن شاء الله.
قال جدي العلاّمة ـ أعلى الله مقامه ـ في كشكوله: حكى لي والدي ـ قدّس سرّه ـ أن السبب في مجيء والد البهائي ـ قدّس سرّهما ـ إلى البحرين، أنه كان بمكة المشرفة وقد قصد المجاورة فيها فرأى في المنام كأن القيامة قد قامت، وقد أمر بالبحرين أن تدفع بأرضها إلى الجنة، فاختار الانتقال من مكة المعظمة، وأتى البحرين وجاور فيها حتى توفي ـ رحمه الله ـ ولما سمع بقدومه علماء البحرين، وقد كان جملة من الفضلاء يجتمعون للدرس والتدريس في مسجد جدحفص، ومنهم العلاّمة الشيخ داود بن أبي شافير، وكان ذلك الوقت قد خرج الشيخ داود المزبور من قرية جدحفص لمباغضة حصلت بينه وبين بعض علمائها، فلما سمعوا بقدوم الشيخ حسين بن عبد الصمد والد الشيخ بهاء الدين ـ قدّس سرّه ـ عرفوا أنه بعد مجيئه ربما يحضر إلى المسجد في يوم الدرس، وكان الشيخ داود ذا يدٍ طولي في علم المناظرة والجدال، فمضوا إليه وصالحوه، وحضر المسجد كما كان سابقاً.
فلما ورد الشيخ ـ قدّس سرّه ـ سأل عن محل مجمع الفضلاء في البلد، فأخبروه باليوم الذي يحضرون فيه في المسجد المزبور، فاتفق حضوره في بعض الأيام، وجرى البحث بينه وبين الحاضرين، فتولّى ذلك الشيخ داود وأطال النزال والجدال معه، فلما انصرف الشي. أنشأ هذين البيتين ثم لم يحضر بعد هناك حتى توفي ـ انتهى ـ.
أناس في أوالٍ قد تصدّوا لمحوا العلم واشتغلوا بلمم
فإن باحثتهم لم تلق منهم سوى حرفين لِمْ لِمْ لا نُسَلِّم
وقال البهائي ـ قدّس سرّه الشريف ـ يرثي والده الشي. العلاّمة حسين بن عبد الصمد، وقد توفي بالمصلى من قرى البحرين لثمان خلون من شهر ربيع الأول سنة أربع وثمانين وتسعمائة عن ست وستين سنة وشهرين وسبعة أيام، ومولده أول يوم من محرم سنة ثمانية عشرة وتسعمائة ـ رحمه الله تعالى ـ.
قف بالطلول وسلها أن سلماها ورق من جفن الأجفان جرعاها
وردّد الطرف في أطراف ساحتها وأرجّ الروح من أرواح أرجاها
فإن يفتك من الأطلال مخبرها فلا يفوتنّك مرآها ورؤياها
ربوع فضل تباهي التبر تربتها ودار أنسٍ تحاك الدّر حصباها
إلى أن قال ـ طاب ثراه ـ.
فالمجد يبكي عليها جازعاً أسفاً والدين يندبها والفضل ينعاها
يا حبّذا أزمنٌ في ظلّهم سلفت ما كان أقصرها عمراً وأحلاها
أوقات أنسٍ قضيناها فما ذُكرت إلا وقطع قلب الصبا ذكراها
يا جيرة هجروا واستوطنوا هجراً واهاً لقلب المعنّى بعدكم واها
رعياً لليلات وصل بالحي سلفت سقياً لأيامنا بالحيف سقياها
لفقدكم شُق جيد المجد وانصدعت أركانه وبكم ما كان أقواها
وجُزّ من شامخات العلم أرفعها وأنهد من باذخات العلم أرساها
يا ثاوياً بالمصلّى من قرى هج1 كُسيت من حلل الرضوان أضفاها
أقمت يا بحر بالبحرين فاجتمعت ثلاثة كن أمثالاً وأشباهاً
ثلاثة أنت أنداها وأغزرها جوداً وأعذبها طعماً وأصفاها
حويت من درر العليا ما حويا لكن درّك أعلاها وأغلاها
ـ إلى أن قال ـ.
ويا ضريحاً علا فوق السماك علّي عليك من صلوات الله أزكاها
فيك انطوى من شموس الفضل أضواها ومن معالم دين الله أسناها
ومن شوام. أطواد الفتوة أرساها وأرفعها قدراً وأبهاها
فاسحب على الفلك الأعلى ذيول علي فقد حويت من العليا أعلاها