قرى البحرين

الصمّان وأم الصمّانة: القرية المندثرة

الصمّان وأم الصمّانة: القرية المندثرةالصمّان وأم الصمّانة: القرية المندثرة

شرح التعريف بها وبموقعها:
تسمى هذه القرية بالصمّانة أو أم الصمّانة بفتح الصاد وتشديد الميم، وتقع في جنوب جبل الدخان من جزيرة البحرين، بالقرب من أم جدر، وهي إحدى قرى البحرين البائدة ولا ذكر لها في هذه الأيام، ومما يدلل على قرويتها لتكون مدرجة ضمن قرى البحرين البائدة هو نسبة بعض العوائل لهذه القرية كما سيأتي.

 

شرح المنطقة الجنوبية وبعثات التنقيب:
تعتبر الصحراء المحيطة بجبل الدخان والمنطقة الممتدة من جنوب شجرة الحياة إلى رأس البر، منطقة اكتشفت فيها البعثات التي كانت تنقب «ثاراً تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، أي 50,000 إلى 70,000 ق.م ب[ر]ة، أي أن »ثار الحياة كانت موجودة في هذا القسم من جزيرة البحرين ما قبل 7000 عام تقريباً حيث كانت هناك حياة وكانت آثار وجود الإنسان كأي جزء من أجزاء الجزيرة المأهولة بالسكان. طبعاً كانت ال»ثار تؤكد وجود الإنسان بمرحلته البدائية على هذه الأرض.
وقد رأيت بنفسي أن في المنطقة الجنوبية وبالخصوص بالقرب من حلبة البحرين الدولية بالفورمولا آثاراً لقبور تشبه ما يعرف بقبور عالي على إحدى التلال، ولا يخفى على من بحث في التاري. أن هذه القبور تعود لفترة زمنية موغلة في القدم وعلى ما لاحظه أحد الباحثين بقوله: [مدينة دارسة لا يعرف لها تاريخ، كأن سكانها خلقوا وماتوا قبل أن يكتشف الإنسان القراءة] ب[ز]ة وهذه ملاحظة مهمة في فهم الحقبة التاريخية لقبور عالي التي تملأ أرجاء البحرين وإلى الآن لم يحدد التاريخيون شيئاً دقيقاً حول هذه القبور وما هي إلا تخمينات.
من ناحية أخرى ينقل التاج1 في كتابه “عقد الل«ل” وجود »ثار في هذه المنطقة ووجود حياة ومدن قديمة وأطلال ومنازل ب[س]ة _ الآن لا أثر لها بعد تنقيبات النفط وتملك الأراضي للمتنفذين _ وإهمال هذا الجانب من تاري. البحرين هي مسؤولية إدارة المتاحف وال«ثار التي أخفقت كثيراً في حماية »ثار هذه الأرض أمام طمع حب التملك.
شرح البعثة الدنماركية [العام 1953م]:
وأوضح التصوير الجوي في منطقة الممطلة ب[ش]ة وحولها، بأنه حيث ما وجدت عيون الماء وجدت مستوطنات العصور الحجرية، وبالفعل تمكنت البعثة من التعرف على بقايا عدة مستوطنات من هذا النوع كما تعرفت على مواقع كثيرة لأحجار الصوّان في صحراء جزيرة البحرين، من بينها مواضع تشبه إلى حد بعيد ورشات عمل الإنسان الأول، توجد بين عيون ماء قد جفت منذ زمن بعيد، عثرت فيها على عدد غير محدود من قطع حج1 الصوّان المشذبة ورقائق، منها ما هو مربع الشكل ومنها ما هو مقطوع من أحد أطرافه وأخرى طويلة محدبة ب[ص]ة.
بيد أن الأمر بحاجة لدراسة جديّة عن أسباب انعدام الحياة في هذا الجزء من الجزيرة وما هي أسبابه وهل تعود لتغيرات طبيعية في البيئة أو جيولوجيا المنطقة كان منها انعدام الماء من الجزء الجنوبي حيث كانت البحرين أشبه ببركة ماء ينبع منها الماء الحلو من كل مكان حتى في البحر فكانت خضراء على مدى آلاف السنين حتى كانت كالجنة الخضراء واستحقت أن تكون الأرض المفقودة أو الجنة كما تصورها كتب الحضارات الأخرى أو ما يعرف بأرض الخلود، وكان السبب الرئيس في هذا الأمر هو وجود الماء يقول الله جل وعلا: “وجعلنا من الماء كل شيءٍ حي”، أم أن هناك أسباباً أخرى أدت لانعدام الحياة في هذا الجزء كالأسباب التي بحثناها في اندثار القرى فالمجال ما زال مفتوحاً حتى يتم الوصول للحقيقة العلمية غير المتيقنة.
فيتلخص مما سبق أن الحياة كانت موجودة في الجزء الجنوبي من جزيرة البحرين لآلاف السنوات قبل الميلاد وليست هي أرض لم تسبق بها الحياة وعليه فهناك سند تاريخي يثبت وجود أمثال هذه القرى في تلك النواحي من البحرين.
شرح المصادر التي وثقت وجود هذه القرية:
تطرقت بعض المصادر التي سنذكرها لوجود هذه القرية والتي هي مرددة بين الصمّانة وأم الصمّانة وفيما يلي نذكر من هذه المصادر التي توفرت لدي وهي:
شرح “حاضر البحرين وماضيها” للشي. إبراهيم المبارك المتوفى في العام 1399هـ، يقول عنها: [صمّان، كحسّان وهي اليوم خراب]. ب[ض]ة
شرح قصيدة الغريفي: وهو العلامة السيد شبر السيد عدنان المتوفى في العام 1288هـ – 1871م. يقول في تعداده لقرى البحرين:
بالفارسـية فالسهلان فالسند فسبسبٍ فنقا الصمّان فالصدد. ب[ط]ة وكلمة نقا، على ما في مختار الصحاح: مقعر كثيب الرمل. ب[ظ]ة ولا علاقة لها بالمكان فإن الشعراء يستخدمونها حين يصفون الأماكن كعادتهم سيما في البيئة العربية التي لا تنفك عن ذكر الصحراء والبراري وما يتعلق بشؤونها كالكثبان الرملية.
والجدير بالذكر أنني وجدت تعليقاً على نفس المخطوط على كلمتي نقا الصمّانة جاء فيه: [نقا الصمّان قرية في جنوب أوال، آخر جبل الدخان جنوباً بها عين ماء تعرف بها]. ولا أعلم من الذي كتب التعليقة وغالب الظن أنها مستحدثة على القصيدة بشكل تعليقات وتوضيحات من الناس. والله تعالى العالم.
شرح الخارطة الرسمية للبحرين والمطبوعة ضمن الأطلس العربي “جيوبروجكت”: وحددت موقعها في الجزء السفلي بالجنوب للجزيرة بإحداثيتين هما: الصمّان، وعين أم الصمّان.
شرح كتاب “من تراث البحرين” للمرحوم الشيخ محمد علي الناصري رحمه الله، حيث عد هذه القرية ضمن قرى البحرين البائدة. ب[ع]ة على أن الطريق لموسوعته حول قرى البحرين غير مفتوح وإلا لكانت لدينا معلومات أكثر حول هذه القرى.
شرح وثائق تتضمن أسماء تنتمي لهذه القرية ضمن مكتبة الوثائق الخاصة بكاتب المقالة.
ملاحظة: لم يذكر هذه القرية المؤرخان محمد خليفة النبهاني، في “التحفة النبهانية” ولا ناصر بن جوهر الخيري في “قلائد النحرين” حيث يظهر أن لهما منهجاً «خر في تقسيمات القرى والمناطق، ولم يذكرها العصفوري في “تاري. البحرين” ولا الشي. التاج1 في “عقد الل»ل” وهو من غريب أمر الأخير الذي استقصى أخبار قرى البحرين.
شرح بحث في أصل التسمية:
بحسب المصادر اللغوية والجغرافية معاً استطعت أن أحصر هذا البحث وهذه التسمية في ثلاث نقاط، وقبل الخوض فيها أؤكد على أن أصل التسمية بالصمّانة هو عربي وليس فارسي المنشأ لأن أصله في اللغة الفارسية يكاد يكون منعدماً، وبعد استثناء الأصل اللاتيني أيضاً ينحصر أصل الاسم في الأصل العربي كما بينا سابقاً حول أصول مسميات القرى، ويمكن أن نحصر ونلخص ما ذكر في المعاجم وكتب التاري. واللغة عن هذه التسمية في ثلاثة اتجاهات:
الاتجاه الأول: إن كلمة الصمّان مأخوذة من “الصمّ” وهو من به الصمم، وهو غير عزيز في لهجة أهل البحرين فإنه لمناسبة ما أطلقت صفة الصمان على هذه القرية ويؤيده كلمة “أم” المضافة ولكن لغياب المناسبة وعدم معرفة السبب لا يمكن معرفة أصل التسمية. هل كان بها جماعة من الصم مثلاً فلزمهم اللقب؟ ولا يمكن الجزم بها. ويؤيده ما نقله ابن منظور من قول الشاعر: يدعو بها القوم دعاء الصمان. ب[رذ]ة
الاتجاه الثاني: اسم علم لمكان هو الآن في المملكة العربية السعودية، وقال في نزهة المشتاق: [ومن أراد المسير من اليمامة إلى البصرة… ثم يسير ثلاث مراحل أخرى إلى الصمّان وهي قرية عامرة يسكنها قوم من العرب جياع عراة قد كتب الفق11 لهم بأمان…] ب[رر]ة فيظهر أنها في بر الجزيرة العربية. وجاء في أشعار العرب كما عن النابغة الجعدي قوله:
أيا دار سلمى بالحرورية اسلمي ت إلى جانب الصمّان فالمتثلمِ ب[رز]ة
وكقول عباس ابن مرداس في قصيدة له أيضاً:
يا بعد منزل من ترجو مودته ت ومن أتى دونه الصمّان والحفرُ ب[رس]ة فالصمّان والحفر اسمان لموضعين معروفين، وفي لسان العرب لابن منظور قال: قال أبو منصور وأنشدني أعرابي بالصمّان:
ترعى من الصمّان روضاً آرجا ت ورغلاً باتت به لواهج ب[رش]ة
، وما زالت الصمّان موجودة في المملكة العربية السعودية ولها ينسب جماعات منهم في مناطق متفرقة من أنحاء المملكة العربية السعودية كمكة وغيرها. وينسبون لها الصُمّاني _ بضم الصاد _ ويستفاد من المصادر أنه كان يسكنها من العرب بنو تميم. ويكاد هذا الاتجاه أن يكون عقيماً في البحث لولا أن نقول أن جماعة من أهل الصمان من ناحية الجزيرة العربية قد استوطنوا هذه المنطقة فنقلوا الاسم معهم وأيضاً لا دليل عليه ولا شواهد.
الاتجاه الثالث: أن هذا الاسم يطلق على الأرض الوعرة ذات الخشونة، قال ابن منظور: “وصلب الصمّان مكان خشن أخشب غليظ”. ب[رص]ة وقال أيضاً: “والصمان والصمانة أرض صلبة ذات حجارة إلى جنب رمل”. ب[رض]ة وهذا الاتجاه غير بعيد عن أصل اشتقاق التسمية سيما لو رأيت وعورة ناحية هذه القرية من موقعها الحالي المندثر.
شرح عوائل تنتمي لهذه القرية المهجورة:
يذكر الشي. إبراهيم في “حاضر البحرين” ما نصّه: [ومن البلدان التي تفرق أهلها… ومنها الصمّان، ففي بلادنا عالي منهم وهم الحاج علي بن أحمد الصمّاني، وقرابته.]. ب[رط]ة وما زالت هذه العائلة في قرية عالي تعرف بنفس التسمية واللقب إلا أنه في الأوراق الرسمية قد اختفى هذا اللقب من العائلة. ومن ناحية ثانية فإن كبار السن في هذه العائلة ينقلون أن أجدادهم ولدوا في قرية عالي مما يفيد أن الهجرة من القرية الأم كانت لسنوات بعيدة لم يدركها جيل الأجداد منهم.
ووجدت ضمن مكتبة العالم الجليل الشيخ جعفر الخال الدرازي رحمة الله عليه، كتاباً مخطوطاً للشيخ مفلح الصيمري بقدس سره، وهو المعروف بـ “جواهر الكلمات في العقود والإيقاعات” نسخة مصورة عنه كان المرحوم ولده الشيخ محمد بن شيخ جعفر الخال ينوي تحقيقها وبالفعل أكمل نقلها كاملة من المخطوط وقام بضبطها إلا أنه لم يكملها وعاجله أمر الله عن إكمال مجهوده، وكانت النسخة المخطوطة والمصورة مذيلة وعليها تاريخ، جاء فيها بتذييل الخطاط: [الفقير إلى الله الغني ابن علي ابن محمود بن الحاجي الصمّاني محمد المطلق مشهوراً – هكذا – في انتصاف ليلة الثلاثاء غرة شهر جمادى الثاني من شهور سنة خمس وستين وتسعمائة من الهجرة النبوية المصطفوية]. والشيخ مفلح هذا كان حيّاً في العام 873 هـ وهو عام كتابة إجازة لتلميذه ناصر بن إبراهيم البويهي، كما عن الأعيان. ب[رظ]ة وعلى أي حال فهذا الاسم وجدته ولا علم لي هل كانت الصمّان موجودة في القرن العاشر الهجري أم لا، لأن أي رقم سوف نضعه لا يتعدى حدود التكهنات والله تعالى العالم بحقيقة الحال.
الخلاصة من هذا البحث:
أنه توجد قرية في البحرين باسم بالصمّانة أو أم الصمان في جنوب الجزيرة وكان بها حياة وعين ماء أيضاً، وكانت مأهولة ثم انعدمت الحياة فيها لأسباب مجهولة وغير معروفة وهي من قرى البحرين المندثرة.
وهذا ما استطعت جمعه حول قرية الصمّان المندثرة وليُعذرني الإخوة في عدم نشر الوثائق الآن لأنني أولاً في طور جمع المادة، وثانياً سأجمعها في كتابي المعد للطبع وهو “النسائم النفيسة من قرى البحرين المندثرة” الذي سيصدر قريباً إن شاء الله تعالى.
بقلم الباحث: الشيخ بشار عبد الهادي عيسى العالي البحراني.
في ذي الحجة 1430 هـ
شرح مصادر البحث:
شرح “حاضر البحرين وماضيها” للشي. المبارك طبعة تجريبية عن النسخة المخطوطة.
شرح “عقد اللآل في تاري. أوال” للشيخ محمد علي التاجر.
شرح “قلائد النحرين” لناصر بن جوهر الخيري.
شرح “التحفة النبهانية” للشيخ محمد النبهاني.
شرح “الذخائر أو تاري. البحرين” للشيخ محمد علي العصفور.
شرح “التسلسل الحضاري لمملكة البحرين على ضوء نتائج التنقيبات الأثرية” للدكتور عبد العزيز علي صويلح.
شرح “أعيان الشيعة” للسيد محسن الأمين.
شرح “لسان العرب” لابن منظور.
شرح “سبل الهدى والرشاد” للصالحي الشامي.
شرح “معجم البلدان” لياقوت الحموي.
شرح “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق” للشريف الإدريسي.
شرح “من تراث البحرين” لمحمد علي الناصري.
شرح “مختار الصحاح” للرازي.
شرح وثائق خاصة لدى كاتب المقالة.
شرح وثائق مخطوطة عند السيد صادق الغريفي.
شرح مقابلات خاصة واستطلاعات.
ب[ر]ة التسلسل الحضاري لمملكة البحرين: 438
ب[ز]ة عقد اللآل في تاري. أوال: 40 بالهامش، نقلاً عن الريحاني.
ب[س]ة عقد اللآل في تاري. أوال: 28.
ب[ش]ة الممطلة منطقة مهجورة في جنوب جزيرة البحرين بينها وبين الصمان مسافة بسيطة.
ب[ص]ة جلوب (خ.ب.خ.ف 2003)، ص 350، عنه التسلسل الحضاري لمملكة البحرين: 72.
ب[ض]ة إبراهيم المبارك: حاضر البحرين وماضيها: 46 طبعة تجريبية عن المخطوطة.
ب[ط]ة قصيدة مخطوطة لدى مجموعة السيد صادق الغريفي (حفظه الله).
ب[ظ]ة مختار الصحاح: مادة ن_ق_ا: 390.
ب[ع]ة من تراث البحرين: 159.
ب[رذ]ة ابن منظور، لسان العرب، ج12: 343.
ب[رر]ة الشريف الإدريسي، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، ج1: 160.
ب[رز]ة ياقوت الحموي، معجم البلدان، كلمة حروراء.
ب[رس]ة الصالحي الشامي، سبل الهدى والرشاد، ج9: 344.
ب[رش]ة ابن منظور، لسان العرب، ج2: 352.
ب[رص]ة ابن منظور، لسان العرب، ج1: 354.
ب[رض]ة ابن منظور، لسان العرب، ج12: 346.
ب[رط]ة حاضر البحرين وماضيها: 50 طبعة تجريبية عن المخطوطة.
ب[رظ]ة السيد محسن الأمين، أعيان الشيعة، ج9: 94.