يعد جامع بوري القديم واحدًا من أقدم المساجد التاريخية في البحرين، ومعلمًا بارزًا في قرية بوري كونه يحمل إرثًا تاريخيًا للقرية نفسها. ويقع الجامع في حي “الديرة” بقرية بوري وسط بيوت الأهالي القديمة من جانب، ومن جانب آخر، النخيل والمزارع.
وتبلغ مساحة الجامع الإجمالية قرابة ص00 متر مربع، مقسمة لقسمين: الأول هو الجهة الغربية المغطاة بالسقف القديم، والجهة الشرقية وهي تعتبر فناء الجامع لكنها مفتوحة على الجامع نفسه في الهواء الطلق. ويتوسط الجامع الذي يتسع لنحو ألف مصلٍ، 24 عمودًا مبنيًا من الج5 والحجر، يبلغ ارتفاع الواحد ثلاثة أمتار ونصف وبنصف متر. ويوجد في الحائط الأمامي للجامع 20 “روزنة” مقوسة من الأعلى ومجوفة من داخل الحائط، حيث كانت تستخدم
لوضع سجادات الصلاة المصنوعة من الأعواد وفوانيس الإضاءة والترب الحسينية، فضلًا عن المسابيح. ويتميز الجامع بوجود فتحات مقوسة تستخدم للتهوية داخله.
توجد في جامع بوري ثلاث بوابات تتوسط السور الخارجي للجامع في اتجاهاته الثلاث: الجنوبية والشرقية والشمالية، وهو مبني من الحج1 والج5 قبل أن يتم هدمه وبناؤه ببناء حديث نهاية التسعينيات. ولا يتجاوز ارتفاع سور الجامع الأصلي مترًا واحدًا. أما أرضية الجامع فبقيت كما هي من الرمل.
يؤكد الباحث والصحافي حسن محفوظ أن جامع بوري أخذ شكله المعماري من طابع الجوامع والمساجد «نذاك، التي بنيت في عهد الرسول بدون م»ذن.
ويقول: “تتكون جوامع تلك الحقبة من نصف مغطى والنصف الثاني مفتوح، وهي تنسجم مع المنا. الحار، في حين يكتفي المؤذن بأن يقف على سور الجامع الخارجي في إحدى زواياه ويؤذن.” وينبه محفوظ إلى أن البعض يعتقد أن اسم الجامع هو جامع علي بن علي، لكن تسميته الصحيحة هي جامع بوري القديم، وعلي بن علي هو واحد من الرجال الذين دفنوا في بوري ويعتقد أن قبره خلف المسجد المحاذي لجامع بوري القديم.
يقول الباحث والصحافي حسن محفوظ إن التقديرات وبعض المعلومات المتاحة تشير إلى أن جامع بوري مر بثلاث مراحل بناء.
ويشرح محفوظ أن المرحلة الأولى كانت في ثمانينيات القرن التاسع عشر عندما بناه الأهالي بسعف النخيل، والثانية في مطلع القرن الماضي عندما عاد الشيخ خلف العصفور إلى البحرين عام 1898 ميلادية وتولى حينها القضاء والإفتاء والجمعة والجماعة، وأسس صلاة الجمعة في قرابة خمسة عشر جامعًا من جوامع البحرين، ومن بين هذه الجوامع جامع عالي القديم وجامع بوري القديم الذي تنقل له صلاة الجمعة مرتين في السنة من جامع عالي.
ويضيف: “في الربع الأول من القرن الماضي قرر الأهالي بناء الجامع واستخدموا في عملية البناء – التي تعد المرحلة الثانية – المواد الخام البسيطة والتقليدية المتاحة آنذاك نتيجة لسوء الظروف المادية، مثل الج5 والحجارة والمناقير التي كانت تجلب من العراق لاستخدامها في عملية السقف.”
ويروي محفوظ أن سقف الجامع استهلك 300 “جندل”، فيما استخدم لبناء جسور السقف قرابة 150 “جندلًا”، كما استخدم في عملية السقف للحماية من الأمطار ما كان يعرف “بالطفوا” الذي كان يجلب من قرية عالي.
تبلغ مساحة محراب جامع بوري قرابة أربعة أمتار مربعة، ويحتوي على مقام الإمام وأربع “روزنات” في الخلف: اثنتان في الأعلى واثنتان في الأسفل.
كما يحتوي على “روزنتين” في جوانب المحراب تتوسطهما في الأعلى فتحات للتهوية على إمام الجامع. ويحتوي المحراب على درج صغير مبني من الج5 والطين، يستخدمه إمام الجامع عندما يعتلي المحراب لخطبة الجمعة.
ويبلغ ارتفاعه قرابة متر ونصف، واستخدمت في القوس الذي يعتبر سقف المحراب جذوع النخيل مع الجص. وفي مقدمة المحراب يوجد بعض الزخارف الإسلامية بأشكالها الهندسية الصغيرة التي طليت باللون الأحمر.
يتابع حديثه الباحث والصحافي حسن محفوظ: “في منتصف ثمانينيات القرن الماضي قام فريق البعثة الفرنسية برئاسة الباحثة الفرنسية مونيك كرفران بعمليات تنقيب في عدد من المساجد والأماكن التاريخية في البحرين، للحصول على معلومات أكثر لإجراء بعض الدراسات والبحوث، في محاولة منهم لتصحيح الافتراضات التي وضعتها البعثة الدنماركية عن الأماكن التاريخية. لكنني حاولت الحصول على معلومات من الملحق الثقافي في السفارة الفرنسية عن نتائج التنقيب في الجامع وما هي المقتنيات والآثار التي حصلوا عليها خلال مدة إقامة السفارة في العام 2007، لكنها اكتفت بالقول: “إن البعثات ما زالت تدرس هذه المقتنيات” من دون الكشف عن نوعيتها.”
يتوقف الباحث والصحافي حسن محفوظ أمام ما يختزله جامع بوري من ذاكرة جميلة في أذهان أهالي قرية بوري من النساء والرجال، ويقول: “أبرز هذه الذكريات استعدادهم لصلاة الجمعة عندما تنتقل من جامع عالي، حيث يستعد أهالي القرية نساءً ورجالًا لاستقبال المصلين قبل أسبوع. تبدأ النساء بتنظيف الشوارع والطرقات التي سيسلكها المصلون صباح الجمعة، ثم تجهيز الحصير من البيوت لفرش الجامع، إضافة إلى تجهيز أواني الطب. لوجبتي غذاء وفطور المصلين في المنازل.”
ويروي: “يبدأ الأهالي يوم الجمعة باستقبال ضيوفهم المصلين الذين يأتون بحافلات من مناطق متعددة، أبرزها الجارة عالي والمحرق والدير وسماهيج وعراد والمناطق الغربية، منذ وقت مبكر من صباح الجمعة من خلال فتح المجالس وتقديم وجبة الإفطار للضيوف، لحين الاستعداد لوقت الصلاة. وبعد انقضاء الصلاة في جامع بوري القديم، يتوزع الضيوف على مجالس القرية لتناول وجبة الغذاء.”
وإلى جانب ذاكرة الرجال، يقول محفوظ: “إن نساء بوري يحملن ذاكرة أيضًا عندما يتجمعن يوم التاسع والعشرين من جمادى الثاني، لإقامة وجبة غذاء جماعية فيما يعرف بيوم “لشراج”، وهي عادة قديمة تحرص النساء على تنظيمها سنويًا.”
يذكر الباحث والصحافي حسن محفوظ أن صلاة الجمعة توقفت بعد سفر الشيخ خلف العصفور للعراق في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي. ويقول: “بقي الجامع يستخدمه الأهالي في صلاتهم اليومية حتى العام 1942 عندما بدأ الشي. إبراهيم المبارك إقامة صلاة الجمعة في جامع عالي، وفق ما جاء في كتاب “حاضر البحرين” للشي. نفسه. وأصبح ينقل الصلاة مرتين في السنة، كعادة الشيخ خلف العصفور، لجامع بوري القديم حتى نهاية الستينيات، حيث استقرت صلاة الجمعة في عالي.”
أكد الباحث والصحافي حسن محفوظ أن جامع بوري يمر حاليًا بأسوأ مرحلة من تاريخه، بسبب تهالك البناء والسقف وتساقط الكثير من أجزائه، ولا سيما المحراب، وبدا مهجورًا من المصلين نتيجة البناء القديم، والإهمال الذي تعرض له طوال السنوات الماضية من عدم القيام بعمليات الترميم. وإلى جانب الجامع، تعرضت الكثير من المساجد والبيوت القديمة في حي الديرة القديمة للإهمال والعبث وتغيير معالمها، الأمر الذي يهدد الباقي منها، لا سيما جامع بوري القديم ومسجد حويص، ويجعل هذا الإرث التاريخي مهددًا بالزوال والاندثار. وعمد الأهالي إلى الحفاظ على سقف الجامع بوضع دعامات بحيث لا يسقط.
ناشد الباحث والصحافي حسن محفوظ المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ووزارة الثقافة وإدارة الأوقاف الجعفرية وغيرها من الجهات الرسمية المعنية الاضطلاع بدورها والانتقال من مرحلة الوعود إلى مرحلة التنفيذ، من خلال ترميم الجامع بطابعه المعماري للحفاظ على هذا الصرح الإسلامي.
ودعا محفوظ أهالي قرية بوري للمشاركة في تحمل المسؤولية والحفاظ على هذا المعلم، والحد من حالات العبث في البناء القديم للمساجد والبيوت داخل “الديرة القديمة”، مع الإشارة إلى أن هناك بلورة لتشكيل لجنة أهلية لتتولى متابعة ملف الجامع مع الجهات المعنية.
مقابلة مع الباحث حسن محفوظ، قرية بوري