ثانياً: فاران في حاشية الشيخ عبد الله العرب في “أنوار البدرين”.
كان من عادة أرباب السير والتراجم أن يقوموا بترجمة السيرة الذاتية لهذا العالم أو الأديب أو المؤر. أو الفيلسوف فيذكرون لتحديد هويته الشخصية لقبه الذي يجمع اسم بلده واسم قريته أو منطقة سكنه فيقال كما في كتب التراجم ومصادر ثقافية بحرانية
البوري البحراني أو الفاراني البحراني أو الجدحفصي البحراني، والستري البحراني، والماحوزي البحراني، والبربوري البحراني، وهكذا دواليك. وهذه التسمية معتادة في كتب التراجم وفي كتب التراث الثقافي البحراني لتحديد هوية المصنف أو المؤلف أو أي شخص بحراني. وقد اعتمدها الشيخ علي بن حسن البلادي البحراني رحمه الله تعالى في كتابه “أنوار البدرين في تراجم علماء القطيف والأحساء والبحرين”. كما اعتمدها علماء التراجم البحرانيين وغير البحرانيين، بل هي لغتهم في تحديد الهوية الشخصية للعلماء والأفراد، وقد عرفوا تاريخياً بهذا اللقب في كتبهم والمراكز العلمية.
وبتأمل مجموعة من ترجم لهم من العلماء والأدباء والمؤرخين في مصادر بحرانية اطلعنا عليها نجد أنه لم يذكر عالماً من فاران غير الشيخ علي العليمي الفاراني البحراني أسوة بتراجم عدد كبير من علماء القرى الأخرى أمثال علماء بربورة والعكر وغيرهم.
ولما كان البلادي وغيره من علماء التراجم يلتزمون بهذه الطريقة في إضفاء الألقاب لتحديد هويات العلماء المترجم لهم فإنه من المنطقي ألا يذكر نهائياً قرية “فاران” مادام لم يترجم لعالم منها أو يشير إلى ذكرها في سياق حادثة تاريخية معينة كانتقال عالم آخر من قرية ثانية إليها. فمؤرخو علم التراجم لا يذكر اسم قرية محددة إلا بترجمة علمائها أو ذكرها في سياق حادثة معينة أو بنحو عابر لسبب ما. لذلك لم نجد اسم فاران في النص الأصلي لكتاب أنوار البدرين، بيد أن مصحح هذا الكتاب وهو الشيخ عبد الله بن أحمد العرب الجمري[ر] قد كتب بعض الحواشي والتعليقات على مواضع من كتاب الأنوار ذكر فيها قرية فاران وذكر أحد علمائها فأطلق عليه لقب “الفاراني” كما في النص الموجود في حاشيته.
يقول الشيخ عبد الله العرب الجمري عليه الرحمة في حاشيته[ز] المدونة في “أنوار البدرين” في أسفل إحدى صفحاته وهو يتحدث عن دور الشيخ حسن الدمستاني في الرواية عن الشيخ عبد الله بن الشيخ علي بن أحمد البلادي: وعن الشيخ محمد الفاراني، نسبة لقرية من قرى البحرين من الجانب الغربي، و«ثار مدرسته باقية إلى ال»ن، ولم أقف له على ترجمة [س].
ويستفاد من نص هذه الحاشية المهمة التي أضافها الشيخ عبد الله بن أحمد العرب الجمري بعض الحقائق، ومنها ما يأتي:
1. تأكيد الشيخ عبد الله العرب الجمري وهو ابن قرية بني جمرة القريبة من فاران والمجاورة لها على وجود العلامة الشيخ محمد الفاراني.
2. أن الشيخ محمد الفاراني قد نسبه الشيخ عبد الله بن أحمد العرب الجمري البحراني إلى قريته “فاران”، وهو المعتاد في تحديد هوية هذا العالم، فكما نسب لعالم من قرية بوري بأنه البوري البحراني أو الجدحفصي البحراني فكذلك أسماه الشيخ عبد الله بن أحمد العرب بالشيخ محمد الفاراني نسبة إلى قرية فاران.
3. أنَّ للشيخ محمد الفاراني مدرسة ما تزال «ثارها باقية حتى ال»ن، أي عاينها شخصياً بنفسه قبل استشهاد الشيخ عبد الله بن أحمد العرب الجمري البحراني في عام 1341هـ – 1921م على أيدي بعض القبليين الموتورين.
4. أن الشيخ حسن بن محمد الدمستاني البحراني شاعر البحرين الكبير يروي عن الشيخ محمد الفاراني كما قال الشيخ عبد الله بن أحمد العرب الجمري في حاشيته، وفي ذلك دلالة على علاقة حميمة بينهما.
5. ومن مضامين الحاشية نرى أن الشيخ محمد الفاراني له علاقة بشاعرنا الكبير الشيخ حسن الدمستاني البحراني، فكلاهما من علماء القرن الحادي عشر الهجري، ولا يستبعد أن يكون الدمستاني تلميذاً للشيخ محمد الفاراني أو صديقاً له يعاصره في زمانه، فالصداقة والمعاصرة والتلمذة من مصاديق الرواية.
6. أن الشيخ عبد الله بن أحمد العرب الجمري الذي لم يقف على ترجمة للفاراني يكون قد أعطانا شيئاً من المعلومات عن الشيخ محمد الفاراني رحمه الله التي تصلح لأن تكون خطوة أولية لترجمة له متى توافرت معلومات أكثر.
7. أن ذكر القرية يتحدد إما عن طريق كتب التراجم أو دواوين الشعر أو عن طريق الحواشي التي كانت طريقة معرفية تقليدية في ثقافة علماء البحرين وغيرهم من علماء المسلمين في أزمنة مختلفة.
8. تتضمن الحاشية -بطريق غير مباشر- قيام أدوار لعلماء فاران، وقيام عمليات ثقافية في مدرسة الشيخ محمد الفاراني البحراني، فالمدرسة تهتم بتدريس العلوم ونشرها وإعداد الكوادر من العلماء والأدباء التي يحتاجها المجتمع البحراني، فطالما توجد مدرسة فإنها مشغولة بوظائفها الثقافية ومهامها الدينية.
تتت
“منتظم الدرين” يترجم لعالم فاراني.
صاحب هذا الكتاب عالم بحراني معاصر هو العلامة والمؤر. والأديب الشيخ محمد علي التاج1 البحراني المتوفي سنة 1387هـ – 1967م، وقد ترجم في الكتاب المذكور لحوالي ثلاثمائة عالم من العلماء والأدباء والشعراء البحرانيين والأحسائيين ومن علماء القطيف سواء كانوا من علماء الشيعة أو من علماء السنة، إذ ترجم لعلماء مختلفين في مذاهبهم الدينية من أبناء المنطقة.
وله أيضاً كتاب «خر هو “عقد الل»ل في تاري. أوال” اهتم فيه بتاريخ بلاده البحرين في عصور مختلفة. ومما لحظناه -وقد نكون مخطئين- أن العلامة الشيخ محمد علي التاج1 البحراني قد تتبع في كتابه “عقد الل«ل” تاري. البحرين قرى البحرين وبلداتها وذكر عدداً كبيراً منها سواء ما اندثر منها وما يزال بعضها ال»خر عامراً بحمده. ومع ذلك فإني لم أعثر على أي ذكر لقرية فاران بالرغم من أنه ذكر قرى مندثرة، بيد أنه في كتابه “منتظم الدرين في تراجم علماء وأدباء الأحساء والقطيف والبحرين” ذكر القرية لارتباط ذلك بترجمة عالم من علمائها هو الشيخ علي المعروف بـ “العليمي الفاراني” البحراني.
وإذا كان الشي. المبرور إبراهيم بن الشي. ناصر المبارك الهجيري التوبلاني البحراني قد ذكر فاران -كما سيأتي لاحقاً- في سياق إشاراته المتعددة لأسماء القرى وبعض ما جرى فيها من وقائع أو لارتباطها بقيام مدارس علمية فإن الشيخ محمد علي التاج1 صاحب منتظم الدرين ذكر قرية “فاران” عندما ترجم بإيجاز للسيرة الذاتية لأحد علمائها، وهو نفس الموقف الذي تم فيه ذكر فاران في أنوار البدرين، ولكن من خلال حاشية زائدة على نص الكتاب كتبها الشيخ عبد الله بن أحمد العرب الجمري، حيث ذكر في حاشيته القرية واسم أحد علمائها هو الشيخ محمد الفاراني[ش] البحراني كما تقدم سلفاً.
وهذا العالم الشيخ علي العليمي الفاراني البحراني رحمه الله سبحانه وتعالى قال عنه صاحب المنتظم في كلمات قليلة وهو يترجم له:
“العالم الفاضل الأديب الأريب البهي الشيخ علي المعروف بـ “العليمي الفاراني”، نسبة إلى قرية فاران إحدى قرى البحرين، شاعر له شعر كثير[ص]”.
ويتضح من الوصف السابق للمترجَم له أنه من الأدباء والشعراء، ولكن للأسف لم يذكر شيئاً من شعره، ويعتقد أن صاحب المنتظم أكد ذلك إما أنه رأى شعره أو سمع به، وهو في كلا الحالين موضع ثقة العلماء، كما أنه عليه الرحمة ذكر القرية التاريخية حتى بعد اندثارها واستمرار القرى المجاورة لها التي كانت جزءً منها أو قريبة لها.
ونلحظ أن العبارات الوصفية للشي. العليمي الفاراني من قبل الشي. التاج1 مصنف كتاب منتظم الدرين لم يذكر أنه فقيه، وإنما أوضحت هذه العبارات أنه عالم فاضل وأديب أريب، فالوصف بأنه أديب يعني أنه مولع بالأدب العربي، والشعر أحد فنونه وأحد مصاديقه، أما وصفه بأنه أريب فيعني سمو قدراته في هذا الجانب، وفي هذا الفن الأدبي، بيد أن إطلاق صفة “عالم” تعني العلم بمستوياته وبتخصصاته الفرعية القائمة في تلك الفترة.
تتت
فاران في كتاب “حاضر البحرين” للشي. إبراهيم المبارك.
تعددت إشارات الشي. إبراهيم المبارك الهجيري التوبلاني البحراني رحمه الله تعالى المباشرة لقرية فاران القديمة التي اندثرت، ويستفاد من هذه الإشارات أن فاران بلدة قديمة وكبيرة وتاريخية مكونة من مجموعة قرى صغيرة مرتبطة بها، وقد اندثر بعضها وقامت قرى جديدة على أنقاضها، بينما استمرت قرى أخرى في البقاء كقرية الجنبية التي ذكرها أبو البحـر الشيخ جعفر بن محمد الخطي في بعض قصائد ديوانه.
فمرة يذكر الشي. إبراهيم المبارك الهجيري التوبلاني البحراني قرية فاران ضمن سياق ذكره لسائر قرى البحرين، وحيناً يذكر القرية لتعريف القارئ بقرى أخرى تابعة لفاران كالجنبية والقريَّة، ويذكر فاران كذلك عندما يتحدث عن انتشار المدارس العلمية فيذكر “مدرسة فاران للشيخ محمد الفاراني[ض]” البحراني.
تتت
وهناك -كما سيلحظ القارئ الكريم في طي صفحات كتاب حاضر البحرين كدراسة تاريخية- أكثر من نص تاريخي للشي. المبارك عن قرية فاران ننقلها كما هي.
النص الأول:
يقول الشي. إبراهيم المبارك:
“فاران كهامان، وهي اليوم خراب وتكتنفها نخيل ومزارع. قبل أن يصل سكانها من بني هاج1 سكنوا فاران ثم الجنبية والقريَّة (مصغر قرية)، وكذلك فريق المحرق المسمى بالحيّاك فإنهم هواج1 وهو معلوم عندهم. أما آل سوار الساكنون في الحورة فهم مناصير من أهل قطر. وأما أهل جرداب فقيل إنهم من بني كعب. وحكي أن العصفوريين أصلهم من بني هاج1 النجديين إلا أن القرائن تدل على خلاف ذلك. وبالجملة فإن القريَّة من الجنبية من قرى فاران. وخراب الجنبية[ط] قريب العهد فإنها عامرة في زمان الخطي، كمري[ظ]، وكتكان. وقد ذكر فاران في شعره يوم كان في مدينة شيراز بقوله:
ما أصبحت شيراز وهي حبيبة عندي بأبهج من أوال جنابـاً
ما كنت بالمبتاع دارة سرورها يوما بفاران ولا بمقابا[ع]
تتت
النص الثاني: وهو نص قصير لكنه يذكر القرية والقرى التابعة لها قديماً، فاستمرت في وجودها بعد اندثار فاران نفسها وتمددت هذه القرى التابعة لها على الأرض التي هجرها الناس من أهالي فاران نتيجة حادثة تاريخية أشبه بالأسطورة[رذ].
ويقول الشي. إبراهيم المبارك وهو يعدد بعض قرى البحرين:
“قريّة (مصغَّر قرية) من فاران[رر]”.
وعاد العلامة الشي. إبراهيم بن ناصر المبارك التوبلاني البحراني إلى ذكر فاران عندما ذكر قرية الجنبية فقال عليه رحمة الله سبحانه وتعالى وهو يعرِّف لنا قرية الجنبية التابعة لفاران القديمة التاريخية:
“جَنَبِيَّة (بفتح الجيم والنون وكسر الباء الموحدة من تحت، وتشديد الباء المثناة من تحت مفتوحة) من قرى فاران[رز]”.
وتدل كلماته في النص الثاني عن قريتي “القريَّة والجنبية” باعتبارهما من قرى فاران بأن هذه البلدة قديماً كانت كما يبدو بلدة كبيرة، وتتسع مساحتها لتغطي قرى فاران نفسها والجنبية والقريَّة اللتان يجاورانها في منطقة جغرافية واحدة.
تتت
النص الثالث:
وفي موضع آخر من دراسته التاريخية للبحرين وتاريخ علمائها ومدارسها ونشاطها الثقافي والروحي ذكر الشي. المبارك بعض مدارس العلم في البحرين، وأخذ يرددها حتى قال عليه الرحمة والرضوان بوجود: “مدرسة في فاران للشيخ محمد الفاراني[رس]” البحراني. وهنا يذكر الشي. إبراهيم المبارك قرية فاران ويذكر أحد علمائها وهو الشيخ محمد الفاراني، كما ذكر الشيخ علي العليمي الفاراني. وللأسف لم يعطنا الشيخ عبد الله العرب الجمري شيئاً أكثر تفصيلاً لا عن المدرسة المذكورة، ولا عن العالم الذي قاد عملها أو ترأس نظامها.
تتت
النص الرابع لذكر فاران:
وقبل أن يختم الشي. إبراهيم بن ناصر المبارك التوبلاني البحراني فصل حديثه عن قرى البحرين يضع عليه الرحمة توزيعاً جغرافياً لمناطق الأرياف في البحرين، ويذكر قرية فاران للمرة الرابعة ضمن توزيعه لمناطق الريف البحراني فيقول: “ومنطقة الأرياف الشمالية هي من مني إلى الدراز، والغربية من فاران إلى الزلاق، والجنوبية من توبلي إلى نويدرات، والشرقية من عراد إلى سماهيج، والوسطى من ماحوز إلى عالي حويص[رش]”.
تتت
فاران في كتاب “بعض فقهاء البحرين” للشيخ علي محمد العصفور المعاميري:
مؤلفه فضيلة الدكتور الشيخ علي بن محمد آل عصفور البحراني، وقد أشار إلى قرية فاران وبعض مظاهر حياتها الثقافية كبعض علمائها ومدارسها الثلاث، حيث قال: “قرية فاران كانت من القرى العلمية، ولا زالت «ثار المدارس الدينية موجودة بين أطلالها، فيها قبر العلامة الجليل أستاذ المشاي. في واديه »نذاك وهو الشيخ محمد الفاراني الذي تتلمذ على يديه الشيخ حسن الدمستاني وغيره من علماء القرن الحادي عشر الهجري.
كانت فاران والقريَّة والجنبية وبني جمرة من البقاع المقدسة التي حوت من العلماء ما يعلم الله بنسبة عددهم، ويحكي أهل القريَّة أن أكثر من ثلاثمائة عالم قد قبروا في مقبرة الدرمكية، منهم من مات شهيداً لسبب القلاقل والهزَّات التي هوَّت البلاد في زمانهم، ومنهم من مات بانقضاء الأجل.
وفي فاران قبر العلامة الشيخ علي بن سليمان الذي وجد جثمانه في السَّاب، وهذا الساب مشهور حتى عند الأطفال الذين بلغوا من العمر ما يمكنهم من التمييز، والشي. المزبور له ضريح ومشهد جديد، وذلك قليل في حقه[رص]”.
ثم قال عن الشيخ محمد الفاراني: “الشيخ محمد الفاراني إلى جنب قبره، ومن جهة الجنوب تجد آثار مدرستين، وكذلك له مدرسة في شمال غرب القرية، بجنب الشارع العام المؤدي إلى بني جمرة والبديع[رض]”.
تتت
معالم الظاهرة الثقافية في قرية فاران البحرانية.
نظراً لقلة الكتابات التي اطلعنا عليها عن هذه القرية وعدم اطمئناننا لسلامة مادتها المعرفية فإن مصادرنا البحرانية المتأخرة التي تابعناها لم تتح لنا الحصول على معلومات وافية عن معالم الظاهرة الثقافية في فاران التاريخية باستثناء مظاهر ثلاثة هي:
* مدرسة الشيخ محمد الفاراني.
* وترجمة موجزة لأحد علمائها.
* وكتابة حاشية صغيرة عن الشيخ محمد الفاراني البحراني مؤسس المدرسة.
وعليه نضع أمام القارئ الكريم مجمل الأفكار التي تعرفنا عليها عن المظاهر الثلاثة السابقة مع نقص في الأدلة والأسانيد والوثائق، ولكن ما جاء في كتابي منتظم الدرين وأنوار البدرين يفيد في تأسيس معلومات أولية للباحثين نأمل أن تكتمل بنحو يجعل الحركة العلمية في فاران واضحة وجلية، وتسمح بمزيد من التراجم لعلماء فاران.
والمظاهر الثقافية التي سنشير لهما بإيجاز هي:
1. مدرسة الشيخ محمد الفاراني البحراني.
2. ترجمة منفردة لأحد علماء فاران، بالإضافة إلى استثمار ما جاء في حاشية الشيخ عبد الله العرب في تكوين معرفة أو ترجمة بسيطة وأولية للشيخ محمد الفاراني رحمه الله سبحانه وتعالى.
3. النشاط الثقافي للعلماء والمدرسة معاً.
تتت
المظهر الأول: الإشارة لوجود مدرسة فاران.
أشار لهذه المدرسة العلمية مصدران هما الشيخ عبد الله العرب الجمري في حاشيته بكتاب أنوار البدرين[رط]. وبالعودة إلى نص الحاشية يذكر الشيخ عبد الله العرب العالم الجليل الشيخ محمد الفاراني رضوان الله عليه، ولقبه بالفاراني “نسبة لقرية فاران، من قرى البحرين من الجانب الغربي”. ثم يذكر كذلك مدرسته بقوله: “و«ثار مدرسته باقية إلى ال»ن[رظ]”. وبعده أكَّد العلامة الشي. إبراهيم المبارك في نص آخر “وجود مدرسة في فاران للشيخ محمد الفاراني[رع]”.
وأشار الشيخ علي العصفور في كتابه “بعض فقهاء البحرين في الماضي والحاضر” لمدارس ثلاث في فاران، ولكن لسوء الحظ لم يتكلم العلماء الثلاثة عن تفاصيل أكثر مما قالوه في نصوصهم المذكورة. ولكن يستفاد من الوصف المعرفي القليل أن الشيخ عبد الله العرب شهد بعينه رؤية المدرسة ورأى آثارها باقية حتى زمانه فيما قبل استشهاده في عام 1341هـ – 1921م. وكرر الشيخ علي العصفور قريباً من كلامه عندما قال: “ولا زالت آثار المدارس الدينية موجودة بين أطلالها [زذ]” يعني أطلال فاران. ثم قال بوجود مدرستين بجنب قبر الشيخ محمد الفاراني، ومدرسة ثالثة له في شمال غرب القرية بجنب الشارع العام المؤدي إلى بني جمرة والبديع[زر].
ويستفاد كذلك من وجود المدرسة في عرف علماء فاران بأنها كانت تقوم بتدريس العلوم الشرعية والعقلية على حد سواء أسوة بسائر المدارس العلمية المنتشرة في قرى البحرين قاطبة، وتصدت لمجموعة أدوار وعمليات ثقافية من تعليم وتدريس ونس. وكتابة حواشي وتأليف كتب أو مصنفات، ولا يمكن أن تكون مدرسة مشهورة دون أن تتصدى لهذه المهام حتى وإنْ لم نملك وثائق من مصنفات ومخطوطات وغيرها، فمدرسة فاران هي كسائر نظيراتها من المدارس العلمية للبحرين قد نشطت في فترة النهضة العلمية خلال القرون الهجرية الأربعة من القرن العاشر حتى الثاني عشر.
وهذه المدرسة مهمتها إعداد كوادر علمية وتخريج علماء بتخصصات شرعية مختلفة تعينهم على إدارة المجتمع البحراني وتنميته روحياً وثقافياً واجتماعياً، فالهدف العلمي بروح عبادية هي سمة التعليم لدى علماء البحرين وفقهائها، وليست مدرسة فاران بدعاً عن هذه القاعدة التربوية والثقافية.
أما تمويل التعليم في مدرسته فلا يختلف عن سواها من المدارس العلمية في البحرين، فهي تشابه تماماً مدارس العلم المنتشرة في أرجاء البلاد من حيث تمويل أنشطتها اليومية. ومع أننا لا نملك وثائق في هذا الشأن إلاَّ أننا نتوقع أن تعتمد مدرسة الفاراني كغيرها على قدراتها المالية الذاتية التي جعلت من الحقوق المالية الشرعية كالزكوات والأخماس والصدقات الطوعية منافذها في التمويل، بالإضافة إلى تمويل بعض المقتدرين لها مصدراً. ومع عدم وجود وثائق تبين لنا تفصيلات في إدارة المدرسة إلاَّ أن المعتاد في إدارة مدارس علمية أخرى يشابه مدرسة فاران في إدارة نشاطها التعليمي والثقافي، فما ينطبق على المدارس العلمية خلال فترة النهضة وما قبلها ينطبق أيضاً على مدرسة فاران التي أسسها الشيخ محمد الفاراني البحراني، فخصائص النظام التعليمي لهذه المدارس المنتشرة في البحرين واحدة.
تتت
المظهر الثاني: ترجمة علماء فاران.
صعب علينا العثور على تراجم لسيرة بعض علماء فاران إلاَّ شخصية واحدة واستفدنا من حاشية الشيخ عبد الله العرب في التعرف بنبذة قصيرة على الشيخ محمد الفاراني البحراني.
1. ترجمة صاحب منتظم الدرين للشيخ علي العليمي الفاراني.
لقد تمكننا لحسن الحظ من الحصول على ترجمة منفردة والإفادة منها، وقصيرة لحياة الشيخ علي العليمي الفاراني البحراني بما نصه:
“العالم الفاضل الأديب الأريب البهي الشيخ علي المعروف بـ “العليمي الفاراني”، نسبة إلى قرية فاران إحدى قرى البحرين، شاعر له شعر كثير[زز]”.
وتؤكد هذه الترجمة التي انفرد بها صاحب منتظم الدرين “شهادة بوجود القرية”، وهذه الشهادة برهان على أن قرية فاران قد شهدت نشاطاً ثقافياً جسدته أوصاف المترجم له بالعلم والأدب وبخاصة في نظم الشعر. ولم يحدد نسبه أو تاريخاً لحياته، ولم يذكر عام وفاته رحمه الله سبحانه. ونميل إلى أنه عاش في سنوات من القرنين الحادي عشر والثاني عشر أو في أحدهما، فهي الفترة التي تم توثيقها من قبل علمائنا، ويحتمل أن العلامة الشي. التاج1 قد استفاد من ذكر أحد مصادر الإمامية لهذا العالم فكتب عنه النبذة القصيرة المتقدمة.
2. ترجمة أولية للشيخ محمد الفاراني.
أما الشيخ محمد الفاراني صاحب مدرسة فاران الذي أشار إليه الشيخ عبد الله بن أحمد العرب