كانت جزيرة أوال، بما فيها المنامة، وجزيرة سماهيج، تتكون من 360 قرية. ولو أردنا الدقة لقلنا 360 مدينة وقرية. أما الآن فقد تقلص هذا العدد إلى ما يقل عن 100 مدينة وقرية، بعد أن اختفت أو اندثرت العديد من المدن والقرى القديمة. كما تحولت بعض هذه المدن والقرى من حيث السكان. وهناك مدن وقرى استحدثت، حيث دوام الحال من المحال.
في هذا الموضوع نتناول قرية قديمة اندثرت، وهي قرية الغريفة، التي كانت تقع على شارع البديع الذي يربط بين قرية البديع المستحدثة والواقعة في أقصى الغرب، والمنامة العاصمة الواقعة شرق البديع، ويطل على جانبيه الشمالي والجنوبي العديد من القرى القديمة.
وقد نزح بعض سكان هذه القرية، وسكنوا في المنطقة الواقعة بين قرية الجفير وميناء سلمان، وهي المنطقة المجاورة لأم الحصم حاليًا والمعروفة بنفس اسم الغريفة.
موقع الغريفة الأصلية
تقع قرية الغريفة الأصلية على الجهة الشمالية، وتحديدًا في الوسط جنوب قرية الشاخورة.
وبعد أن بادت القرية بعد هجرة أهاليها عنها، وموت زراعتها، وتهدم بيوتها، وزحف قرية الشاخورة عليها من جميع أطرافها بحيث أن أرضها أصبحت داخلة في أرض قرية الشاخورة، فقد أصبحت في ذمة التاري. ولا يتذكرها إلا كبار السن الذين ما زالوا على قيد الحياة، وكذلك المهتمون بتاري. وتراث المنطقة، بحيث لم يبق من الغريفة هذه إلا بعض آثارها.
سبب تسمية القرية
هناك رواية مفادها أن عشيرة علوية منحدرة من نسل علي وفاطمة عليهما السلام أصلها من البصرة استوطنت القرية، وكان عميدهم قد بنى له غرفة صغيرة تقع على مجرى ماء لتكون باردة في أيام القيظ. وهذا شيء جديد على الأهالي الذين ما أن عرفوا بالغرفة حتى أطلقوا على المنطقة التي فيها كلمة الغريفة، وهي كلمة تصغير لغرفة.
الآثار الباقية من قرية الغريفة الأصلية
بقيت من هذه القرية التي كانت في يوم ما تعج بالحياة والنشاط والعطاء مسجدها الذي يحمل اسم القرية نفسها “مسجد الغريفة”، وهو يقع غرب القرية، حيث تم تجديده أكثر من مرة بسبب قدمه. وما زال أهالي الشاخورة التي زحفت أرضها على أرض القرية واحتوتها يطلقون على المسجد اسم “مسجد الغريفة”. كما توجد أساسات لبعض البيوت الأخرى للقرية، كما تدل هذه الآثار على الطريقة التي اتبعوها في البناء، وطريقة هندسة هذه البيوت، وطبقات البيت وتقسيماته، وهي بيوت تتناسب مع البيئة.
كما بقيت من آثار القرية مجاري المياه العميقة التي بلغت سبعة أقدام طولًا وتسعة أقدام عرضًا، وهي تحد مقبرة الشاخورة من جهة الغرب. ومن الآثار التي بقيت لهذه القرية مقبرة القرية بما فيها من مسجد ومغسل للموتى. وهذه المرافق الثلاثة: المقبرة والمغسل والمسجد تقع كلها شرق القرية من الجانب الجنوبي، وهذه المرافق أخذ أهالي قرية الشاخورة الحاليون في استعمالها.
حيث المسجد يقيمون صلاتهم، والمقبرة يدفنون فيها موتاهم. ومقام وقبر وحوزة العلامة والمرجع الكبير المرحوم الشيخ حسين البحراني يقع على أرض قرية الغريفة، حيث كانت هذه الأرض قبل زوال الغريفة مقرًا لمدارس وحوزات علمية دينية، ومق11 وسكن للعلماء والفضلاء وأولياء الله الصالحين. وهناك بعض الأمكنة التي ما زالت خالية وهي أشبه بالخرائب كانت في يوم ما منازل لأهالي الغريفة.
ومن آثار قرية الغريفة الأصلية عين ماء تقع في الجانب الغربي من القرية، كانت مساحتها حوالي 25 قدمًا مربعًا في عمق 40 قدمًا.
لقد وقعت نكبة قرية الغريفة عام 1813م، ونزح أهاليها وأكثرهم من السادة العلويين وبعض من العوام، وذلك بعد أن تعرضوا إلى تعديات واغتصابات متكررة، حيث قرروا الفرار بحياتهم وأعراضهم. وقد عزموا في البدء التوجه إلى منطقة الماحوز بالمنامة بحكم معرفتهم بالمنطقة وخبرتهم بها، لما كان بين الغريفيين والماحوزيين من قرابة ونسب ومصاهرة. حيث أرسلوا بعض الأعيان إلى الماحوز وشرحوا لأهاليها ما تعرضوا له وما عزموا عليه، وأنهم يرغبون في اللجوء إليهم حتى يرتبوا أمورهم. فلما جاءهم الخبر بالموافقة والترحيب، شد أهالي الغريفة الرحال راكبين دوابهم وحاملين أثاثهم في قافلة من الرجال والنساء والشباب والأطفال، واستمروا في السير من منتصف الليل إلى قبيل ذلك اليوم حتى وصلوا قرية الماحوز التي استقبلتهم بالترحاب وأسكنوهم في منازلهم ومزارعهم ومساكنهم، حيث نعموا بضيافة كريمة ونعموا بخيرات هذه القرية وأرضها الخضراء، ومياهها العذبة وحسن طبيعتها، حيث كانت بها من عيون الماء الطبيعية كعين أم الشعوم وغيرها.
إنشاء قرية الغريفة الثانية قرب قرية الجفير
ارتأى أعيان الغريفيين ورجالهم أن ليس من الصواب الاستمرار في العيش بجوار مضيفيهم الكرام من أهالي الماحوز، وأن الحكمة وبعد النظر تتطلب البحث عن مكان يسع النازحين ويخفف الوطء عن المستضيفين. فكان الرأي أن اختاروا منطقة للسكن تقع شرق الماحوز، حيث حطوا رحالهم وبنوا مساكنهم ومساجدهم ومآتمهم. وشيئًا فشيئًا عمرت الأرض بساكنيها الذين نعموا بالهدوء والأمن ورغد العيش، بعد أن أخذوا يزاولون أعمالهم السابقة وهي فلاحة الأرض وصيد الأسماك وصناعة اللؤلؤ التي كانت جديدة عليهم نسبيًا. وقد أعطوا منطقة سكنهم الجديدة اسم قريتهم القديمة التي نزحوا منها وهي الغريفة. وسكان الغريفة الحاليون هم أبناء وأحفاد عشيرة السادة والعوام النازحين، ومن هؤلاء السيد علوي الغريفي وعائلة ابنه الشهيد السيد أحمد الغريفي والسيد حسين الغريفي وأبناؤهما والذين يسكنون منطقة النعيم، وكذلك عائلة السيد علي السيد إبراهيم كمال الدين. وهذه بعض رجالات الأسر الغريفية المنتشرين في مدن وقرى البحرين. وهناك من استوطن العراق وإيران وغيرها من المناطق.
وممن يسكن الغريفة الحالية عائلة السيد علي السيد طالب، عائلة إبراهيم الغريفي، عائلة الحاج عبد الحسين القيدوم، عائلة أولاد السيد هاشم الغريفي، عائلة السيد طالب والسيد مكي بن دحلت، وغيرها من العائلات التي تعمل الآن في القطاع الحكومي والأهلي والأعمال الحرفية الأخرى.
بقلم المحامي عبد الله بن سيف: مدونة مرايا التراث في التاري. البحريني