قرى البحرين

تحديد موقع مدينة هجر

اكتشاف موقع مدينة هج1 وتحديدها بالمسافةقد يتعجب بعض الإخوة ما هو التنافس لمعرفة موقع مدينة هج1 الدارسة

أقول لهم بكل صراحة: مدينة هج1 وقراها في البحرين القديم؛ هي مركز التشيع في العالم بعد مدينة رسول الله. من هج1 من أصحاب الإمام علي ومنهم رشيد الهجري وصعصعة بن صوحان، وزيد بن صوحان، والحارث بن مرة العبدي، وجويرية بن مسهر العبدي، إلخ. هؤلاء أهالي هجر، هم شيعة أهل البيت الذين كانت سيوفهم مع

 

الإمام علي في جميع حروبه، هم عبد القيس أفضل أهل المشرق، الذي ينطبق عليهم قول الإمام الصادق: “شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا، يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا”.
وضمن الدراسة التي قمت بها (كتاب مخطوط) عن تاريخ قرامطة هج1 كان جزءاً منها تحديد موقع مدينة هجر، ونظراً لكثرة ما وردني من استفسارات عن موقع هج1 ارتأيت أن أنشر هذا الجزء للإجابة على هذه التساؤلات.
البحرين وقراها:
viewimageأُطلق مسمى البحرين على المنطقة بسبب عينين كانتا تسيحان بالمياه بين قصبتي منطقة البحرين: القطيف وهجر. وأشار حمد الجاسر إلى ذلك بقوله: “جاء في كتاب نصر: قال الأصمعي: إنما سميت البحرين لأنهما عينان بينهما مسيرة ثلاث: إحداهما محلم[ر]، والأخرى قضباء وهي خبيثة الماء، على إحداهما هجر، والأخرى قطيف، وهي الخط”؛ انتهى[ز].
كانت الأحساء قبل حكم القرامطة خارج مدن البحرين، ولكن بعد أن حكم القرامطة أصبحت ضمن مدن البحرين المعروفة أيضاً بمدن هجر، ولتوضيح ما ذهبنا إليه نقول:
أولاً: لم تكن الأحساء ضمن أراضي البحرين القديم قبل الإسلام، كما بين الشاعر الجاهلي الحارث بن حلزة بن بكر بن وائل، قوله: [س]
إذ ركبنا الجمال من سعف البحرين
سـير حتى نهـاهـا الحـسـاء
ثانياً: كما لم تكن الأحساء ضمن مدن البحرين حتى بدايات القرامطة، وهذا ما أوضحه ابن خرداذبة المتوفى عام 300 هـ في كتابه المسالك والممالك بقوله: “قرى البحرين وهي الخط والقطيف، والآرة، وهجر، والفروق وبينونة. قال النابغة الجعدي:
عليهن من وحش بينونة
نعاج مطافيل فـي ربـرب
والمشقر، والزارة، وجواثا. قال الشاعر:
ما ضر أناس لا يكون له
يـوم جواثـا ويـوم ذي قار
وسابون ودارين والغابة، والشنون”؛ انتهى[ش].
ثالثاً: سكن الأحساء بنو تميم وبنو سعد ولم يسكن الأحساء أفراد قبيلة عبد القيس.
رابعاً: كانت الأحساء قبل القرامطة برية يعيش فيها الأعراب، ولم تذكر كتب التاري. أن الأحساء ضمن مدن البحرين قبل القرامطة، كما ذكر المؤرخون أن مدينة هج1 قصبة البحرين تبعد عن الأحساء القرمطية حوالي مسير منتصف الليل حتى الصباح. وأشار الجاسر قوله: “ورد في كتاب بلاد العرب أن الأحساء من هج1 على ميلين، وهو يقصد مدينة الأحساء القديمة التي أصبحت القاعدة منذ عهد القرامطة”؛ انتهى[ص].
أين تقع مدينة الأحساء القديمة التي بناها القرامطة وسكنها أبو سعيد عندما حاصر مدينة هجر؟
سيكون بداية مفتاح المعرفة لمواقع المدن الدارسة بالبحرين هو تحديد مدينة الأحساء التي بناها القرامطة، ومن هنا سنتمكن من تحديد موقع هج1 ومن ثم القطيف والزارة والخط وقرى هج1 الأخرى:
أحساء القرامطة “المؤمنية”
الأحساء:
يجب أن نبين للقارئ الكريم أن موقع الأحساء التي أقامها القرامطة تختلف عن أحساء اليوم التي اقتربت من حدود قطر، بينما كانت بدايات مدينة الأحساء هي تلك المدينة التي بناها القرامطة عام 314 هـ عندما حدث خلاف بين العقدانية (المجلس القرمطي) وأهل البحرين وشكل أزمة حادة، أدى بسببها أبو طاهر إلى أن ينقل مركز ثقله إلى الأحساء وأسس مدينته المؤمنية[ض]. وفي الحقيقة أن مدينة القرامطة تلك كانت بالقرب من منطقة القطيف ولكن اندرس ذكرها كما اندرس ذكر القرامطة، حتى أصبح من الصعب على أبي الفداء المتوفى عام 732 هـ تحديد أحساء القرامطة حيث قال: “الأحساء علم لموضع من بلاد العرب وهي أحساء بني سعد بن هج1 وهي دار القرامطة بالبحرين وقيل أحساء بني سعد غير أحساء القرامطة وليس للإحساء سور”؛[ط]. وسنوضح للقارئ ذلك بالتفصيل.
القبائل التي سكنت البحرين في الفترة القرمطية:
قال المسعودي: “مدن البحرين، وكان أهلها في نهاية العدة والقوة كالقطيف، وكان بها علي بن مسمار وإخوته، وهم من عبد القيس، وقتله علياً والزارة، وكان بها الحسن بن العوام من الأزد وصفوان، وكان بها بنو حفص وهم من عبد القيس أيضاً والظهران والإحساء[ظ]، وكان بها بنو سعد من تميم وجواثا، وكان بها العريان بن الهيثم الربعي”؛ انتهى[ع].
أوضح المسعودي أن بني سعد من تميم كانوا في الظهران والإحساء وذلك في حديثه عن بدايات القرامطة أي في نهاية القرن الثالث الهجري. وقد يرد إلى البعض بعد المسافة بين الأحساء والظهران واشتراك بني سعد في إقامتهم فيهما، وكما هو متعارف عليه حتى وقتنا الراهن موقع مدينة الظهران الواقعة في أقصى جنوب القطيف، ما زالت معالمها معروفة وما زال بقايا بعض نخيلها متناثر في أرجاء الظهران المجاورة لمدينة الخبر الحديثة. وبالتالي فحدود قبائل بني سعد التميمية من الأحساء حتى الظهران، وأعتقد أن بني سعد كانوا ينتشرون في بادية الظهران إلى الأحساء (أحساء القرامطة). أما سكان الظهران فهم من الحضر المزارعين من بني عامر من قبيلة عبد القيس كما أشار الحموي في معجمه واشتهرت قديماً بالثياب الظهرانية. وقد أوضح الدكتور جواد علي موطن عبد القيس قوله: [رذ] “فنزلت جديمة بن عوف بن بكر بن عوف بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز الخط وأفناءها ونزلت شن بن أفصي طرفها وأدناها إلى العراق ونزلت نكرة بن لكيز القطيف وما حولها والشفار والظهران إلى الرمل وما بين هج1 إلى قطر وبينونة”؛[رذ] فهذه مواقع تواجد عبد القيس ولم تكن الأحساء موقع سكناهم قبل الحكم القرمطي.
موقع الأحساء القرمطية:
قبل البدء بتحديد موقعها قد يقول البعض أن هناك الكثير من المناطق عرفت بالأحساء ومنها أحساء القطيف، فمن الصعب تحديد تلك الأحساء التي سكنها القرامطة. هنا يسعفنا بالإجابة قول الأزهري: “وقد رأيت بالبادية أحساء كثيرة على هذه الصفة، منها أحساء بني سعد بحذاء هج1 وقراها، قال: وهي اليوم دار القرامطة وبها منازلهم”؛[رر].
كما بينا آنفاً إن الأحساء التي سكنها القرامطة هي أحساء بني سعد الذين كانت مرابعهم بين الظهران والأحساء. أين تلك الأحساء القرمطية؟
مواصفات وحدود أحساء القرامطة:
ذكر المقريزي أن الأحساء تبعد عن هج1 ميلين حيث قال: “وكان لا يظفر بقرية إلا قتل أهلها ونهبها، فهابه الناس، وأجابه كثير منهم، وفر منه خلق كثير إلى بلدان شتى خوفاً من شره، ولم يمتنع عليه إلا هج1 وهي مدينة البحرين ومنزل سلطانها، وبها التجار والوجوه فنازلها شهوراً يقاتل أهلها، ثم وكل بها رجلاً. وارتفع فنزل الأحساء وبينها وبين هج1 ميلين فابتنى بها داراً، وجعلها منزلاً، وتقدم في زراعة الأرض وعمارتها، وكان يركب إلى هجر، ويحارب أهلها، ويعقب قومه على حصارها”؛ انتهى[رز].
حدود أحساء القرامطة كما وصفها خسرو:
الرحالة المؤر. ناصر خسرو الذي زار أحساء القرامطة وكتب بالتفصيل معالم هذه المدينة والمسافات التي تربطها بمحيطها، يقول خسرو: “وحين يصل المسافر من الحسا إلى الشمال سبعة فراسخ يصل: جهة القطيف وهي مدينة كبيرة بها نخل كثير”؛ كما يقول في موضع آخر: “ومن اليمامة (الخرج) إلى الحسا أربعون فرسخاً”؛ وأيضاً يقول: “والبحر على مسيرة سبعة فراسخ من الحسا إلى ناحية الشرق فإذا اجتازه المسافر وجد البحرين”؛[رس].
من قول خسرو يتبين للقارئ أن المسافة بين الأحساء والبحر من جهة الشرق، هي المسافة ذاتها بين الأحساء والقطيف من جهة الشمال وهي سبعة فراسخ. والفرس. كما هو متعارف عليه ثلاثة أميال أي ما يعادل (5.ص44) كيلومتر. وبالتالي المسافة بين الأحساء القرمطية والقطيف (25.808) كلم.
أحساء اليوم:
كما هو معروف أن مدينة أحساء اليوم، تقع على بعد (170) كلم تقريباً عن منطقة القطيف وبها عدة مدن وقرى وأراضيها شاسعة، فكيف لنا معرفة تلك الأحساء التي سكنها بنو سعد كما ذكرها المسعودي المعاصر للقرامطة.
وهنا نتساءل أين تقع مدينة الأحساء (المؤمنية) التي بناها القرامطة بعد اختلافهم مع أهالي القطيف ونزوحهم إلى الأحساء وتعمير مدينتهم؟
ولمعرفة أكثر عن الأحساء القرمطية نستذكر ما قاله خسرو المعاصر للفترة المتأخرة من القرامطة بوصفه للأحساء بشيء من التفصيل يقول: “والحسا مدينة وسواد أيضاً وبها قلعة ويحيط بها أربعة أسوار قوية متعاقبة من اللبن المحكم البناء بين كل اثنين منها ما يقرب من فرس. وفي المدينة عيون ماء عظيمة تكفي كل منها لإدارة خمس سواق ويستهلك كل هذا الماء بها فلا يخرج منها ووسط القلعة مدينة جميلة بها كل وسائل الحياة التي في المدن الكبيرة وفيها أكثر من أربعين ألف محارب وقيل إن سلطانهم كان شريفاً وقد ردهم عن الإسلام وقال إني أعفيتكم من الصلاة والصوم ودعاهم إلى أن مرجعهم لا يكون إلا إليه واسمه أبو سعيد وحين يسألون عن مذهبهم يقولون إنا أبو سعيديون وهم لا يصلون ولا يصومون ولكنهم يقرون بمحمد المصطفى صلى الله عليه وسلم وبرسالته وقد قال لهم أبو سعيد إني أرجع إليكم يعني بعد الوفاة وقبره داخل المدينة وقد بنوا عنده قبراً جميلاً وقد أوصى أبناءه قائلاً: “يرعى الملك ويحافظ عليه ستة من أبنائي يحكمون الناس بالعدل والقسطاس ولا يختلفون فيما بينهم حتى أعود” ولهؤلاء الحكام الآن قصر منيف هو دار ملكهم وبه تخت يجلسون هم الستة عليه ويصدرون أوامرهم بالاتفاق وكذلك يحكمون ولهم ستة وزراء على تخت آخر ويتداولون في كل أمر كان لهم في ذلك الوقت ثلاثون ألف عبد زنجي حبشي يشتغلون بالزراعة وفلاحة البساتين وهم لا يأخذون عشوراً من الرعية وإذا افتق11 إنسان أو استدان يتعهدونه حتى يتيسر عمله وإذا كان لأحدهم دين على آخر لا يطالبه بأكثر من رأس المال الذي له وكل غريب ينزل في هذه المدينة وله صناعة يعطى ما يكفيه من المال حتى يشتري ما يلزم صناعته من عدد وآلات ويرد إلى الحكام ما أخذ حين يشاء وإذا تخرب بيت أو طاحون أحد الملاك ولم تكن لديه القدرة على الإصلاح أمروا جماعة من عبيدهم بأن يذهبوا إليه ويصلحوا المنزل أو الطاحون ولا يطلبون من المالك شيئاً وفي الحسا مطاحن مملوكة للسلطان تطحن الحبوب للرعية مجاناً ويدفع فيها السلطان نفقات إصلاحها وأجور الطحانين وهؤلاء السلاطين الستة يسمون السادات ويسمى وزراؤهم الشائرة وليس في مدينة الحسا مسجد جمعة ولا تقام بها صلاة أو خطبة إلا أن رجلاً فارسياً اسمه علي بن أحمد بنى مسجداً وهو مسلم حاج غني كان يتعهد الحجاج الذين يصلون الحسا والبيع والشراء والعطاء والأخذ يتم هناك بواسطة رصاص في زنابيل يزن كل منها ستة آلاف درهم فيدفع الثمن عدداً من الزنابيل وهذه العملة لا تسري في الخارج وينسجون هناك فوطاً جميلة ويصدرونها للبصرة وغيرها وإذا صلى أحد فإنه لا يمنع ولكنهم أنفسهم لا يصلون ويجيب السلاطين من يحدثهم من الرعية برقة وتواضع ولا يشربون مطلقاً وعلى باب قبر أبي سعيد حصان مهيأ بعناية عليه طوق ولجام يقف بالنوبة ليلاً ونهاراً يعنون بذلك أن أبا سعيد يركبه حين يرجع إلى الدنيا ويقال إنه قال لأبنائه حين أعود ولا تعرفونني اضربوا رقبتي بسيفي فإذا كنت أنا حييت في الحال وقد وضعت هذه الدلالة حتى لا يدعي أحد أنه أبو سعيد.
وقد ذهب أحد هؤلاء السلاطين بجيش إلى مكة أيام خلفاء بغداد فاستولى عليها وقتل من كان يطوف بالكعبة وانتزع الحج1 الأسود من مكانه ونقله إلى الحسا وقد زعموا أن هذا الحج1 مغناطيس يجذب الناس إليه من أطراف العالم ولم يفقهوا أن شرف محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم وجلاله هما اللذان يجذبان الناس فقد لبث الحج1 الأسود في الحسا سنين عديدة ولم يذهب إليها أحد وأخيراً اشتري منهم الحج1 الأسود وأعيد إلى مكانه.
وفي الحسا تباع لحوم الحيوانات كلها من قطط وكلاب وحمير وبق11 وخراف وغيرها وتوضع رأس الحيوان وجلده بقرب لحمه ليعرف المشتري ماذا يشتري وهم يسمنون الكلاب هناك كما تعلف الخراف حتى لا تستطيع الحركة من سمنها ثم يذبحونها ويبيعون لحمها. والبحر على مسيرة سبعة فراسخ من الحسا إلى ناحية الشرق فإذا اجتازه المسافر وجد البحرين وهي جزيرة طولها أربعون فرسخاً والبحرين مدينة كبيرة أيضاً بها نخل كثير ويستخرجون من هذا البحر اللؤلؤ ولسلاطين الحسا نصف ما يستخرجه الغواصون منه وإذا سار المسافر جنوب الحسا يصل: عمان وهي في بلاد العرب وثلاثة جوانب منها صحراء لا يمكن اجتيازها وولاية عمان ثمانون فرسخاً في مثلها وهي حارة الجو ويكثر بها الجوز الهندي المسمى نارجيل وإذا أبحر المسافر من عمان نحو الشرق يصل: شاطئ كيش ومكران وإذا سار جنوباً يصل: عدن فإذا سار في الجانب الآخر يصل: فارس. وفي الحسا تمر كثير حتى أنهم يسمنون به المواشي ويأتي وقت يباع فيه أكثر من ألف من بدينار واحد وحين يصل المسافر من الحسا إلى الشمال سبعة فراسخ يصل: جهة القطيف وهي مدينة كبيرة بها نخل كثير وقد ذهب أمير أعرابي إلى أبواب الحسا ورابط هناك سنة واستولى على سور من أسوارها الأربعة وشن عليها غارات كثيرة ولكنه لم ينل من أهلها شيئاً وقد سألني حين رآني عما تنبئ به النجوم قال أريد أن أستولي على الحسا فهل أستطيع أم لا فإن أهلها قوم لا دين لهم فأجبته بما فيه الخير له. وعندي أن كل البدو يشبهون أهل الحسا فلا دين لهم ومنهم أناس لم يمس الماء أيديهم مدة سنة أقول هذا عن بصيرة لا يشوبها شيء من الأراجيف فقد عشت في وسطهم تسعة شهور دفعة واحدة لا فرقة بينها ولم أكن أستطيع أن أشرب اللبن الذي كانوا يقدمونه إلي كلما طلبت ماء لأشرب فحين أرفضه وأطلب الماء يقولون اطلبه حيثما تراه ولكن عند من تراه وهم لم يروا الحمامات أو الماء الجاري في حياتهم”؛[رش].
أحساء القرامطة أقرب إلى القطيف من أحساء اليوم:
وبالتالي بعد أن أوضحنا المسافات والمواصفات الخاصة بأحساء القرامطة، فأعتقد أنها أقرب إلى القطيف من الأحساء الحالية فهي تبعد عن القطيف (25.7) كلم بينما تبعد أحساء القرامطة عن أحساء اليوم حوالي (130) كلم تقريباً. وإذا حاولنا أن نضع تقريباً إلى موقع أحساء القرامطة فهي في منتصف الطريق بين الدمام وبقيق من جهة البحر (لقربها من مدينة هج1 الساحلية كما سيأتي)، حيث المسافة بين الدمام وبقيق 75 كلم تقريباً، فأحساء القرامطة أقرب إلى الدمام منها إلى مدينة بقيق.
مدينة هجر:
مدينة هج1 تعتبر الرقم الصعب للباحثين وقد نسبها بعض مؤرخي أحساء اليوم إلى أحسائهم دون تحقيق وتثبت بل نسبوا قرى هج1 إلى الأحساء (بالطبع لم يستطيعوا أن يقولوا القطيف والزارة والخط من قرى هجر)، بينما جميع المؤرخين الأوائل يذكرون أن قرى هج1 هي القطيف والخط والزارة؛ ولكن بحثوا في قراها الدارسة ونسبوها إلى الأحساء كما عملوا جاهدين على تصحيف بعض قرى الأحساء إلى قرى هج1 الدارسة وهكذا أصبحت قصبة البحرين هج1 في قلب الأحساء وهذا من المضحكات المبكيات وسخريات القدر.
وفيما يلي نذكر بعض النصوص التاريخية التي توضح للقارئ موقع هج1 بشكل حسابي كما ذكرت المسافات الموضحة لموقع هجر، لنتمكن بعدها من تحديد موقع هج1 التقريبي:
بين الأحساء وهج1 ميلين = (3.696) كلم، وماء عين هج1 إلى البحر.
قال المقريزي: “واتفق أن البلد كان واسعاً، ولأهله عادة بالحروب، وهم رجال شداد جهال، فظفر أبو سعيد باشتهار دعوته في تلك الديار، فقاتل بمن أطاعه من عصاه، حتى اشتدت شوكته.
وكان لا يظفر بقرية إلا قتل أهلها ونهبها، فهابه الناس، وأجابه كثير منهم، وفر منه خلق كثير إلى بلدان شتى خوفاً من شره، ولم يمتنع عليه إلا هج1 وهي مدينة البحرين ومنزل سلطانها، وبها التجار والوجوه فنازلها شهوراً يقاتل أهلها، ثم وكل بها رجلاً.
وارتفع فنزل الأحساء وبينها وبين هج1 ميلين فابتنى بها داراً، وجعلها منزلاً، وتقدم في زراعة الأرض وعمارتها، وكان يركب إلى هجر، ويحارب أهلها، ويعقب قومه على حصارها.
ودعا العرب فأجابه بنو الأضبط من كلاب، وساروا إليه بحرمهم وأموالهم، فأنزلهم الأحساء، وأطمعوه في بني كلاب، وسائر من يقرب منه من العرب فضم إليهم رجالاً، وساروا فأكثروا من القتل، وأقبلوا بالحريم والأموال والأمتعة إلى الأحساء، فدخل الناس في طاعته، فوجه جيشاً إلى بني عقيل فظفر بهم، ودخلوا في طاعته.
فلما اجتمع إليه العرب مناهم ملك الأرض كلها، ورد إلى من أجابه من العرب ما كان أخذ منهم من أهل وولد، ولم يرد عبداً ولا أمة ولا إبلاً ولا صبياً إلا أن يكون دون الأربع سنين. وجمع الصبيان في دور وأقام عليهم قوماً، وأجرى عليهم ما يحتاجون إليه، ووسمهم لئلا يختلطون بغيرهم، ونصب لهم عرفاء، وأخذ يعلمهم ركوب الخيل والطعن، فنشأوا لا يعرفون غير الحرب، وقد صارت دعوته طبعاً لهم. وقبض كل مال في البلد، والثمار، والحنطة، والشعير. وأقام رعاةً للإبل والغنم، ومعهم قوم لحفظها، والتنقل معها على نوب معروفة. وأجرى على أصحابه جرايات فلم يكن يصل لأحد غير ما يطعمه. هذا وهو لا يغفل عن هجر، وطال حصاره لهم على نيف وأربعين شهراً حتى أكلوا الكلاب، فجمع أصحابه، وعمل دبابات، ومشى بها الرجال إلى السور، فاقتتلوا يومهم، وكثر بينهم القتلى، ثم انصرف عنهم إلى الأحساء، وباكرهم فناشوه، فانصرف إلى قرب الأحساء، ثم عاد في خيل، فدار حول هج1 يفكر فيما يكيدهم به، فإذا لهج1 عين عظيمة كثيرة الماء، تخرج من نشز من الأرض غير بعيد منها، فيجتمع ماؤها في نهر يستقيم حتى يمر بجانب هجر، ثم ينزل إلى النخل فيسقيه، فكانوا لا يفقدون الماء في حصارهم. فلما تبين له أمر العين انصرف إلى الأحساء، ثم غدا فأوقف على باب المدينة رجالاً كثيراً، ورجع إلى الأحساء، وجمع الناس كلهم، وسار في آخر الليل فورد العين بكرة بالمعاول والرمل وأوقار الثياب الخلقان ووبر وصوف، وأمر بطرح الوبر والصوف وأوقار الثياب في العين، وطرح فوقها الرمل والحصى والتراب والحجارة، فقذفته العين، ولم يعن ما فعله شيئاً، فانصرف إلى الأحساء بمن معه.
وغدا في خيل فضرب البر حتى عرف أن منتهى العين بساحل البحر، وأنها تنخفض كلما نزلت، فرد جميع من كان معه، وانحدر على النهر نحو ميلين، ثم أمر بحفر نهر هناك، وأقبل يركب هو وجمعه في كل يوم والعمال يعملون حتى حفره إلى السباخ، ومضى الماء كله فصب في البحر ثم سار فنزل على هج1 وقد انقطع الماء عنهم ففر بعضهم فركب البحر، ودخل بعضهم في دعوته، وخرجوا إليه فنقلهم إلى الأحساء، وبقيت طائفة لم يفروا لعجزهم، ولم يدخلوا في دعوته فقتلهم، وأخذ ما في المدينة، وأخربها فبقيت خراباً، وصارت مدينة البحرين هي الأحساء. ثم أنفذ سرية إلى عمان في ستمائة، وأردفهم بستمائة أخرى، فقاتلهم أهل عمان حتى تفانوا، وبقي من أهل عمان خمسة نفر، ومن القرامطة ستة نفر، فلحقوا بأبي سعيد، فأمر بهم فقتلوا، وقال: “هؤلاء خاسوا بعهدي ولم يواسوا أصحابهم الذين قتلوا”. وتطير بهلاك السرية، وكف عن أهل عمان؛[رص].
كما يذكر الحميري قوله: “ودخل أبو سعيد هذا مدينة هج1 من بلاد اليمن[رض] سنة سبع وثمانين ومائتين بعد حصار أربع سنين، فدخل على قوم هلكوا جوعاً وهزلاً وبعد أن كان الوباء وقع فيهم فمات منهم خلق، وقتل منهم القرمطي ثلاثمائة ألف فطرحهم أحياء في النار، ونجا قليل منهم إلى جزيرة أوال، ولم يبق من أهل هج1 يومئذ إلا أربعون رجلاً”؛ [رط].
هج1 أعظم مدن البحرين في ساحل هجر:
قول المسعودي: “وجزيرة أوال فيها بنو مَعْن وبنو مسمار وخلائق كثيرة من العرب بينها وبين مدن ساحل البحرين نحو يوم، بل أقل من ذلك، وفي ذلك الساحل مدينة الزارة والعقل والقطيف من ساحل هجر”.
قال المسعودي: “مدن البحرين، وكان أهلها في نهاية العدة والقوة كالقطيف، وكان بها علي بن مسمار وإخوته، وهم من عبد القيس، وقتله علياً والزارة، وكان بها الحسن بن العوام من الأزد وصفوان، وكان بها بنو حفص وهم من عبد القيس أيضاً والظهران والإحساء، وكان بها بنو سعد من تميم وجواثا، وكان بها العريان بن الهيثم الربعي”؛ انتهى.
إلى أن قال: “وهج1 وكانت أعظم مدن البحرين، وكان بها عياش المحاربي، وكان أعظمهم عدة، وأشدهم شوكة”؛[رظ].
مدينة هج1 بالقرب من قرية آفان القطيفية:
قال الفرزدق في مدح عمر بن هبيرة: [رع]
أنت رجائي بأرضي إنني فرق
من واسط والذي نلقاه ننتظر
اسأل زياداً ألم ترجع رواحلنا
ونخل أفان مني بعده نظر
وما فرقت وقد كانت محاضرنا
منها قريباً حذاري وردها هجر
وقد شرح الشي. المرحوم حمد الجاسر عن الفرزدق، قوله: “وأفان: قرية بالقطيف، للأزد وعبد القيس. وهجر: لأخلاط من العرب الأزد وغيرهم يقول: قد كانت القطيف مني بقدر ما يدركها”. كما أشار الجاسر أن بلدة سيهات (القطيفية) يظهر أنها قامت على أنقاض بلدة أفان[زذ].
من النصوص السابقة وأقوال المسعودي نستشف أن بني تميم أراضيهم من الظهران إلى الأحساء بينما يسكن هج1 أفراد من قبيلة عبد القيس وهي دار إقامتهم، وبالتالي مدينة هج1 تقع ضمن أراضي عبد القيس وقراهم كانت متناثرة بين الخط والقطيف والزارة والظهران وكانت هج1 أعظمها وكان نهر محلم يسقي نخيل هج1 وقراها.
من قول المقريزي أيضاً في حصار أبي سعيد لهج1 يتضح أن عين هج1 بالقرب من البحر، وأن أبا سعيد انتقل من الأحساء القرمطية (التي تبعد ما يقارب 25.7 كلم عن القطيف) في منتصف الليل ووصل مدينة هج1 في الصباح باكراً. وهج1 تبعد عن أحساء القرامطة ميلين، وبالتالي يتضح أن هج1 تبعد عن القطيف (28) كلم.
وأيضاً من شرح الشيخ حمد الجاسر الذي أوضح قرب الفرزدق من قرية آفان القطيفية وهو في مدينة هجر، وبالتالي فأعتقد أن هج1 تقع في الأراضي الواقعة بالقرب من ساحل نصف القمر على مسافة 28 كلم من مدينة سيهات القطيفية. ويؤكد قولنا ما أوضحه جواد علي، قوله: “ونزلت نكرة بن لكيز القطيف وما حولها والشفار والظهران إلى الرمل وما بين هج1 إلى قطر وبينونة”؛[زر] انتهى. فكانت هج1 بعد مدينة الظهران، ومن النصوص السابقة التي توضح أن هج1 مدينة تقع بالقرب
[مختصر]