لايزال التاريخ يُسجّل بتقديرٍ عالٍ الدور الإنساني والاستثنائي الذي قامت به بعثات التبشير في الخليجخ دورٌ لم يكن أحد ليشكّك في نزاهته وصدقه وإن اختلط بدوافع دينية. لقد جاء المبشّرون وفي يدهم الكتاب المقدس وم417 الجراحة وحقيبة تطبيب سوداء وأقلام للكتابة ورغم فشلهم في المهمة الأولى إلا أنهم حقّقوا نجاحاً مدهشاً في الثانية.
عندما جاءت الممرضة الأميركية الشابة كورنيليا دالينبرج أوائل العشرينات كان النفط في الخليج مجرد «وحل» تحت الأرضخ حياة بدائية بسيطة كان يرزح تحتها مجتمعٌ يعيش على الزراعة والبحر وتسوده الأمية وإيقاع حياة ظل مستقراً لقرون.
تجربة حياة استمرت أربعة عقود في البحرين لخّصتها هذه الشابة المسيحية في مذكراتها التي صدرت عن مطبوعات بانوراما الخليج بمذكرات شريفة الامريكانية 1989ة وقدم لها عيسى أمين وتحوي قدراً كبيراً من المعلومات عن مجتمع البحرين وبدايات النشاط التبشيري في المنطقة. إذ دونت شريفة كمعظم ما كتبه المبشرون بدقة متناهية العادات والتقاليد والوضع السياسي والمادي لمجتمعات الخليج.
وكجزءٍ من التكيّف مع المجتمع المحلّي أطلقت بآنة زوجة الطبيب بول هارسون اسم شريفة على كورنيليا عندما استقبلتها أول مرة حين نزلت البحرين العام 1922 ولتبدأ في اليوم التالي دروسها العربية لتشرع في عمل إنساني سيمتد أربعين عاماً قضتها في خدمة الإرسالية بالعربـيةة ومستشفاها في المنامة.
موضوع التبشير في البحرين سبق قدوم شريفة بنحو ثلاثين عاماً حين قام صموئيل زويمر بت 1952ة المؤسس الحقيقي للإرسالية في نيويورك العام 1889 بزياريتن للبحرين قبل أن يؤسّس أول مركزٍ تبشيري في منطقة الخليج.
تأثرت شريفة تأثراً بالغاً بصموئيل زويمر وقد استهواها الكتاب الذي وضعه عن المنطقة وقرأته في أميركا. وصموئيل أول من قام برحلة تبشيرية طبية رغم أنه لم يكن طبيباً بل قسيساً وكان يعتمد في عمله التبشيري على خبرته الطبية الضئيلة.
كما تأثرت بالطبيب بول هارسون الذي خدم في المنطقة ثمانية وثلاثين عاماً ويعتبر من أكثر الأطباء المبشّرين الذين خبروا الجزيرة العربية وساهم في إنقاذ حياة المئات.
وإذا كان مبرّر التطبيب هو الأساس في عملية التبشير فإن توفّر الخدمات الطبيّة من قبل حكومات المنطقة وإن جاء بشكل متأخر قد قضى على أيّ أمل للمبشرين في توسيع نشاطهم وهو أمرٌ لم يحدث إلاّ بعد ظهور النفط حيث ترافق التطبيب المجاني مع انتشار التعليم المجانيئ فـ «أصبحنا بالفعل ن491 ببعض التواضع في حضرة ثروة النفط» كما تقول شريفة.
كتبت شريفة قصتها وسنعرف أنها وبعد تخرّجها في مدرسة التمريض في شيكاغو في سن الثانية والعشرين قرّرت تطليق الدنيا بكل مباهجها ومغريات شيكاغو وقاومت إغراء حياة الزواج وتأسيس الأسرة وتفرّغت بشكلٍ كاملٍ لخدمة المسيح.
وقد انخرطت في خدمة الكنيسة الإنجيلية الإصلاحية مدفوعةً بحماس ورغبة دينية جامحة لتعمل في البحرين والقطيف والإحساء وقطر والعمارة في العراق. وقد اختارت العمل في الجزيرة العربية لعدة أسباب منها: انعدام الخدمات الطبية الضرورية فيها وضرورة تنصير الجزيرة العربية لتعود إلى المسيحية كما كانت تقول.
كان كتاب صموئيل زويمر «الجزيرة العربية مهد الإسلام» الدافع الرئيس في دفع شريفة إلى التحدث مع راعي الكنيسة في بلدتها وهو أدريان زويمر والد صموئيل زويمر وإبداء رغبتها في العمل التطوعي والتبشيري في الجزيرة العربية. ودارت الأيام لتجد شريفة نفسها مع أخريات على ظهر الباخرة «ستي لال تاو» في يوم الرابع والعشرين من أكتوبرد تشرين الأول 1922.
ما كتبته شريفة عن البحرين وبقية دول الخليج يعدّ من أدقّ المصادر للتاري. الصحي والاقتصادي والاجتماعي للمنطقة في عشرينيات إلى ستينيات القرن الميلادي الماضي. فقد أتاح لها عملها الطبي الدخول لبيوت أهل البحرين والمنطقة الشرقية في المملكة وقطر والتعرف عن كثب على ما يدور داخل الحريم لتسجّل بدقة وموضوعية ما يلفت نظرها وهو كثير.
استعرضت شريفة في مذكراتها المشاهدات الميدانية ووصفتها بأسلوب بسيط ومباشر وسجّلت انطباعاتها وخبراتها عن الحياة اليومية وهي شهادةٌ تكتسب أهميتها من كونها شهادةً من امرأة من خارج المنطقةئ امرأة رأت وسجّلت ما شاهدت بعيون غربية.

يوضّح عبد المالك التميمي في كتابه «التبشير في منطقة الخليج» أن المبشّرين لا يشيرون في كتاباتهم وتقاريرهم إلى أثر الأعمال التبشيرية في تنصير المسلمين إلا بشكل عام ومقتضب مع أنه الهدف الأساسي الذي نذروا أنفسهم لتحقيقه ويعزو ذلك إلى ضآلة عدد من نجحوا في تنصيرهم خلال هذه المدة الطويلة من العمل في المنطقة. ويضيف أن المعلومات المتوفرة تبيّن أن عدداً من نجحوا في تنصيرهم لا يزيد عن أربعة أشخاص وهم عيسى الداوي بت 1950ة وأصله من الإحساء والذي اعتنق المسيحية في الكويت سنة 1925 بعد معاناةٍ شخصيةٍ تعرّض لها. ومراش بن بلال بت 1930ة من مسقط والسيدة خيرية حيدر من البحرين وشخص رابع من عمان جاء إلى مستشفى الإرسالية في مسقط أغفلت جميع المصادر ذكر اسمه.
لكن «شريفة» تذكر حالتي تنصّر حدثت بالفعل في البحرين سجّلتهما بشكل مقتضب وعرضي فقد تحدثت عن «علي» الشاب الذي درس الكتاب المقدس مع القسّ «بيننج» لمدة عام وهاج1 بعدها بمساعدة الإرسالية إلى العراق ليلتحق بالعمل في الإرسالية الأميركية في ال(1). كما تحدّثت عن «أم طرار» التي كانت مسيحية «تكتم إيمانها» كما تقول شريفة.
والحق أن حديث شريفة عن التأثير المسيحي للبعثة في مجتمع البحرين لم يتجاوز إلا ب69 فقرات من المذكرات التي طفحت بكثير من التفاصيل والمعلومات الشيقة لطبيعة الحياة الاجتماعية بما يجعل من هذه الصفحات الـ 277 وثيقةً تاريخيةً على قدرٍ كبيرٍ من الأهمية.
شريفةئ شكراً لكِ متأخرةً وشكراً لكلّ من ساهم في تقديم يد العون لأخيه الإنسان على هذه الأرض الطيبة وما أكثرهم وما أقسانا معهم.
بقلم: وسام السبع صحيفة الوسط
شريفة الأمريكانيةخخ شكراً متأخرة