ناقشنا في الحلقة السابقة الحفرة وطرقة صيد الأسماك باليدج وهناك طريقة أخرى تمسك فيها الأسماك باليد بعد أن يتم تخديرها بسم خاص تعارفت عليه العامة بسم السمك.
صيد السمك بسم السمك
ربما لم يعد السم يستخدم في صيد الأسماك لكن الصورة التي ارتسمت للأسماك وهي تترنح وتلف وتدور حول نفسها وتقفز من الماء بعد تناولها السم أخرجت لنا المثل الشعبي الذي لا يزال متداول وهو كأنه ميده ماكله سمج والميد نوع من الأسماك الصغيرة وهو المعروف بالبوري. وطريقة الصيد بالسم عرفت منذ القدم ذكرها أرسطو قبل أن تذكرها العرب. وقد اشتهرت مجموعة من النباتات كانت تستخدم كسم للأسماكج والمشهور عندنا نوعان من بذور النباتات تستخدم كسم للسمك الأول وهو فnamirta paniculata والمسمى بالفارسية مر« ماهي وفي العراق زهرج و الآخر هو Verbascum thabsus المسمى بالفارسية مازريون وعرفته العرب باسم ماهي زهره وماهي زهرجج و أحيانا يطلق الاسم ماهي زهر على النوع الأولج أما زعم بلجريف في مذكراته أن سم السمك هو بذور الليلك الفارسي فهو زعم لم أجد له صحةج وعبر التاري. أستخدم الليلك الفارسي لتحضير سم السمك ولكن من أوراقه لا بذوره.
ويحضر سم السمك بتحميص البذور تحميصا خفيفا ثم تدق حتى تصبح مسحوقاج بعد ذلك يضاف إلى المسحوق الدقيق أو معجون الرز الأبيض وسرطانات بحر صغيرة أوالربيان بعد أن يتم دقهاج ثم يعجن عجنا جيد حتى يمتزج وفي هذه الأثناء يضاف إليه الصل وهو زيت من أصل سمكي. وقد وصف بلجريف في مذكراته رحلة لصيد السمك بالسم جاء فيهاغ
وقبل أن أغادر جدة يقوم الرجال بإعداد طُعْم السمك وهي المادة المستخدمة في اصطياده والتي تتكون من سراطين البحر والأسماك الصغيرة المخلوطة مع الطحين والبذور الجافة لزهرة الليلك الإيرانية المسحوقة جميعها لتكّون عجينة لزجة لها رائحة مميزة. وعندما نصل جزيرة البينة نلقي مرساة اللنش ونقفز إلى البحر ونسبح حتّى الشاطئ الرملي الأبيض حيث أقف في 916 الماء المالح الذي يغطي نصف جسمي وأراقب عملية الصيد. ويبدأ الرجال الحاملين معهم أواني طعم السمك بخوض المياه ونثر كميات كبيرة منها على مساحة واسعة من السطح ثم ينضمون إلينا على الشاطئ. وبعد الانتظار لمدة عشرين دقيقة تقريباً نرى طيف السمك الفضي وهو يقترب من مكان الفخ وبعد فترة طويلة قليلاً نشاهد بوضوح أسماكاً كثيرة تندفع في دوائر أو تغدو وتجئ وتنزلق (1) في سطح الماء. وما هي إلاّ لحظات أخرى حتّى يحيط بالجزيرة من جميع جوانبها الأسماك المتحركة بطريقة تولد على ذعرها. ثم يدخل الرجال إلى البحر فيخوضون ويسبحون فيه ويغوصون إلى أسفله وهم يصطادون الأسماك إذا استطاعوا ذلك بأيديهم العارية. ورغم كون السمك مخدراً إلاّ أن الإمساك به لم يكن أمراً سهلاًج وحينما أحاول اصطياده تضرب السمكة يداي بزعانفها الحادة وتتخلص منا بسبب كونها ملساء مما يجعل القبض عليها 59باخ بعض الرجال يقومون بصيد السمك من خلال زورق بخاري مربوط إلى اللنش حيث يجلسون في موقع مرتفع عن سطح الماء ويرشدون الصيادين داخل البحر عن مكان تواجد الأسماك الكبيرةخ بعد حوالي نصف ساعة يسترجع السمك حالته وحواسه الطبيعية ويشفى من المخدر المأخوذ من بذور زهرة الليلك الإيرانية المعروفة في البحرين باسم سم السمك.
الحداقغ صيد السمك بالخيط
من أقدم طرق الصيد في الخليج العربي هي الحداق أو طريقة الصيد بالخيط والشص أو الخطاف الذي يعرف محليا بالمجدار. ويرجع تاري. هذه الطريقة في الخليج لما قبل الألف الرابع قبل الميلاد حيث لم يصنع بعد المجدار بل كانت تستخدم قطعة عظم صغيرة مدببة الطرفين يربط خيط من مركزهاج وقد تطورت هذه الطريقة حيث استبدلت قطعة العظم ب45 يصنع من الأصداف البحرية وقد عثر على بعض من تلك الشصوصج ثم استبدلت الشصوص الصدفية بالشصوص النحاسية حيث تم العثور في مناطق من الخليج العربي على أشكال من الشصوص التي استخدمت في صيد الأسماك يعود تاريخها لما قبل الألف الثاني قبل الميلاد.

الحداق كما عرفته العرب
لم توثق طريقة الحداق بصورة جيدة في الكتب العربية القديمة و لكن يمكننا العثور على وصفها من خلال الشعراء الذين تفنن بعضهم في وصف طريقة الحداق وآلتهاج وقد تعددت الألفاظ المستخدمة فيها وأغلبها ألفاظ غير 91بية وسنبدأ أولا بالتعريف بالمصطلحات كما جاءت في كتب اللغة ثم وصف الطريقة كما وردت في الشعر.
ر الحداق
عرف العرب لفظة الحداق وعلى الرغم من ذلك لا نعرف أصل التسمية فقد وردت لفظة حداق عند ابن دريد المتوفي عام 941م في كتابه الاشتقاق أثناء حديثه عن احد الرجال واسمه حداق بن شقيق حيث علق بقوله: واشتقاق حداق من احد شيئين: أما من حدق العيون أو من حدق السمك وهو صيده. و هذا يعني أن الحدق هو الفعل و منها الاسم حداق واسم الفاعل حدّاق بالتشديد. وقد أجتهد البعض في رد لفظة حداق للفظة العربية حذق بمعنى المهارة.
ز الشص
عرف الحداق أيضا عند العرب باسم الصيد بالشصج والشص لفظ معرب من لفظ شست الفارسيةج جاء عنه في تلعروس غ
الشِّصُّ بالكَسْرِ: حَدِيدَةٌ عَقْفاءٌ يُصَادُ بها السَّمَكُ. ويُفْتَحُ ذَكَر الجَوْهَرِيّ اللُّغَتَيْنِ. وقال ابنُ دُرَيْد: لا أَحْسَبُ هذَا الّذِي يُسَمَّى شِصّاً عَرَبِياً مَحْضاًخ قال الصَّاغانيُّ: صَدَقَ ابْنُ دُرَيْد وهو مُعَرَّب ويُقَال له بالفَارِسيّة: شستْ.
وجمع 45 شصوصج قال ابن الرومي المتوفي عام 896م
الحمدُ للَّهِ الذي نجَّى السمكْ من الشُّصوص الجائلات والشبكْ
س الصنارة
أصل الصنارة رأس المغزل على ما جاء في لسان العربغ
الصَّنَارَةُ بكسر الصاد: الحديدة الدقيقة المُعَقَّفَةُ التي في رأْس المِغْزل وقيل: الصِّنَارَةُ رأْس المِغْزل وقيل: صِنَارَةُ المغزل الحديدة التي في رأْسه ولا تقل صِنَّارَةً. وقال الليث: الصِّنَارَةُ مِغْزل المرأَة وهو دخيل.
و قد عمم اللفظ فاستخدم بمعنى الشصج جاء في كتاب نهاية الأرب في فنون الأدبغ
الشّصّ وهو الصّنانير قال كاتب أندلسيّ يصفه من رسالة: صنانير كأظفار السّنانير قد عطفها القين كالراء وصيّرها الصّقل كالماء فجاءت أحدّ من الإبر وأرق من الشّعر كأنها مخلب صرد أو نصف حلقةٍ من زرد
لاحظ كيف شبه شكل الشص بحرف الراء وليس بحرف اللامج وهذا يعني أن الشصوص التي كانت تستخدم في تلك الحقبة هي تلك الشبيهة بحرف الراء فقد عثر في حضارة الرافدين على أشكال مختلفة من الشصوص أو المجادير منها ما يشبه الراء وأخرى تشبه اللام كما هو موضح في الصورة.
وصف الحداق عند شعراء القرن الرابع الهجري
ولم أجد وصفا للحداق عند العرب إلا في النادر من الشعر عند شعراء القرن الرابع الهجري بالعاشر الميلادية منها شعر أحمد الصنوبري المتوفي عام 945م فيرد قصيدة في وصف طرق صيد الأسماك ولا أعلم إذا كان من المصادفات ورود لفظة حذق فيها أم أن اللفظة هي أصل الحداقج وقد حاولت جاهدا 41حها فتبين أن الشاعر يصف صيد الأسماك بطريقة الحداق وذلك باستخدام قطع حديدية ذات رؤوس معقوفة بفي أعاليها أودة مشدودة في ذنب خيل وذنب الخيل مربوط في بيراعة أي قصب وقد وصف القصب بقوله بصُمّ الأنابيب قريباتِ العقدة أي أنها ليست جوفاء من الداخل وذات عقد متقاربة. وبعد أن فر: من وصف أداة الحداق وصف الشبك والذي كنى عنه بقوله ببعثنا ألفَ عين في جَسَدة وسوف نعود لهذه النقطة لاحقا عند الحديث عن الشبكخ قال الصنوبريغ
أفضلُ ما أعددتُه من العُدَدْ وما حوى صحبي بهِ غِنى الأبَدْ
بناتُ قينٍ حازَ في الحذقِ الأمد على مقاديرِ مخاليبِ الصُّرَدْ
أو مثل ما عاينتَ أنصافَ الزرد لها رؤوسٌ في أعاليها أود
كمثل أنيابِ الأفاعي وأحدّ ذوات طعمٍ نكدٍ كلِّ النكد
تشدُّ في أذنابِ خيلٍ إِذ تشد ممرّةِ الفتلِ كإِمرارِ المسَد
نيطتْ بأطراف يراع مستعد صُمّ الأنابيب قريباتِ العقد
عُجنا بها من حيث ما عاج أحد في ظلِّ صفصافٍ علينا قد بَرَد
شاطئ نهرٍ لابسٍ درع زبد فأطلقت أيديهم إطلاق يد
ولم تزلْ ترسل طوراً وتمد حتى تنادَوا قَدْ من الحيتانِ قد
ثم بعثنا ألفَ عين في جَسَد فجئننا بمثلهنَّ في العدد
ألفٌ من الحيتان بيضٌ كالبرد مكسوَّةٌ دراهماً ما تنتقد
كذلك الأرزاقُ من جزرٍ ومد فالحمدُ للمهيمنْ الفردِ الصَّمَد
وقد وصف الشاعر أبو الفتح كشاجم المتوفي 970م في وصف الشص أو الصنارة ويلاحظ أن الشاعر يشبهه بحرف الراءغ
من كان يحوي صيده الفضاء وللبزاة عنده ثواء
وطال بالكلب له العناء فإن صيدي ما حواه الماء
بمخلبٍ ساعده رشاء يظلّ والماء له غطاء
كما طوت هلالها السماء كأنه من الحروف راء
فهو ونصف خاتمٍ سواء يحمل سمّاً اسمه غذاء
وعطباً فيه لنا إحياء تدمى به القلوب والأحشاء
عاد إذا ساعده القضاء أمتعنا القريس والشّواء
تنوع طرق الصيد بالمجدار
في الوقت الحاضر عرفت العامة أنماطا مختلفة من طرق الصيد بالمجدار منها ما أنقرض ومنها ما تطور بصورة كبيرة. فمن الطرق التي مازالت تعد بدائية هي طريقة الخية التي تسمى أيضا مشبق أو مشبك وهو مما يستخدمه الهواة وفي هذه الطريقة يستخدم خيط نايلون سميك قد يزيد طوله على 100 متر وتتدلى منه عدد من المجادير متباعدة عن بعضها بمسافة مناسبة ويوضع الطعم في كل مجدار. ويتم تثبيت الخيط بالمجادير المثبتة فيه في منطقة المد والجزر وذلك في فترة المد وتجمع الأسماك المصادة في حالة الجزر.
ومن الطرق التي تطورت كثيرا هي طريقة اللفاح والتي تسمى أيضا مجرور أو ميرورج خيث تعتبر هذه الطريقة من طرق الصيد التجارية الثانوية وفيها يتم ج1 الخيط خلف القارب في أثناء سيره بهدوء وتستخدم فيه مجادير خاصة يسمى الواحد منها درية.
الوسط حسين محمد حسين
تطور طرق صيد الأسماك زح السم والحداق