تحدثنا في الجزء الأول من التقرير عن اكتشاف المستوطنة وطبيعة بنائها. ونكمل اليوم للحديث عن المعبد الدلموني في سار، ونظرية التقويم الدلموني الشمسي الخاصة بتفسير وظيفة المعبد، ثم نختم بالحديث عن المقبرة المميزة لهذه المستوطنة.
وصف المعبد
في وسط المستوطنة، في المكان الأكثر ارتفاعاً فيها، وعلى الشارع الرئيسي يقع معبد سار الأثري المتميز في بنائه. فهو على شكل شبه منحرف، وهو مبني بالحجارة الجيرية الصغيرة، خلافاً للصخور الرملية الضخمة المقطوعة
بعناية التي استخدمت في بناء قلعة البحرين ومعبد باربار، ومسجد الخميس.

المعبد بأعمدته الثلاثة متوسطاً المستوطنة
للمعبد باب صغير في الجهة الشرقية، وهو مطل على الشارع الأساسي للمستوطنة ويقابل هذا الباب في الخارج عمودين مستطيلين ضخمين. وفي الداخل ثلاثة أعمدة في الوسط. على الحائط الشمالي مقاعد للمشاركين في الطقوس الدينية، ويقابله على الحائط الجنوبي المذبح الذي تقدم فيه القرابين لل«لهة. كما أن هناك مذبحاً »خراً بنفس التصميم على العمود الأوسط. وتوجد غرفة جانبية في الجهة الشمالية الغربية من المعبد. كانت جدران المعبد مطلية بالجبس، وهناك ما يدل على أنه كان مسقفاً بالسعف أو الحصر، إلا أننا لا نعرف على وجه الدقة طبيعة الطقوس العبادية التي كانت تؤدى داخل هذا المعبد، ولا الإله الذي خصص هذا المعبد لعبادته.
اختلاف العلماء حوله
تتعدد التفسيرات التي قدمها العلماء لشكل المذبح الداخلي الذي يحتوي على قوسين، فمنهم من يعتقد بأنهما على شكل قرني ثور، ومنهم من يعتقد بأنهما على شكل قمر بهلاله، وأن المعبد مخصص لعبادة الإله سين (إله القمر). وفيما يتعلق بوجود مذبحين في المعبد، فهناك من يرى أنه قد يدل على كثرة القرابين المقدمة للآلهة، أو أنه يدل على عبادة أكثر من إله في هذا المعبد.

المذبحان، ويظهر شكل الهلال بوضوح على المذبح الأساسي
كذلك اختلف العلماء في تفسير وظيفة الغرفة الداخلية للمعبد، فمنهم من يعتقد أنها مجرد غرفة لتخزين أدوات وأغراض المعبد، ومنهم من يعتقد أنها مرصد فلكي بني بعناية خاصة وبمعرفة فلكية عميقة لرصد تحركات الشمس. وبذلك يمكن أن نقول أن هذا المعبد مخصص لعبادة الإله أوتو (إله الشمس).
نظرية التقويم الشمسي الدلموني
يقول الدكتور نبيل الشيخ، الآثاري السعودي، إن ظروف الحياة في دلمون المعتمدة أساساً على التجارة والزراعة والصيد قد مهدت لظهور المتطلبات الأساسية لحساب الزمن، حتى تمكن كهنة دلمون من تطوير مفاهيمهم البسيطة إلى ابتكار تقويم شمسي مكون من 365 يوماً، وهي المدة التي يستغرقها الانقلاب الشمسي أو اكتمال دوران الكرة الأرضية حول الشمس. ولا عجب أن يكتشف هذا المعبد في قرية سار، فسار في اللغة القديمة تعني السنة أو الدورة.

الشمس من زاوية الرصد حسب نظرية الشيخ.
شيد المعبد بناء على هذه الحسابات لرصد ظاهرة الانقلاب الصيفي في 21 يونيو من كل سنة، حيث تتعامد الشمس وقت الغروب على زاوية الرصد الكائنة في الغرفة الشمالية الغربية للمعبد. وعند تعامد الشمس يعلن الكهنة بدء العام الجديد. وبهذا يكون شعب دلمون من أوائل الشعوب التي عرفت التقويم الشمسي في العالم القديم وهو تقويم دقيق جداً، ونسبة الخطأ فيه بسيطة وقابلة للتصحيح بزيادة يوم في السنة كل أربع سنوات كما هو معمول به حالياً في شهر فبراير.

نموذجان لأختام دلمونية من موقع سار
تظهر بوضوح رموز الشمس وتصور طقوس العبادة
ويدعم هذه النظرية وجود العديد من الأختام الدلمونية التي تتضمن رموزاً تمجد إله الشمس، أوتو. إلا أن وجود محرابين في المعبد يمكن أن يفيد بأنه مخصص لعبادة إلهي الشمس والقمر. إلا أن هذا الافتراض بحاجة إلى البحث من قبل خبراء الآثار لإثبات صحته من عدمها.
المقبرة الدلمونية في سار
وفي جانب آخر من موقع سار الأثري تقع المدافن الأثرية المتشابكة، وهي لأهالي المستوطنة. هذه المدافن فريدة من نوعها كونها تتشابك فيما بينها كخلية النحل. وتُبنى هذه الشبكات من القبور على شكل أقواس دائرية تحوط قبراً مهماً لملك أو لشخص من علية القوم، بحيث يُبنى كل قبر على جدار القبر السابق. وبذلك تكون كل القبور متشابكة. وهذه القبور هي لعامة الناس بينما قبور علية القوم تتخذ شكلاً فخماً متميزاً عن بقية القبور.

تتشابك القبور كخلية النحل
يتكون القبر من حجرة الدفن الواسعة نسبياً والعميقة، حيث يدفن الميت وهو جالس القرفصاء. وبداخل الحجرة فجوة جانبية يحتفظ فيها الميت بأدواته التي تدفن معه ليستعين بها على الحياة عندما يبعث في الحياة الآخرة. ويُملأ القبر بالرمل الناعم ثم يغلق بعدد من الحجارة الضخمة.

القبر الرئيسي ببنائه الدائري الضخم
في الختام
لا يزال تاري. البحرين بحاجة إلى الكثير من الجهد والبحث للكشف عن أسراره، ولا تزال المواقع الأثرية بحاجة إلى الكثير من الاهتمام من قبل الجهات الرسمية والشعبية.
إن هذا التاري. العظيم يمثل دافعاً قوياً للعمل من أجل الوطن. ولذلك نحن بحاجة إلى تسليط الضوء عليه بصورة أكبر في وسائل الإعلام وفي مناهجنا الدراسية.
من مراجع التقرير
علي أكبر بوشهري: التاري. القديم للبحرين والخليج العربي.
يوسف الشيخ: نظرية التقويم الشمسي الدلموني بمعبد سار.
هاريت كراوفورد: الأختام الدلمونية المبكرة من سار.
مجموعة مؤلفين: بقايا الفردوس، ترجمة محمد الخزاعي.
بقلم الأستاذ: علي السلاطنة