القسم العام

قلعة البحرين في العهد البرتغالي وهجرة العتوب إلى الزبارة والبحرين

OLYMPUS DIGITAL CAMERA         هذا البحث يتحدث حول قلعة البحرين (المعروفة بقلعة عجاجة) ويستعرض تاريخها على مراحل مختصرة، ثم يتطرق للعتوب ويستعرض بعض المراحل من تاريخهم. وللأسف لم نجد اسم الباحث. البحث قد يحوي معلومات غير صحيحة ولكن ننقله للفائدة. وإن شاء الله سنرفق ألبومًا من صور القلعة في الفترة القادمة.
المقدمة: كانت البحرين وما تزال محل أنظار العالم ومحل أطماع الدول والقوى المختلفة نظرًا لموقعها الاستراتيجي ومواردها. فقد حكم البحرين أصحاب حركة الزنج والقرامطة وكذلك العيونيون و«ل عصفور و»ل جبور والعمانيون والبرتغاليون.

 

وكان «خرهم العتوب المتمثلة بعائلة »ل خليفة. وما زالت البحرين بعد الحماية البريطانية يتمركز بها الأسطول الأمريكي الخامس.
ففي هذا البحث المتواضع سوف أبحث أهمية قلعة البحرين أثناء الغزو البرتغالي، كما سوف أبين التسمية
الحقيقية لهذه القلعة. كما سوف يكون في الجزء الآخر من البحث عن أوضاع العتوب خلال القرن الثامن عشر.

 

أهمية قلعة البحرين أثناء الغزو البرتغالي
تقع قلعة البحرين، والتي كانت تسمى سابقًا بقلعة عجاجة[ر]، على الساحل الشمالي لجزيرة البحرين وتحتل موقعًا مهمًا في نهاية خليج مفتوح. تحدها من الشرق مدينة المنامة، حيث تشرف على أرض مفتوحة تصل مساحتها إلى حوالي 32 هكتارًا تنتشر فوقها بساتين النخيل.[ز]
وإذا ما حاولنا معرفة بعض الأمور المعمارية لهذه القلعة فسوف نجد أن لهذه القلعة بابين، أحدهما أخذ مكانه في البرج الشمالي، وهو باب مموه، أقيم ليسهل على سكان القلعة الهرب حين يداهمها الأعداء بالهجوم.
أما الباب الآخر، فهو الباب الرئيسي فيوجد في جهة الغرب. كما توجد بالإضافة إلى هذين البابين فتحات ضيقة بينهما تستخدم للدفاع.[س]

قلعة البحرين أم قلعة البرتغال
اختلط على بعض المؤرخين والكتاب عن المؤسس الحقيقي لقلعة البحرين والتي كانت تعتبر أنها من آثار الاحتلال البرتغالي، إلا أن الحفريات وأعمال التنقيب الأخيرة أثبتت العكس. فالحفريات تثبت أن أساسات القلعة تعود لألفية باربار في الألف الثالث قبل الميلاد وتمتد حتى القرن السادس عشر الميلادي. حفريات الألفية الإسلامية تعطي معلومات أكثر دقة عن الحوادث التي مرت بالبحرين وتشير أن المسلمين أعادوا بناء القلعة على العهد البيزنطي.[ش]
فالجبور هم من بنوا قلعة البحرين وذلك من أجل صد الغزو البرتغالي. فقد استعان السلطان مقرن بعمال مهرة من الترك والعرب، وقد قامت هذه القلعة على ركام قلعة أخرى، وكانت هذه القلعة لها الدور البارز في وقت المعركة التي كانت بين القوات البرتغالية والسلطان مقرن.

دور القلعة في غزو البحرين
لقد كانت قلعة البحرين لها الدور البارز لدى الجبور من أجل صد الغزو الذي تأهبوا له من قبل البرتغاليين. ففي 27 يوليو 1521م، هاجمت القوات البرتغالية السور الذي أقامه السلطان مقرن، وقد حاول البرتغاليون بدك السور بواسطة المدافع. وكيف أن البرتغاليين قد وصلوا إلى الخندق المحيط بالقلعة. وعندما وقع البرتغاليون في خدعة وحصار أمام سور القلعة إلى أن انتهت المعركة التي استمرت أيام، وكانت نهاية المعركة بفوز البرتغاليين. وكانت معركة فتح البحرين واحتلالها على يد البرتغاليين عام 1521م أطول معارك البرتغاليين في الخليج العربي منذ وصولهم.[ص] وعندما احتلوا البحرين وتثبتوا من المزايا العسكرية الاستراتيجية لقلعة البحرين، وكان ذلك في عام 1522م.
فقد قاموا بترميم القلعة وتوسيعها، وحفروا حولها خندقًا جافًا يبلغ عمقه 30 قدمًا ليصد الغارات. وقد استفاد منها البرتغاليون بفترة لا تقل عن 80 عامًا، هي فترة حكمهم للبحرين.[ض]

دور قلعة البحرين في إنهاء حكم البرتغاليين
فقد كانت هناك عدة أسباب لتمرد البحرينيين على البرتغاليين، منها أسباب داخلية، ومن هذه الأسباب أن البرتغاليين قد رفعوا مبلغ الضريبة السنوية الذي كان على هرمز أن تدفعه لهم سنويًا إلى مائة ألف أشرفي عام 1529م، وبالتالي تم رفع ضريبة البحرين إلى الضعف تقريبًا. وقد تجمعت الأسباب الداخلية والخارجية مما أدت إلى رفض بدر الدين دفع ضرائب البحرين وعصيانه للأوامر البرتغالية.
قرر نائب الملك في الهند إرسال حملة تأديبية لإخماد الثورة البحرينية الثانية. ويذكر أن بدر الدين جمع حوالي ثمانمائة مقاتل حوله وتحصن بقلعة البحرين، ورفض تسليمها للبرتغاليين. وقد انتهت حملة البرتغاليين ضد ثورة البحرين الكبرى عام 1529م، إلا أن البرتغاليين عادوا من جديد لفرض سيطرتهم على قلعة البحرين بفضل الإمدادات التي وصلت لهم من الهند. ورغم أن سيطرة البرتغاليين امتد حكمهم من عام 1529م إلى 1602م دون انقطاع، إلا أن الحكم لم يكن مستقرًا حتى تم طردهم من البحرين نهائيًا عام 1602م.[ط]

العتوب في القرن الثامن عشر
من هم العتوب
العتوب هم حلف يضم عدة قبائل هاجرت من مساكنها في نجد واستقرت على ضفاف الخليج بقرب البحرين. وهناك البعض يذهب إلى أن العتوب كانوا يقطنون بالقرب من عرب في أم قصر، حيث كانوا يعملون هناك بالقرصنة ونهب السفن البحرية. فقد كان هذا العمل هو السائد في ذلك الوقت في خليج فارس، وهو يشبه غزو القبائل بعضهم لبعض في البر.[ظ] وتسمية العتوب اشتقت من الفعل عتب أي انتقل وارتحل. ومن عشائر العتوب من ينتمي لقبيلة عنزة وقبيلة تميم وسليم. ومنهم العشائر التي تنتمي إلى «ل خليفة و»ل الصباح والجلاهمة والفاضل ومن هاج1 معهم من منطقة الأفلاج.[ع]

سبب هجرة العتوب من نجد
هاج1 العتوب من نجد نحو سواحل الخليج مع بداية القرن الثامن عشر لأسباب اختلف حولها الباحثون، فمنهم من يرجع ذلك إلى المجاعة أو الجفاف الذي أصاب أواسط شبه الجزيرة في منتصف القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر، حيث اضطر العتوب وغيرهم من القبائل للهجرة بسبب الجفاف. البعض الآخر من الباحثين يرجع سبب الهجرة للنزاع الذي وقع بين العتوب وأبناء عمومتهم من بطن جميلة من عنزة.

المناطق التي ارتحلوا إليها قبل الكويت
ارتحل العتوب مع بداية القرن الثامن عشر من صحراء نجد واستقروا في مناطق مختلفة قبل التوجه للكويت. وقد أجمع الباحثون على استقرار العتوب في قطر ولكنهم اختلفوا في مدة بقائهم فيها، حيث يرى البعض أنهم استقروا ما يقرب من خمسين سنة استطاعوا خلالها أن يتعلموا ركوب البحر، ويصبحوا بالتالي أمة بحرية. ولكن الشيخ عبد الله آل خليفة يرى أن بقاءهم في قطر 30 سنة تقريبًا.

العتوب والاستقرار في الكويت
لم يستطع الكتاب تحديد تاريخ معين لوصول العتوب إلى الكويت، إلا أن المستر واردن (Warden) وغيره من موظفي حكومة بومباي يشير إلى أن أسلاف «ل خليفة و»ل الصباح وصلوا الكويت في حوالي 1716م، وبدأوا في إدارة البلد.[رذ]
يقول فرنسيس واردن (Warden)، عضو مجلس بومباي، ومساعد المقيم في الخليج: حوالي 1716 دخلت ثلاث قبائل عربية ذات شأن، هي بنو صباح والجلاهمة وآل خليفة، تحدوها حوافز المصلحة والطموح، في تحالف واستولت على بقعة من الأرض على الساحل الشمالي الغربي من الخليج تسمى الكويت. وكان بنو صباح في ذلك الوقت تحت رياسة الشيخ سليمان بن أحمد، والجلاهمة تحت زعامة جابر بن عتبة، وآل خليفة تحت رياسة خليفة بن محمد.
ويشير بعض الباحثين العرب إلى أن المستر واردن (Warden) لم يصب في بعض النقاط التي تطرق إليها بالنسبة لوصول العتوب للكويت. فمن الثابت أن العتوب لم ينزلوا الكويت دفعة واحدة -كما يرى واردن-، فبعض الأسر كانت أسبق في الحضور من غيرها.
وبعد وصول العتوب للكويت اتفقت الأسر الثلاث «ل خليفة و»ل الصباح والجلاهمة على تقسيم أعمال إدارة البلد فيما بينهم، فأوكلت مهمة الحكومة ل«ل الصباح، ومهمة التجارة ل»ل خليفة، ومهمة شؤون البحر للجلاهمة. وخشي «ل الصباح و»ل خليفة الذين نصبوا خيامهم في خليج الكويت، أن يعترض الأتراك، الذين كانوا يدعون ملكية المكان وكانت لهم قوة كبيرة في البصرة، على وجودهم هناك ويطردوهم إلى حيث أتوا أو يفرضوا ضرائب عليهم. وقرروا في مجلس عقده أهل الرأي بينهم إرسال مبعوث إلى الباشا التركي في البصرة لكي يشرح له أنهم مستوطنون فقراء نزحوا من نجد البعيدة إلى الكويت طلبًا للرزق، وليست في نيتهم أذية أحد. والرجل الذي اختير للقيام بهذه المهمة يدعى صباح. وكان متقدمًا في السن وله من دنياه الخبرة والحظ فنجح في مهمته، ومنحه باشا بغداد لقب قائمقام في عام 1718. وهكذا برزت أسرة آل صباح من بين تحالف العتوب باعتبارها الأسرة الحاكمة.
إن استقرار العتوب في الكويت ساعدهم في الاستفادة من الموقع الفريد لها، حيث استفاد العتوب من عوامل ثلاثة: أولها خطوط المواصلات البحرية للشركات التجارية الأوروبية عبر الخليج وإليه. والثاني عدم وجود قوة أخرى في الخليج تستطيع أن تقف موقف المنافسة لهم. أما العامل الثالث فهو وقوع الكويت ضمن أراضي بني خالد، فقد كان أسلوب الحكم عند هؤلاء من العوامل الرئيسية التي ساعدت على نمو التجارة وتوفير الحماية اللازمة للمدن التي قامت وازدهرت في هذه المنطقة.

هجرة «ل خليفة من الكويت إلى الزبارة
أسباب هجرة »ل خليفة من الكويت والتي حدثت عام 1766م، والتي اختلف فيها المؤرخون من أسرتي «ل الصباح و»ل خليفة، وأنهم يرجعون سبب الارتحال إلى أنه جاء من بني كعب، إلا أنهم اختلفوا في تفاصيل هذا السبب. وفي هذا الصدد نشير إلى روايتين حول أسباب الهجرة من الكويت تمثلان وجهة نظر «ل خليفة:
الأولى: فرواية الشيخ عبد الله بن خالد »ل خليفة تقول: إنه سمع من كبار عشيرته آل خليفة أن سبب الهجرة كان محددًا. وذلك أن إحدى سفن الشيخ محمد بن خليفة وفيها أحد أبنائه كانت راسية في الدورق، وكانت تحمل تمرًا فهاجمها قطاع الطرق ليلًا بهدف نهبها ونشبت بين المهاجمين وأصحاب السفينة معركة انتهت بقتل أحد المهاجمين وهو من بني كعب. وغادرت السفينة مرساها بسلامة وعادت للكويت. فطلب بنو كعب بتسليم ابن الشيخ محمد لأخذ الثأر منه لقتيلهم فرفض الشيخ محمد تسليم ابنه واقترح عليه الشيخ عبد الله بن صباح أن يأخذوا الابن في مسيرة ويذهبوا إلى بني كعب ويطلبوا منهم الصفح على أن يدفعوا لهم دية القتيل. فلم يوافق الشيخ محمد على ذلك الرأي وقال إنه مستعد لدفع الدية مهما بلغت ولكنه لن يسلم ابنه وخاصة أن بني كعب هم الذين بدأوا بالعدوان، فاشتد الخلاف بين بني كعب والشيخ عبد الله نتيجة لذلك الرفض، مما دعا الأخير إلى الإلحاح على الشيخ محمد بتسليم ابنه على أساس أنه ليس في مقدورهم محاربة بني كعب، فأدى ذلك إلى مغادرة الشيخ محمد «ل خليفة مع من رافقه من العتوب وتوجه إلى أقاربه وأصهاره العتوب من »ل بنعلي الذين هاجروا من الكويت في وقت سابق وسكنوا الفريجة في قطر فسكن عندهم وأسس مدينة الزبارة وفي وقت لاحق واستقل بها عن قطر.[رر] وقد سلكت طريق البحر نحو جزيرة البحرين، للإقامة هناك إلا أن حكامها من آل مذكور حالوا بينهم وبين ذلك، فاتجهوا إلى شبه جزيرة قطر وأقاموا في الزبارة.
الثانية: ينقلها الدكتور أبو حاكمة في كتابه تاريخ شرقي الجزيرة العربية، وقد علم بها من الشيخ عبد الله بن خالد آل خليفة: أنه سبق لجد خليفة أنه حكم الكويت أو المنطقة التي كان يقيم فيها العتوب وذلك قبل استيطانهم الكويت. وقد قام فيصل بتزويج إحدى كريماته من جابر، والد الشيخ صباح بعد انتخاب صباح حاكمًا على البلاد. ولم يعترض أحد من عمومته على الزواج المذكور أملًا في أن الحاكم الذي سيخلفه لا بد وأن يكون من أسرة فيصل. على كل حال، فإن اختيار عبد الله أصغر أبناء صباح للحكم أثار ثائرة خليفة الذي كان ينوي أن يحل محل صباح في الحكم. وإزاء ذلك اضطر خليفة إلى مغادرة الكويت.

الزبارة
الزبارة مدينة تقع على ساحل شبه جزيرة قطر الشمالي الغربي. ومعنى الزبارة في لسان العرب من الزبر وهو وضع البيان أو الحجارة بعضها فوق بعض. وعند أهل الخليج العربي تعني أكمة أو تلة صغيرة ترتفع عن الأرض. وسمي المكان الذي بنيت هذه المدينة بالزبارة لوجود تلة صغيرة فيه، وهناك محل آخر في قطر يدعى أبا الزبارة. أما تسمية الأماكن، فالعرب يسمون كل قطعة من صحرائهم باسم ليستدلوا به في معرفتها. وقد اختاروا سكنى الزبارة لما تتميز به من ميناء مجاور للسفن، ولقربها من الماء والمرعى والحطب. ولم يرد أي ذكر للزبارة في التاريخ قبيل تأسيس الشيخ محمد بن خليفة لها ولقلعته المشهورة فيها بعد نزوحه من الكويت إلى قطر.[رز]
وقد تأسست الزبارة في عام 1762م، وذلك لأن الشيخ محمد بن خليفة بعد هجرته إلى الزبارة تزوج من آل بوكوراة وأنجب من زوجته هذه ولديه علي وإبراهيم، وقتئذ كان زهاء أربعين عامًا. وقد قام ببناء قلعة على الماء الذي يستقون منه، وسماها صبحا على اسم قلعتهم في الهدار، وتسمى أيضًا قلعة مرير نسبة إلى الماء الذي بنيت حوله. ولا تزال صور آثارها معروفة، وكانت قلعة حصينة وأتم بناءها.
وقد ساعدت الظروف الاقتصادية والسياسية على ازدهار الزبارة وعمرانها واتساعها حتى أصبحت أكبر مدينة في قطر. ومن تلك الظروف مطالبة المسلمي الشيخ محمد بن خليفة بدفع بعض الرسوم، وقد دفعها له عدة سنوات. وبعد أن أتم بناء القلعة امتنع عن الدفع، وانضمت له قبائل قطر فامتنعت هي الأخرى عن دفع الرسوم للمسلمي مما أدى إلى نشوب معركة بين آل خليفة وأعوانهم من جهة والمسلمي وأعوانه من جهة أخرى. وعلى إثر هذه المعركة انهزم فيها المسلمي في وقعة السميسمة في قطر. وبعد هذه الواقعة، برز دور الزبارة واضمحل نفوذ «ل الحويلة التي كان فيها »ل مسلم.[رس]
وفي حوالي سنة 1772م توفي الشيخ محمد بن خليفة وخلفه ابنه الشيخ خليفة. وكان الشيخ خليفة بن محمد ورعًا تقيًا وأديبًا وشاعرًا ينظم الشعر، وله إلمام بفقه الإمام مالك. وفي عهده اتسعت الزبارة وذلك لأسباب منها: هجوم الزنديين على البصرة في عهد كريم خان الزندي ومحاصرتها حوالي سنة ونصف، وقيل دام الحصار أربعة أشهر. ودافع أهل البصرة عن مدينتهم ببسالة نادرة رغم نقص الطعام وقلة الذخيرة عندهم. ونهب العجم البصرة وفعلوا فيها الأفاعيل، وكان متسلمها يومئذ سليمان بك الكبير ومعه فيها مشاي. المنتفق. فلما كانت سنة 1190هـ، استولى العجم على البصرة صلحًا ثم غدروا بأهلها ونهبوها وساروا إلى بلد الزبير ونهبوه ودمروه وتركوه خاليًا وأهله ما بين منهزم طالب النجاة وقتيل. وهذا أدى إلى انتقال كثير من أصحاب رؤوس الأموال والعلماء من البصرة والكويت إلى الزبارة والأحساء ومناطق الجنوب لبعدها عن الأحداث، خاصة وأن البصرة وقتئذ كانت مركزًا تجاريًا وفيها حركة اقتصادية نشيطة، كما أن الرخاء الاقتصادي أدى إلى التقدم في العلوم والعمران فيها. فلما انتقل بعض التجار بخبرتهم وأموالهم إلى الزبارة انتعشت المدينة. ثم إن تحول طائفة من فحول العلماء والأدباء والشعراء إليها ساعد على التقدم العلمي حيث فتحوا المدارس فيها شأن ما ألفوه في البصرة، فعمرت الزبارة اقتصاديًا وثقافيًا، وممن هاج1 إليها بسبب هذه الأحداث أحمد بن رزق التاج1 المعروف.
وتعرضت البصرة لمرض الطاعون حيث كتب شاهد عيان في حوادث سنة 1772م وهو عبد الرحمن بن عبد الله السويدي المؤر. المعاصر لانتشار وباء الطاعون في العراق والذي انتقل من بغداد إلى البصرة مع أهله ثم إلى الزبير وبعدها إلى الكويت، ووصف الكويت فأقام بها شهرًا فقال إن فيها أربعة عشر مسجدًا وجامعين.[رش] قال لوريمر إن وباء الطاعون فتك بحوالي 200 ألف نسمة من أصل ثلاثمائة ألف من سكان البصرة.[رص] وفي رواية ولم يبق من أهل البصرة إلا القليل، فقد أحصي من مات من أهلها فبلغوا ثلاثمائة وخمسين ألفًا، ومن أهل الزبير ستة آلاف نفس. وهذا الوباء دفع بالكثير من سكان البصرة إلى النزوح إلى الزبارة حتى قيل: “خراب البصرة عمار الزبارة”؛ لأن كثيرًا من العلماء الذين عاشوا في الزبارة كانوا في فترة من حياتهم في البصرة.
كذلك ظهر «ل سعود وحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية، بينما ضعف سلطان »ل عريعر نتيجة الخلافات الأسرية بين آل عريعر وهم من بني خالد، فتغلب الأمير عبد العزيز بن محمد بن سعود على نجد والبادية. هذا النزاع الأسري أدى إلى نمو الزبارة وإلى التقدم الاقتصادي عند العتوب في ظل ذلك النزاع الذي كان له كبير الأثر في عدم الاستقرار واضطراب الأمن، مما دفع بعض سكان الأحساء ونجد إلى الرحيل عنها وسكنى الزبارة والكويت.
إن الفترة التي عاصرت نشوء وازدهار الزبارة قد شهدت حدوث قحط وغلاء. ففي سنة 1767م، ارتفعت الأثمان ونفد الزاد في جميع البلدان، واستمر الغلاء في السنة التي تليها وسمي ذلك القحط والغلاء العظيم “سوقه”، مات فيه خلائق كثيرة جوعًا وجلا كثير من أهل نجد إلى البصرة والزبير والأحساء.
وقد ساعد نزول آل خليفة ومن والاهم للزبارة على نمو الثروة لسكناهم بقرب المصدر الأساسي لثروة الخليج وهو اللؤلؤ. وتمتعت الزبارة بنوع من حرية التجارة فإن عدم فرض ضرائب على السلع التجارية فيها شجع التجار على الدخول إليها بتجارتهم، فأصبحت وقتئذ منطقة جذب إذ ترد إليها البضائع للاستهلاك ثم يصدر الفائض منها إلى نجد والأحساء وغيرها.
أحداث وقعة الزبارة
ولما توطد حكم الشيخ خليفة بن محمد بن خليفة على الزبارة، أمر بعض عشيرته وأتباعه بالاشتغال في التجارة فكانوا يأتون جزيرة البحرين ويشترون منها اللؤلؤ ويسافرون به إلى أرض الهند فيبيعونه ويرجعون إلى بلادهم. فوافق في بعض الأيام أن اعتدوا على خدم ل«ل خليفة جاءوا إلى بلدة في البحرين تسمى سترة لشراء جذوع النخيل فأدى ذلك إلى وقوع قتال بين خدم »ل خليفة وأهل البحرين وكانت النتيجة قتل خادم آل خليفة الذي يسمى إسماعيل. فغضب لذلك أهل الزبارة جميعًا ثم إنهم أرسلوا أناسًا مسلحين في سفينة صغيرة للأخذ بثأر المقتول. فساروا إلى سترة وتقابلوا مع رهط القاتلين حتى تمكنوا من قتل غريمهم. فعظمت المصيبة عند أهل البحرين الذين طالبوا من حاكمهم بأخذ الثأر.[رض] فجمع الشي. نصر قوة كبيرة قوامها ألفا مقاتل وقيل 4000 جندي بقيادة محمد ابن أخي الشي. نصر، وحاصرت هذه القوى الزبارة. ورغم أن الشي. نصر اعتبر هذه القوة كافية لغزو الزبارة، إلا أنه أراد تقويض قوة العتوب بمجرد محاصرته لمينائهم، وقام لذلك بدوريات في أسطوله بين البحرين والزبارة باستمرار. ودام الحصار للزبارة نحو شهر. وقد توسط “ميرغني” من بندر ريج بين الشي. نصر وآل خليفة حقنًا للدماء، ولكن الشي. نصر قدم شروطًا قاسية للصلح فلم تنجح الواسطة. فحل محله الشيخ راشد بن الشيخ رحمة القاسمي، شيخ جلفار، وحاول تسوية النزاع بين الطرفين بصورة سلمية، ولكن محاولاته باءت بالفشل. وكان الشيخ عبد الله بن خليفة بن محمد «ل خليفة يمثل الزبارة في المفاوضات، وقد وافق على شروط الصلح، إلا أن الشي. نصر »ل مذكور ومن يمثله رفضوا تلك الشروط وطلب استسلام أهل الزبارة بدون قيد أو شرط، واشترط له الحق في التحكيم برقاب أهلها. فلما لم تجد المفاوضات نفعًا مع الشي. نصر، طلب الشيخ عبد الله بن خليفة منه أن ينزل قواته، وأخبره بأن حصاره للزبارة غير مجدٍ ما دامت القوافل وهي تحمل الغذاء تأتي باستمرار من الصحراء. كما أنه استفز خصمه بقوله: “إنه من العار عليه وهو يمثل دولة العجم أن يبقى محاصرًا للزبارة دون أن ينزل للحرب”. فأجابه شيخ آل مذكور أنه يخشى أن يهرب أهل الزبارة عندما تنزل قواته بين الزبارة والفريجة في وقت صلاة الجمعة، وقد اتخذ هذا الوقت لانشغال الناس بأداء الصلاة فيفاجئهم وهم بالمساجد، دون أن يعلم أن اجتماعاتهم هذه أدت إلى قوتهم، كما أن المصلين في الفريجة توجهوا بسيوفهم لنجدة إخوانهم في الزبارة، وكانت امرأة قد انتدبتهم واستنجدت بهم ضد الغزاة. وحدثت المعركة في يوم الجمعة الموافق ديسمبر 1782م. وهكذا فوجئت القوات الغازية بهجوم مضاد وقوي ضدها فور نزولها، وبعد قتال عنيف أجبر الغزاة على الفرار إلى قواربهم، وقتل الشيخ محمد ابن أخي الشي. نصر، كما قتل ابن أخي الشيخ راشد وبعض الرجال البارزين من جماعة شي. هرمز. فرفع ذلك الانتصار من معنويات آل خليفة ومن معهم من القبائل الذين اتجهوا إلى البحرين.

 

نتائج المعركة
وكان انسحاب نصر بمعظم ما بقي من قواته إلى بوشهر قد أدى إلى سوء الأحوال في البحرين وذلك لضعف حاميتها، وقد كانوا ينتظرون مددًا من الشيخ آل مذكور. وصادف أيضًا أن هناك فتنة أهلية داخل البحرين. فقيل إن الشي. نصر لما فر من الزبارة كان فراره رأسًا إلى بوشهر، ولما رأى أهل البحرين خلوها من حاكمها وكسرتهم المشؤومة بالزبارة، وكأنهم أدركوا ضعف الدولة الفارسية في ذلك الوقت، فقد انقسمت البلاد إلى حزبين: حزب أهل جدحفص، وفيها نائب الحكومة أو وزيرها مدن، ورئيسها السيد ماجد. وغاية هذا الحزب لا تخرج من أحد الوجهين الآتيين: إما أن يكون قد طمع في أن يستقل بحكم البلاد عن حكومة إيران المنهزمة فيخلفه على السلطة لنفسه والحاكم يكون السيد ماجد الجدحفصي، وإما أن يكون ثابتًا على ولائه للحكومة الإيرانية ويريد أن يحافظ على سلطتها وأن يمثلهم. أما الحزب الثاني فهم أهل البلاد القديم، وهؤلاء موقفهم موقف الضد والمنافس الحاسد، ورئيس هذا الحزب الشي. أحمد بن رقية. والعداوة بين أهل البلاد وجدحفص لا تعرف أسبابها الحقيقية. فإذا بهم يتضاربون بالسيوف فقتل بينهما من قتل، وانتهى الأمر بفوز الحزب الجدحفصي. وما أراد ذلك الحزب إلا الانتقام، فقد أرسل مكاتيب إلى آل خليفة بالزبارة يدعوهم بالاستيلاء على البحرين وأنهم سيعاونونهم.[رط] ومن نتائج معركة الزبارة هي استيلاء «ل خليفة على البحرين وكان ذلك على يد الشي. أحمد بن محمد »ل خليفة الذي لقب بالفاتح لفتحه البحرين. ولما استتب حكم الشي. أحمد الفاتح ورتب أمور البلد، عاد إلى الزبارة بعد أن جعل على البحرين أميرًا من قبله وهو الشيخ علي بن فارس الشاعر الأديب. قال ابن سند: “لقد وزر والي أوال الشي. أحمد بن محمد «ل خليفة للشيخ علي بن فارس، فزين تلك الوزارة وجمل هاتيك الإمارة ب»رائه الثاقبة وسيرته الحسنة، وجعل مقره قلعة الديوان الكائنة في المنامة”. وصار الشي. أحمد يأتي إلى البحرين صيفًا وفي الزبارة شتاءً، وإذا حل الربيع كان الشي. أحمد يرتاد “بجري الشي. أحمد”، وهي روضة مستطيلة في البادية. [مختصر]