القسم العام

دراسة في تاريخ وأصالة شعب البحرين

old14رغم استحداث الوسائل تلو الأخرى لحجب الحقائق والمعلومات، فأشعة الشمس باقية يصعب حجبها. فالمراجع وكتب التاريخ تنسف تقاريرهم المشبوهة في المحاولة عبثاً لتزوير تاري. له جذور لا يحجبه تقرير ظلامي خائب وبائس. ومن هذا المنطلق، خصت الباحثة أمينة جعفر الفردان “الوفاق” بدراسة أعدتها خصيصاً رداً على تلك المزاعم وجاء فيها:
في ذلك اليوم قررت أن أبحر في تاري. أرضي، “أرض الخلود”؛ البحرين، صاحبة الحضارة والتاري. المديد، خصوصاً بعد تلك الأصوات

 

الأخيرة التي أخذت تبوح لنا بما لا يقبله العقل والمنطق. فالبحرين هذه، صاحبة الحضارة، أصبحت بين ليلة وضحاها “بدون حضارة”، و”بقدرة قادر” أصبحت قراها ومدنها “في المريخ”.
قراري بزيارة إحدى المكتبات العامة كشف الكثير من الحقائق التي طالما حاول البعض تمويهها وإخفاءها لسنوات طوال من عمر هذا الوطن، “لأغراض قد تكون سياسية تارة وطائفية تارة أخرى”. في هذا البحث سوف نستعرض بعضاً من تلك الحقائق لدحض تلك المزاعم التي وردت في ذلك التقرير “المشبوه” الذي كان جرماً بحق الوطن ومن عاشوا على أرضه بنوا أمجاده وحضارته وتاريخه.
بعض الحقائق
ما كشفه المنقبون عن ال«ثار حول تلك المواقع الأثرية: كشفت البعثة البريطانية المنقبة في موقع المرخ بالتعاون مع إدارة ال»ثار جانباً هاماً من الحياة التي كان سكان المرخ يعيشونها، إذ تبين أنهم كانوا يعتمدون في حياتهم اليومية على صيد الأسماك وحيوانات المنطقة الأخرى. وتشهد بذلك كميات كبيرة من عظام الأسماك والقواقع البحرية التي عثر عليها في الموقع.
مستوطن الدراز الأثري: يعتبر موقع الدراز من المستوطنات التاريخية الهامة في جزيرة البحرين، ويقع في الجزء الشمالي الغربي من جزيرة المنامة. وقد قامت إدارة الآثار بتنقيبه عام 1973م. وتم اكتشاف بقايا دور للسكن تتألف من ثلاث طبقات بنائية، تعود إلى قرى قديمة يتراوح عهدها بين 2500 و2000 ق.م. وللأسف فإن التلف أصاب غالبية بقايا الدور خلال العصور التالية، سواء على يد الإنسان أو بتأثير الظروف الطبيعية، وذلك بسبب قربها من سطح الأرض، فلم يبق من الموقع إلا جزء قليل.
موقع عالي الأثري: يقع هذا الموقع شرق قرية عالي. وقد قامت البعثة الإنجليزية بالتنقيب فيه عام 1978م. وتبين من خلال التنقيب أن الموقع يحتوي على ثلاث مستوطنات سكنية يعود أقدمها إلى الفترة الدلمونية، كما توجد به قبور من الفترة البابلية الحديثة “الكلدانية”، ثم مستوطن من العصور الإسلامية. والموقع غني بموجوداته الأثرية، غير أن التنقيب لم ينته بعد فيه.
موقع جنوسان الأثري: يتميز هذا الموقع بوجود تلال ضخمة نقبت البعثة الفرنسية في عدد منها، فاكتشفت قبوراً هلنستية تعود إلى الفترة الواقعة ما بين 200 ق.م. إلى 200 م. ويقع المكان في شمال جزيرة البحرين قرب قرية باربار ومعابدها الثلاثة.
مقبرة تلة أم الحصم الأثرية: وهي عبارة عن تلة كبيرة بها ستة وخمسون قبراً يرجع زمنها إلى العصر الهلنستي (300 ق.م. إلى 200 م.)، بدلالة ما اكتشف فيها من مواد أثرية تعود إلى ذلك العصر. وقد أزيلت هذه التلة بعد إتمام أعمال الحفر والتنقيب.
تلال قرية الشاخورة: تقع هذه التلال في منتصف الطريق بين البديع والمنامة جهة الجنوب. وهي عبارة عن مجموعة من التلال تشتمل كل تلة على مجموعة من المدافن مبني بعضها فوق الأرض الصخرية وبعضها محفور في الأرض الصخرية. وقد مسحت جدرانها بالبلاط والجير. ومن الملاحظ أنه لا يوجد قبر رئيسي في مركز التلة. وتعود التلال إلى الفترة الهلنستية ما بين 300 ق.م. إلى 200 م. ولقد قامت إدارة ال«ثار بتنقيب بعض من تلال الموقع. وهناك أعداد أخرى من هذه التلال لم تنقب. ولقد سعت إدارة ال»ثار إلى تحويطها واستملاكها.[1]
تلك الشواهد التي أثبتت وجود مستوطنات بشرية في هذه القرى تعد أكبر دليل يتناقض وتلك المزاعم التي ساقها أولئك.
قرى البحرين
بحسب ملاحظات القدماء، مثل ابن المجاور (ت. 690 هـ)، وأبو الفداء (ت. 732 هـ)، والبحار العربي أحمد بن ماجد (ت. 936 هـ)، والوثائق البرتغالية، فإن عدد قرى البحرين كان يتراوح بين 300 و360 قرية.[2]
من جهته قال الشيخ محمد النبهاني في تحفته: “كانت البحرين في السابق تحتوي على 36 بلدة، وعلى 331 قرية، ولكن لكثرة تداول الحكام عليها، ووقوع الحروب بها، وزوال الحضارة منها أزال عمرانها، وخرب أكثر تلك المدن والقرى، ولم يبق منها سوى بضع مدن، وبعض القرى التابعة لها”.[3]
هذه المعلومة “الأخيرة” وجدتها أيضاً في بعض الكتب التي تشير إلى المرجع الأساس “التحفة النبهانية في تاري. الجزيرة العربية”؛ مثل كتاب “أعلام الثقافة الإسلامية في البحرين خلال 14 قرناً” لسالم النويدري.[4]
لكن هناك كتاباً آخر أشار إلى هذه المعلومة أيضاً وهو كتاب “ذاكرة البديع 1845م-2005م” لإبراهيم الدوسري. هذا الكتاب وجدته وبه “مادة البلانكو” التي تغطي جزءاً من الرقم الذي يمثل 300 ليبقى العدد الذي يراه القارئ بهذا الشكل 33. هذا التمويه لفت نظري وأخذت أفكر في السبب وراء ذلك. وهل أن السبب يرجع للتقليل من عدد القرى لأغراض مشبوهة؟ لكن قلت في نفسي لعل الكاتب أشار إلى عدد القرى 333 قرية بدل 331 قرية، وبالتالي أراد أن يصحح خطأه فقام بوضع “البلانكو” على الرقم الثالث. لكن هناك تساؤلاً آخر يدور في داخلي: لماذا لم يوضع “البلانكو” على الرقم الأول ليصحح الخطأ “وهو الأصح”؟ وبالتالي يضع مكانها رقم واحد. “على كل حال، الله أعلم بخفايا الأمور”.
قدوم الدواسر
وفي الكتاب ذاته أيضاً يشير الكاتب إلى أن عائلات من قبيلة الدواسر، قدمت من شبه الجزيرة العربية سنة 1845م، خلال حكم آل خليفة للبحرين. واختارت هذه العائلات أن تسكن على الساحل الشمالي الغربي من جزيرة البحرين، حيث سكن عدد من تلك العائلات في القسم الجنوبي من الساحل، فأطلقوا على ذلك القسم “البديع”. وسكنت عائلات أخرى في القسم الشمالي فأطلقت عليه “الدام”. وأما عائلة “العمامرة” فسكنت القسم الشمالي الشرقي وسمي ذلك القسم “حي العمامرة”. ومع مرور الزمن وقوة الترابط بين العائلات، صار اسم “البديع” يطلق على كافة الأقسام.[5]
ما ذكر هنا خلاف لما جاء في التقرير المشبوه الذي ذكر قرية البديع من ضمن تسع قرى موجودة بحسب زعمهم في العام 1825م.
وبالعودة مرة أخرى إلى عدد القرى البحرينية (300-360) التي تحدث عنهم الأقدمون أو 331 التي تحدث عنهم النبهاني في تحفته، سنحاول أن نستعرض بعضاً منها من خلال تتبع مواقعها على الخريطة البحرينية:
فعلى الساحل الشمالي الشرقي من جزيرة المحرق تقع قرية “سماهيج” (سمهج) وهي تختفي خلف حدائق النخيل. ويحدها من الشمال الغربي قرية “الدير”، ومن الجنوب قرية “قلالي”. وأخيراً الحد وعراد.[6]
المنامة. أكبر المدن
ثم “المنامة”، وهي أكبر مدن البحرين وشرقها على الساحل الشمالي قرية “رأس رمان”. وبها دار الوكالة البريطانية وإدارة البريد والمولد الكهربائي للتنوير المؤسس سنة 1348هـ. يشتغل جل أهلها صيفاً بصيد اللؤلؤ والسمك وشتاء بصيد السمك والملاحة والأسفار إلى سواحل الهند واليمن وإفريقيا لتصدير التمور والبلح المسلوق “السلوق”. وجنوبها قرية حالة “ابن سوار” على الساحل الشرقي وحرفة أهلها الملاحة شتاء وصيد اللؤلؤ والسمك صيفاً. وجنوبها شرقاً حالة “ابن أنس” وهي على الساحل الشرقي وأهلها ملاحون ويصطادون اللؤلؤ صيفاً والسمك شتاء. وغربيها قرية “الحورة”، ويطلق عليها مع سابقتها اسم “الحورتين”. وجاء ذكرهما في معجم ياقوت باسم “حوارين”. قال: “حوارين بلدة بالبحرين افتتحها زياد فكان يقال له زياد حوارين وهو زياد بن عمرو بن المنذر وأخوه خلاس بن عمرو وكان فقيها من أصحاب علي رضي الله عنه”. وغربيها جنوباً على الساحل الشرقي قرية حديثة عهد بالسكنى وأكثر أهلها من الأجانب. وشرقيها بحراً “القليعة” بصيغة التصغير. ذكرها ياقوت في معجمه قال: “القليعة موضع في البحرين لعبد القيس”.
وجنوب القرية الحديثة قرية “القضيبية”. وكانت سابقاً مصيفاً لتجار اللؤلؤ من أهل المحرق وأهلها من علية القوم يتجرون باللؤلؤ، وبعضهم يحترف صيده وصيد السمك. وجنوبي شرق القلعة قرية “السقية” بها جملة كبيرة من دواليب النخيل والمخضرات التي تسقى بالغرافة وأهلها يشتغلون بفلاحتها. وجنوبها “عين أم شعوم”، وهي عين كبيرة قوية تسقي جملة من البساتين. وجنوبي أم الشعوم “قرية الماحوز”. وهي قرية كبيرة ذات مياه غزيرة وبساتين باسقة نضيرة وحرفة أهلها الفلاحة والزراعة وقد خرج منها جملة من فطاحل العلماء كالعلامة الشيخ سلمان الماحوزي المتوفى 1137هـ.[7]
الهوامش
[1] بومطيع، يوسف عبدالله. حضارة البحرين عبر العصور التاريخية. وزارة الإعلام، الثقافة والتراث الوطني، مملكة البحرين، ص. [رقم الصفحة].
[2] كاظم، نادر. 2007. طبائع الاستملاك: قراءة في أمراض الحالة البحرينية. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، ص. 128.
[3] النبهاني، الشيخ محمد بن الشيخ خليفة بن حمد. 2004. التحفة النبهانية في تاري. الجزيرة العربية. المكتبة الوطنية، البحرين، الطبعة الأولى، ص. 85.
[4] النويدري، سالم. 1992. أعلام الثقافة الإسلامية في البحرين خلال 14 قرناً. بيروت، الطبعة الأولى، المجلد الأول، ص. [رقم الصفحة].
[5] الدوسري، إبراهيم. ذاكرة البديع 1845م-2005م. وزارة الإعلام، البحرين، الفصل الأول، ص. 12، الفصل الثاني، ص. [رقم الصفحة].
[6] النعار، ميساء. 2001. المحرق: عراقة الماضي وإشراقة المستقبل. البحرين، ص. [رقم الصفحة].
[7] التاجر، الشيخ محمد علي. 1994. السلسلة التاريخية: عقد اللآل في تاري. أوال. إصدارات مؤسسات الأيام للطباعة والصحافة والنشر، البحرين، الباب الثالث، الفصل الأول، ص. [رقم الصفحة].
بقلم: أمينة الفردان