قرى البحرين

جدحفص: نبذة تاريخية واجتماعية وثقافية

أسباب تسميتها:
وقد ذكر أن “جد” اسم موضع. قال ابن الأعرابي: وهو اسم ماء بالجزيرة، وأنشد:
فلو أنها كانت لقاصي كثيرة لقد نهلت من ماء جد وعلت.
وذكر العلامة الشي. إبراهيم المبارك في كتابه “حاضر البحرين وماضيها”: “الجد بكسر الجيم تعني ساحل البحر”. فتكون بالقول الأول: جد بمعنى موضع وحفص اسم علم مضاف إليه. وبالقول الثاني: تكون جد بمعنى الساحل وحفص اسم علم مضاف إليه.

ومن القرى التي ورد فيها هذا المعنى: جدعلي، وهي شرق مدينة عيسى، وجد الحاج على شارع النخيل الواقعة بين قريتي كرانة وجنوسان بالمنطقة الشمالية من البحرين، وهي من القرى الساحلية المشهورة بالنخيل والبساتين الجميلة.

موقعها وطبيعتها الجغرافية والسكانية:
تقع في منطقة الشمال الشرقي لجزيرة البحرين، وتبعد عن العاصمة المنامة بحوالي 5 كيلومترات، وتبعد عن منطقة البديع بحوالي 9 كيلومترات. وأرضها المستوية زراعية خصبة اشتهرت بالبساتين ذات النخيل الباسقة، والمياه الجوفية العذبة. وهي الآن ضمن المحافظة الشمالية في دولة البحرين، وفيها من الأحياء السكنية (الفرقان): الشاري، السلطاني، البنّاية، الصاغة، الزراع، عين الدار، فريق الجديد، فريق السوق، الإسكان.
جاء في كتاب “المنجد في الأعلام”: “جدحفص: مدينة في البحرين، 15 ألف نسمة، إحدى عواصم الجزيرة قديماً”.

وكتب المؤر. الكبير الشيخ محمد علي التاج1 عنها: “جدحفص وهي بلدة كانت قديمة عظيمة ذات عيون سيّاحة، وبساتين غناء فيّاحة، وبها سوق صغير. خرج منها علماء أجلاء، وكانت فيما مضى من الزمن شامخة البنيان، آهلة بالسكان، سوق العلم في أرجائها رائجة، ومدارس العلم بالعلماء مزدحمة، وحرفة أهلها الفلاحة والبناء والحدادة وغير ذلك من الحرف”.

ونود أن نضيف أنها ما زالت وحتى عهد حديث فيها العيون السيّاحة والأنهار الصغيرة (السيبان) التي تنقل مياه تلك العيون إلى النخيل والبساتين والمساجد والبيوت وغيرها من الأماكن. ومن عيونها الكبيرة: عين الدار، عين الياسمين، عين سلامة، عين حربة، عين عبشم، عين الوزير، عين مليح، عين السباحية. وكل هذه العيون غار ماؤها ولم تبق إلا آثارها، وبعضها دفنتها البلدية مؤخراً. ومن أشهر بساتينها: بخانة، الياسمين، جوبار الزهراء، الغرفة، المقسم، السمبري، الصفاصف، دولاب بن جمعة. وأغلب هذه البساتين زحف عليها العمران في الوقت الحاضر، وصارت منازل سكنية أو محلات تجارية أو خدمات حكومية.

وفي السابق ـ كما هي عادة أهل البحرين ـ يستعين الأهالي على حر الصيف بالسكن في المظاعن، وهي منازل من سعف النخيل تبنى بالقرب من النخيل والمياه الباردة التي تحيط بالقرية من جميع الجهات. وفي فصل الربيع وبعد انتهاء موسم الأمطار، تكتسي الأراضي الخالية وساحات النخيل المحيطة بالقرية بالحشائش والأزهار البرية والنباتات الصغيرة ذات الألوان الزاهية، فيطلق المزارعون مواشيهم للرعي، ويقطف المهتمون بالطب الشعبي بعض النباتات والأزهار لاستخدامها في عمل الأدوية الشعبية، ويقوم الفلاحون بالاعتناء بالنخيل، استعداداً لجنيها من أول الصيف، بينما يتجه الشباب لممارسة هواية صيد الطيور المختلفة التي تتوافر بكثرة في هذا الفصل الجميل.

ومنذ القدم وحتى الثلث الأخير من القرن العشرين، كان الأهالي يمارسون عمل البقالة والتموين والخبازة وتسويق الأسماك ولحوم المواشي وإنتلمزارعين عن طريق السوق القديمة، والتي كانت السوق الوحيدة تقريباً في منطقة الريف الشمالي لجزيرة البحرين. وساعد في هذا الترويج لتلك الخدمات موقع هذه المنطقة الجيد الوسط والقريب من العاصمة، وما عرف عن أهاليها من طيبة وتسامح وإكرام للوافدين. ومن أشهر الأسواق الموسمية سوق يومي العيدين الفطر والأضحى، وتنعقد بعد صلاة العيد وحتى الظهر، ويتوافد على السوق الأطفال والكبار من القرية ومن القرى المجاورة للبيع والشراء، وتتميز هذه السوق ببهجة وسرور العيد. وفي الوقت الحاضر يعمل غالبية الأهالي موظفين وعمال في القطاع العام والخاص، وفيها بعض القضاة والمحامين والأطباء والمهندسين والمدراء والتجار.

موارد التنمية الاجتماعية والثقافية في المنطقة:
كان التعليم في الماضي يعتمد على المدارس الدينية والكتاتيب لتعليم القرآن الكريم والحديث الشريف للصبيان والفتيات. ومن أهم المدارس الدينية والتي جددت في العهد الحديث: مدرسة مسجد السدرة، مدرسة آل الصادقي، مدرسة الشيخ داود بن أبي شافي. أما الكتاتيب فما زال امتدادها ملحوظًا إلى الوقت الحاضر.
وفي العهد الحديث بدأت الخدمات الحكومية والمشروعات الأهلية تأخذ مجراها في هذه البلدة منذ بداية الخمسينات للقرن العشرين. وإليك ملخصاً عن تاري. هذه الخدمات والمشروعات:

أولاً: أهم الخدمات والمشاريع الحكومية:
_ مدرسة جدحفص الابتدائية للبنين عام 1954م.
_ توصيل خدمات الكهرباء عام 1956م.
_ بلدية جدحفص عام 1958م.
_ مدرسة جدحفص الابتدائية الإعدادية للبنات عام 1958م.
_ مستوصف جدحفص الطبي عام 1959م.
_ محطة جدحفص للمياه الجوفية وتوصيل المياه للمنازل عام 1964م.
_ مدرسة جدحفص الثانوية الصناعية عام 1971م.
_ مدرسة الإمام الصادق عام 1972م.
_ مركز جدحفص لصحة البيئة عام 1973م.
_ المكتبة العامة التابعة لوزارة التربية والتعليم عام 1976م.
_ مشروع بيوت الإسكان عام 1977م.
_ مركز جدحفص الصحي عام 1978م.
_ مدرسة جدحفص الثانوية للبنات عام 1980م.
_ مستشفى جدحفص للولادة عام 1981م.
_ السوق الشعبي عام 1984م.
_ مدرسة جدحفص الابتدائية النموذجية للبنين عام 1986م.
_ فرع البريد عام 1989م.
_ مشروع مجاري الصرف الصحي عام 1994م.

ثانياً: أهم المشاريع الأهلية:
_ الرابطة الجعفرية (نادي ثقافي) سنة 1951م.
_ جمعية الشباب الحسينية عام 1952م.
_ نادي جدحفص الثقافي والرياضي عام 1953م.
_ مكتبة الريف الثقافية عام 1959م.
_ مدرسة الشيخ عبد الحسن للعلوم الإسلامية عام 1966م.
_ جمعية جدحفص التعاونية الاستهلاكية عام 1975م.
_ دار أهل البيت للثقافة والفكر 1978م.
_ صندوق جدحفص الخيري عام 1979م.
_ حضانات ورياض الأطفال التعليمية منذ عام 1982م.
_ لجنة الاحتفالات الدينية عام 1994م.
_ معاهد اللغات والحاسب ال«لي منذ عام 1995م.
_ مراكز تحفيظ القر»ن الكريم عام 2000م.

دور العبادة والحسينيات والأوقاف:
فيها من دور العبادة: جامع واحد وأكثر من عشرين مسجداً وخمسة عشر مأتماً للرجال وسبعة مآتم للنساء. ويوجد عدد من الأوقاف الخيرية قام بوقفها منذ القدم وفي العهد الحديث أبناء المنطقة من أهل الخير، وقد أسهمت إلى حد كبير في دعم الأنشطة الدينية في المساجد والمآتم والحسينيات، والصرف من تلك الوجوه الشرعية على التدريس الديني وعلى متعلقات المقابر وصيانة المساجد والمآتم والحسينيات، والإطعام في المناسبات الدينية. وكل هذه الأوقاف مسجلة رسمياً في إدارة الأوقاف الجعفرية التي تقوم بإدارتها وتنمية وارداتها.

من عوائلها المشهورة:
بن سند، الشرخات، الصفار، البناء، السيد شبر، العلوي، الغريب، آل أسعد، المساعد، الجداحصة، القصاب، مبارك، الوسطي، بن جعفر، الطويل، الزيمور، بن رضي، البقالي، مدن، الحلواجي، القباط، بن جمعة، بن فضل، الحداد، الفردان، الشارقي، عبد الإمام، الخياط، الحمّار، المدوب، حمادة، البلغة، المحاسنية.

التوجه الاجتماعي والديني بوجه عام:
عرف أهالي المنطقة بميزات التآلف والانسجام والتكاتف وصلة الرحم والاستقرار العائلي، واحترام الأعراف الأسرية الحسنة والتعقل في الأمور الاجتماعية، وندرة تعدد الزوجات وانخفاض مستوى المنازعات العائلية والطلاق إلى أقل درجة. وبالنظر إلى الأسباب السابقة فإن أخلاقهم تجانب العصبية والعشائرية الممقوتة بشكل عام. أما عن التوجه الديني فيتميز بوحدة الرجوع في الأحكام الشرعية إلى الفقيه الكبير الشيخ يوسف العصفور الدرازي البحراني صاحب “الحدائق الناضرة” المتوفى سنة 1186 هجرية الموافق لعام 1772 ميلادية – في الأغلب الأعم – عن طريق الرجوع مباشرة إلى العلماء المتعمقين في فقه الشيخ يوسف ورسائله العملية الشرعية، بالإضافة إلى توقير الأهالي لعلمائهم واحترام كلمتهم والمواظبة على حضور جماعتهم وجمعاتهم ومجالسهم، والتمسك بإرشاداتهم الدينية وتوجهاتهم الاجتماعية المبنية على الأحكام الشرعية المقدسة.

مسيرة التعليم النظامي الحديث:
انتظم الطلاب من هذه المنطقة في المدرسة المباركة العلوية بمنطقة البلاد القديمة في عام 1929 ميلادية، ثم التحقوا بالمدارس الحكومية التي أسست في المنطقة وغيرها من مناطق البلاد. ومنذ عام 1958م توجهت طلائع البعثات الدراسية للجامعات حيث توجه المتخرجون من الثانوية العامة إلى العراق، ولبنان، ومصر، وسوريا، والهند، وبريطانيا، للحصول على الشهادات العليا في العلوم المختلفة كالفقه الإسلامي، والطب والهندسة، والقانون، والعلوم، وال«داب. أما ال»ن فإن مراحل التعليم الثلاث الأولى موجودة ومتوفرة في المنطقة، وصار أكثر المتخرجين من الثانوية يلتحقون بالجامعات والمعاهد العليا منها: جامعة البحرين، معهد البحرين للتدريب، وبعض جامعات ومعاهد الدول العربية والأجنبية.

الأسر العلمية في المنطقة من القرن العاشر وحتى القرن الرابع عشر الهجري:
نتيجة للنشاط العلمي في هذه المنطقة برزت عائلات توارثت الاشتغال بالعلوم الدينية على امتداد العصور. وشجع هذا الجو العلمي الرحيب بعض أفراد الأسر العلمية من خارج المنطقة على الهجرة إليها. وهناك حقيقة تاريخية لا بد من ذكرها وهي أن هذه البلدة لم تخل من فقيه منذ القرن العاشر الهجري حتى ال«ن. وكما قال الشاعر:
شرفت جدحفص منذ القدم ببيوت الفقه كانت علمًا
برجال الدين عبر الزمن كبني حرز و»ل المدني.
ويمكننا ذكر أسماء هذه الأسر العلمية كالتالي:
الموسوي، الحسيني، الكامل، «ل شرفة، الصادقي، »ل عبد السلام، زين الدين، «ل لطف الله، الحكيمة، المانع، الذهبي، »ل حرز، المدني، المشعل.

من كتاب “تاريخ علماء جدحفص” لابن الخال السيد هاشم السيد سلمان.