ساكنوها لا يملكون سوى بيوتهم ومقبرتهم.
أبوقوة. القرية المعزولة وموطن الأهالي المنسيين
أبوقوة – عبدالله الملا
قرية اشتغل معظم أهلها بالزراعة، كيف لا وقد كانت النخيل والأشجار التي عانقت جذوعها وأوراقها بعضها بعضًا عند مدخل القرية، مشكّلة مظلة طبيعية تمتد حتى مدخل القرية.
أبوقوة التي تحولت في فترة وجيزة إلى أشبه بالصحراء القاحلة، فها هي النخيل والأشجار قد مُحيت من على وجه الأرض، وأضحى مكانها خاليًا، وأصبحت مجرد ذكرى عابرة. وهناك، على أطراف القرية، عرف الأهالي عيون الماء التي كانت تغذي مزارع أبوقوة وتروي ظمأ ساكنيها، وتجلّل أرضها برونقها، وتملأ المسامع سعادة بخريرها. ولكنها أصبحت هي الأخرى ذكرى لم يبق منها سوى رسم لا يدل على الاسم.
وهناك، في وسط القرية الأم، تلك القرية التي عُرف أهلها بالبساطة والسخاء، فغالبيتهم كان يعمل في الزراعة إلى جانب العمل في «الحمالة». كان الأهالي يعيشون حياة مُرّة كالطيف، كما يعبرون. فأين المساحات الخضراء التي احتضنتها تربة القرية الغنية؟ وأين العيون المنتشرة في أرجاء المنطقة؟ وأين وأين؟
الشوارع المنسية ونقمة المجاري.
«الوسط» توجهت إلى أبوقوة، والتقت بناسها، ففتحوا قلوبهم ليُبيحوا بمعاناتهم وحياتهم المُرّة. ويبدأ عيسى أحمد الحديث قائلًا: «في البداية، وعندما نفتح ملف قرية أبوقوة، لابد لنا من التطرق إلى شوارع القرية، فمنذ سنة 1987 – 1988، وهي الفترة التي وصلت فيها خدمات المجاري إلى القرية، لا يزال 90 في المئة من شوارعنا بلا رصف. ومن جهتنا، رفعنا المطالب مرارًا وتكرارًا إلى الوزارات المعنية، ولكن لا حياة لمن تنادي. وقبل سنتين تحديدًا، زار القرية مهندس من وزارة الأشغال واستغرب من حال الشوارع التي لا يصلح أن نطلق عليها مسمى شوارع».
ويواصل: «فمن جهة الجنوب في القرية القديمة، نجد الشوارع محفورة، والمقاولون الذين يعملون هناك يرمون الأوسا. في هذه الحفر، وهذا أدى إلى ضيق الشوارع، علاوة على حالها المزري».
حسين جعفر يقول: «عندما تدخل القرية من مدخلها الوحيد، تستطيع أن تدرك بأنك ستخوض غمار صحراء متعرجة رمالها، ويستمر الحال حتى تدخل القرية، وعندها يتضاعف سوء الوضع، وتضطر إلى أن تدع السيارة تسير لوحدها وعلى هوادة تامة». ويضيف أن الحال يتفاقم في الشتاء، إذ تتحول تلك الحفر التي تنتشر في كل القرية إلى مستنقعات يصعب اجتيازها.
ويعرج عيسى أحمد على مشكلة أخرى بقوله: «كما أن القرية تعاني من سوء التخطيط في مسألة المداخل. فالقرية تحولت كالدوار، وكان هناك شارع يربط القرية بالقرى المجاورة إلى أن أُلغي منذ العامين 1986 – 1987، ووعدونا بمخرج «خر، ولكننا لم نحصل على أي شيء حتى ال»ن، وها نحن ندخل ونخرج من منطقة واحدة وكأننا معزولون عن العالم الخارجي».
ويشير إلى أن الأهالي نفذوا اعتصامين متتاليين مطالبين بتوفير مدخل للقرية وإقامة جسر أو نفق. وعلى إثر ذلك، اجتمع وفد من الأهالي مع محافظ الشمالية ومسؤولين من الإسكان، وأخبرونا بأننا بحاجة إلى من يمول المشروع الذي تبلغ كلفة إنشائه 150 ألف دينار، ويتضاعف المبلغ في حال إقامة الجسر العلوي. ولكن من أين لأهالي أبوقوة المعدمين والمنسيين هذا المبلغ؟ ووعدتنا وزارة الأشغال والإسكان بمدخل آخر للقرية، ولكن ذلك بحاجة إلى استملاك مجموعة من الأراضي، ولا نظن بأن استملاك الأراضي صعب على الدولة لهذه الدرجة.
حتى النقل العام لا يعرف طريقه للقرية.
رئيس اللجنة الإعلامية بمركز أبوقوة الثقافي سلمان حميد يكمل الحديث عن مداخل القرية وابتعادها عن مراكز الخدمات قائلًا: «من أهم الأمور التي حُرم منها أهالي قرية أبوقوة مرور النقل العام بالقرية، فكبار السن والنساء يضطرون إلى المشي حتى قرية السهلة للركوب في النقل. ولا نظن أن إنشاء محطة على شارع القرية الرئيسي بالقرب من القرية أو على الأقل على حدود القرية من الاستحالة».
ويعرج حميد على المشكلة الإسكانية التي اعتبرها أهم مشكلة يعاني منها أهالي القرية، موضحًا أنه لم يعد بإمكان الشباب أن يشتروا الأراضي في القرية بعد أن وصل سعر القدم إلى 10 دنانير ونصف الدينار، بعد أن كان لا يتجاوز الثلاثة دنانير. وأشار إلى أن الأهالي رفعوا مطالبهم بإقامة مشروع إسكاني، على اعتبار أن القرية تعتبر من القرى التي لم تستفد من الخدمات الإسكانية.
ويضيف عيسى أحمد أن لدى القرية ما يقارب 150 إلى 201 طلب قسائم سكنية، وهناك عدد ليس بقليل من الأهالي خرج من القرية للعيش في مدينة حمد. فيما يشير حسين جعفر إلى أنه توجد أراضٍ ملك للدولة، وقد طالب الأهالي بأن تُحوّل هذه الأراضي إلى مشروع إسكاني يستفيد منه أهالي المنطقة، مع العلم أن مساحتها تكفي لتلبية جميع الطلبات.
ويطرق جعفر جانبًا آخر بقوله: «كما أننا في القرية محرومون من أهم الخدمات، فلا نملك الحديقة التي نروّح فيها عن أنفسنا، ولا نملك سوى البيوت التي يكاد البعض منها ينهار على رؤوس ساكنيه، ومقبرة على حدود القرية. كما أننا لا نملك مدارس لأطفالنا الذين يقطعون مسافات طويلة حين يذهبون للمدرسة في السهلة ويرتحلون منها للقرية مرة أخرى على شارع خطير شهد حوادث أودت بحياة أطفال في السابق. ونتساءل هنا: لم لا توفر الدولة خدمات المواصلات للتلاميذ في القرية؟ سؤال محير نحن بحاجة إلى إجابة عليه من وزارة التربية والتعليم».
وبالنسبة إلى حاجة المنطقة إلى حديقة، يقول عيسى أحمد: «هناك أرض ملك للأوقاف السنية في وسط القرية من جهة الشرق، وهذه الأرض تقع في منطقة استراتيجية يستطيع كل الأهالي الوصول إليها بيسر تام. ورفعنا رسالة إلى وزارة شؤون البلديات والزراعة لاستملاكها. ولكن الرسالة ماتت ولا ندري إلى أين وصلت، ولم نتسلم أي رد حتى الآن بشأن هذه الأرض».
اختتمنا الزيارة لقرية أبوقوة بحديث مع سلمان حميد عن أهم احتياجات الشباب في القرية بعيدًا عن الإسكان والخدمات فقال: «نحن في أبوقوة، بحاجة إلى صالة للاجتماعات على الأقل».
زروع بالية هي كل ما تبقى من الذكريات
قرية عُرف أهلها بالبساطة التي تتجاوز كل الحدود. قرية كانت في السابق مساحة خضراء، عمل ساكنوها في الزراعة، لاسيما في «النخلة» التي كانت الصديق الحميم لكبار السن الذين تعودوا على ركوبها والتسامر مع أهلها. قرية تحولت إلى أرض قاحلة، مُحيت زروعها، أُبيدت عيونها، مُحيت ذكرياتها، فغدت مجرد قرية منسية معزولة عن بقية القرى، وحُرمت من أهم الخدمات، فأهلها لا يملكون سوى بيوت يكاد البعض منها ينهار على رؤوس ساكنيه، ومقبرة تنتظر كل من يوافيه الأجل ليرقد بسلام تحت التراب الذي لطالما قلّبه ونشأ عليه.
صحيفة الوسط البحرينية – العدد 1037 – السبت 09 يوليو 2005م الموافق 02 جمادى الآخرة 1426هـ