دعوات لإدراجه ضمن قائمة التراث الإنساني في اليونسكو؛ جامع بوري؛ تحفة معمارية وتراثية مهددة بالزوال
لقرية بوري حكايات ترويها البساتين الخضراء بنخيلها الشامخة ومعالمها التراثية التي تدل على خصب تاريخي وعراقة. قرية ترقد فيها معالم تراثية وحضارية، منها البيوت والمساجد القديمة وبعض من عيون الماء العذبة، منها الباقية كعين بوري وعين حويص وغيرها. تشتهر القرية بمزارعها التي تنتج الخضراوات المحلية والتمور، كما تشتهر بزراعة أشجار النخيل، ومزارع تربية الدواجن والمواشي. وقد سميت بوري قديمًا بـ “مهد العلماء”؛ لوجود قبور وأضرحة ومزارات لعدد من علماء الدين.
ومن أبرز المعالم التراثية في قرية بوري مسجد علي بن علي (جامع بوري) الذي يعد بحق تحفة معمارية وأثرية لا تقدر بثمن، لكنه يعاني من الإهمال وتُرك نهبًا لقسوة الزمن. وقد كانت لـ “الوسط” زيارة ميدانية للوقوف على الحالة الإنشائية للمسجد ومستوى الأضرار التي يعاني منها المسجد.
“ترميم” لا إعادة بناء
ورأى الباحث التاريخي جاسم آل عباس أنه “من غير المعلوم بشكل قطعي متى تأسس هذا المسجد، لكنه يؤكد أنه وبحسب أقوال كبار السن، فإن تأسيسه يزيد على 120 عامًا بشكل قطعي، وأن الشيخ خلف العصفور قام ببنائه أثناء إقامته في قرية بوري. لكنني أرجح أن المسجد كان مشيدًا قبل الشيخ خلف وأن الشيخ خلف قام بإعادة تعميره وربما توسعته، وأقام فيه صلاة الجمعة. ومن غير المؤكد ما إذا كان المسجد أقدم مسجد في قرية بوري لكن المؤكد أنه من أقدمها.”
وبخصوص تسميته أشار آل عباس إلى أنه “في الأصل المسجد كان يسمى “جامع بوري”، وتسميته جاءت من المسجد المحاذي له على الجهة الشمالية والذي يضم رفات رجل دين يسمى الشيخ علي بن علي، ومنه انتقلت التسمية التي هي تسمية حديثة نسبيًا.”
وأضاف: “الجامع يكتسب أهمية كبيرة بالنسبة لأهل قرية بوري ولأهل البحرين جميعًا؛ لأنه من الجوامع القديمة الذي احتفظ بطابعه المعماري التراثي، فهو لا يزال يحتفظ بطابع الفن المعماري القديم القائم على الأسطوانات والليوان الواسع والمحراب ذي الطراز القديم والأقواس الإسلامية.”
ولفت آل عباس إلى أن “الجامع كان يحظى بأهمية اقتصادية، فقد لعب دورًا في الحركة التجارية قديمًا، إذ كان الباعة المتجولون من القرية والقرى المجاورة يحرصون على بيع بضائعهم قبيل صلاة الجمعة وبعدها، وكان محيط الجامع يمتلئ بالبائعين وهم يعرضون بضائعهم. وبحسب معلوماتي فإن المسجد شهد عمليات تنقيب وعلى ما يبدو فإنه تم العثور على بعض اللقى والمعثورات ولا نعرف مصير هذه المعثورات.”
وأكد آل عباس أن “جامع بوري مهدد بالزوال والمطلوب اليوم هو ترميم هذا الجامع الأثري المهم وليس إعادة بنائه. نحن نطالب إدارة الآثار والتراث بالسعي لتسجيل هذا المعلم ال»ثاري المهم ضمن قائمة التراث الإنساني في اليونسكو، فمن أهم الاشتراطات التي تضعها اليونسكو لتسجيل المعالم المعمارية ضمن قائمة التراث الإنساني أن يتجاوز المعلم المئة عام، وهو ما ينطبق على هذا الجامع الذي يعد ثروة آثارية مهمة.”
وختم: “هناك إمكانية لترميم هذا الجامع الذي سيكون له دور كبير في اجتذاب السياح، وخصوصًا أن لدينا نقصًا في القرى في هذا الجانب. فالمواقع الآثارية تنقسم بشكل عام في البحرين إلى خمس فئات: المعابد، المستوطنات، والمساجد (في الفترة الإسلامية)، المقابر، والقلاع. وإذا كنا قد خسرنا ثروة معمارية لا تقدر بثمن بهدم بعض المساجد الآثارية والمعالم الإسلامية كمسجد [اسم غير واضح] بن صوحان الذي كان عمره أكثر من 1300 عام، فإننا اليوم يجب أن نحافظ على التراث المتبقي لنا.”
وأشار المهندس المعماري بقسم الترميم والصيانة بإدارة الآثار والتراث هاني حمزة يوسف: “في عام 2005 وجهت إدارة الأوقاف الجعفرية كتابًا رسميًا لإدارة ال»ثار والتراث بوزارة الإعلام سابقًا طالبةً منها التعاون من أجل ترميم مسجد علي بن علي بمنطقة بوري للحفاظ على هويته المعمارية. وكنت حينها موظفًا في الإدارة المذكورة كمهندس ترميم وصيانة، فقامت الإدارة بانتدابي، والخبير التونسي سالم بلحاج رحمه الله، للاطلاع على حالة المسجد المذكور وعمل برنامج متكامل لترميم المسجد وإعادة تأهيله لاستخدامه من قبل المصلين في المنطقة. حيث وبعد دراسة حالة المسجد قمنا بعمل مقترح أولي للترميم وقمنا بمراسلة إدارة الأوقاف الجعفرية بخصوصه، إلا أننا لم نتلق أي رد منهم وأُهمل الموضوع وبدأت الحالة الإنشائية للمسجد في الانحدار وانهيار أجزاء منه كالمحراب.”
وأضاف حمزة لـ “الوسط” أنه “في عام 2012 ومن خلال حديثي مع الإخوة في إدارة الأوقاف الجعفرية قمت بإعداد دراسة أخرى للمسجد والوقوف على حالته الإنشائية ووضع مشروع متكامل لترميم المسجد وإعادة تأهيله وذلك باستخدام الخامات نفسها التي بُني منها المسجد. وبالفعل قمت بعمل رفع هندسي للمسجد ودراسة كل مكوناته المعمارية ووضع تصور متكامل لترميمه وإعادته للحياة مرة أخرى، إلا أن هذه الدراسة كسابقتها ظلت حبيسة الأدراج تنتظر من يخرجها لتبصر النور، ككثير من المواقع التراثية التي تعاني موتًا بطيئًا رغم زيارتنا لها وعمل الدراسات اللازمة لترميمها كالمدرسة العلوية بالبلاد القديم وغيرها.”
وأشار حمزة “بعد عملية المسح والتوثيق اتضح لنا أن المسجد عبارة عن جزء مسقوف ويمثل 320 مترًا مربعًا من مساحة المسجد، بينما الجزء الآخر والذي يمثله صحن المسجد عبارة عن ص40 مترًا مربعًا من المساحة، بالإضافة لوجود غرفة في الجهة الجنوبية الغربية بمساحة 9 أمتار مربعة يعتقد أنها أضيفت للمسجد في فترة لاحقة وينصح بالتنقيب فيها لمعرفة الغرض الرئيسي من إنشائها.”
ومضى: “يمكنني أن أرى حجم التراجع في حالته الإنشائية – نتيجة إهمال صيانته – منذ آخر عملية مسح قمت بها للمسجد وتحديدًا في يوم 6 سبتمبر/أيلول 2005. كما يتضح وجود معالجات سابقة تعود بحسب تقديري لأكثر من ثلاثين سنة مضت أثرت سلبًا على الهيكل الإنشائي للمسجد، وذلك باستخدام الأسمنت والطابوق الأسمنتي في عملية ترميم بعض الأجزاء.”
الحالة المعمارية للمسجد
وأشار حمزة إلى أن “النهج المعماري الذي سار عليه بناء المسجد، وهو النهج الذي كان سائدًا في المساجد الإسلامية حتى أواخر القرن التاسع عشر، حيث يدخل المصلون عبر بوابة غالبًا ما تكون في الجهة الشرقية إلى فناء مفتوح على عنان السماء ويسمى بصحن المسجد، ومن ثم يدخل إلى فناء مسقوف يكون أكثر خصوصية.”
وفي الفناء المسقوف نرى عدد الأعمدة التي تحمل السقف، حيث إن المسافات بينها تحددها أطوال قطع خشب الدنجل الحاملة للسقف، كما يمكننا أن نرى الاهتمام بالزخارف الداخلية على الجدران والمنحوتة يدويًا على الجبس.
وأضاف: “إن عمليات الترميم العشوائي للمسجد قد بدأت في السبعينيات من القرن الماضي حيث يبدو جليًا الاستخدام العشوائي المدمر للأسمنت في ترميم بعض الأعمدة والجدران، ما أدى إلى تساقط المساح الجيري من على سطحها وبالتالي تعرية الجسم الأساسي لها. ومعظم هذه الترميمات تتعارض والمقاييس العالمية لترميم المنشآت التراثية والأثرية، كما أنها تؤثر سلبًا في العمر الافتراضي للمسجد.”
وأردف: “كان من المفترض أن يتلخص عملنا في تخليص المبنى من هذه الإضافات الضارة وإعادة صياغة عملية الترميم بشكل يتوافق مع المقاييس العالمية لترميم المنشآت التراثية والأثرية، من خلال إعادة تأهيل كل العناصر الإنشائية عن طريق التدعيم والإصلاح، وربما إعادة البناء باستخدام الخامات والمواد الأساسية المستخدمة نفسها في بناء المسجد، وإزالة كل الإضافات على المسجد، والمبنية من الطابوق والأسمنت، وترميم وإعادة بناء الأجزاء التالفة يكون باستخدام المواد الجيرية نفسها التي استخدمت في بناء المسجد. ثم تصميم وبناء عناصر جديدة في المسجد – كالمنارة مثلًا ودورات مياه – يجب أن تكون متوافقة مع المعايير العالمية للإضافات في المباني التراثية، كما أنها يجب أن تكون واضحة للعيان أنها إضافة وليست من ضمن البناء الأساس للمسجد. كما اقترحنا أن يخصص جزء من المسجد لعمل معرض دائم للصور الخاصة بالمسجد تبين حالته قبل الترميم والمراحل التي مر بها حتى الوصول لشكله النهائي ليكون معلمًا للعمارة الإسلامية في البحرين.”
وأشار هاني حمزة إلى المواصفات العامة للعناصر المعمارية اللازمة لعملية الترميم والتأهيل لمسجد علي بن علي في بوري وأكد: “تغيير عروق خشب الدنجل التالفة بطول 6 أمتار: والبند يحتوي على فك السقف فوقه وتركيب العرق الجديد على مخدات خشبية جانبية وإعادة طبقات السقف مع مراعاة تطهير الأخشاب ضد السوس والقرضة بوسائل ملائمة للبيئة. وفك السور الخارجي المبني بالأسمنت وإعادة البناء باستخدام الحج1 البحري والمونة الجيرية بحسب أصول الصنعة. وفك الأسقف والجسور وعمل أسقف جديدة باستخدام المواد المحلية، وإزالة طبقات المساح الأسمنتي على الجدران والأعمدة وإعادة المساح باستخدام المواد الجيرية المحلية، وعمل بياض خارجي وداخلي مكون من ثلاث طبقات: الطبقة الأولى هي التتريس بطمية والثانية المياسي بطمي مع جبسة والثالثة التبييض بجير مع جبسة، وعمل أرضيات من بلاطات الأحجار الجيرية الطبيعية المهذبة السطح على دكة جيرية.”
ونوه حمزة إلى أن الكلفة التقديرية للمشروع كانت 180,000 دينار بحريني، بمئة وثمانين ألف دينار بحريني.
بوري – وسام السبع، صحيفة الوسط