تعتبر قرية عالي من أقدم القرى البحرانية، وهي تاريخ يعتز به أهل هذه القرية خاصة وأهل البحرين عامة، تاريخ يمتد إلى ما قبل ديلمون بآثار المدافن التي عرفت بمقابر عالي وذلك لكون قرية عالي احتضنت المدافن الملكية والتي لا تزال قابعة بين المنازل في
حي السادة وفي البر وجوار جامع عالي الكبير، كما اشتهرت بصناعة الفخار وهي صناعة بحرينية عريقة لا تزال تمارس ولها عوائل اشتهرت بهذه الصناعة، وكذلك صناعة النورة وهي إحدى مواد البناء المعروفة في البحرين ولذلك تجد بعض الوثائق التاريخية القديمة تحمل أسماء وألقاب مثل لقب الدوغجي وهي نسبة بحرانية قديمة تنسب لكل من يعمل في الدوغة والدوغة هي المصنع أو الفرن الذي يتم فيه حرق النورة كمرحلة من مراحل تصنيعها، ولكن هذه التسمية الآن قد اختفت.
وقد تميزت قرية عالي بتسميات لنواحيها فالقرية الأم تعرف بعالي مَعَن بفتح الميم والعين وسكون النون والنسبة لها المعني وهي التي تعرف بالديرة ومن جهة الشرق تعرف بروضة عبد الكاظم ولم أتحقق حتى الآن من صاحب هذه التسمية ولكن ينقل كبار السن أن من هذه المنطقة كانوا يأخذون الطين الذي تصنع منه الأواني الفخارية، وفي شمال شرق القرية تعرف بأبو لومي وهي تسمية تطلق على بستان كان بها وهي الآن في المنطقة التي بناها الوجيه الحاج حسن العالي رحمه الله. أما من جهة الجنوب الشرقي فبعد روضة عبد الكاظم نقل لي أكثر من شخص أنه كانت توجد آثار وقد أدركت جزءاً منها بداية انتقالنا إلى إسكان عالي ومحلها اليوم إسكان عالي بمناطقه الكبيرة الممتدة لمنطقة بجري الشيخ من جهة الجنوب حيث اتصلت ببدايات الرفاع أو ما يعرف بمنطقة السيل، وما تبقى من ال«ثار السالفة الذكر هو الحوض المائي الكبير الذي يعتبر من »ثار عالي الشهيرة وهو خزان للماء يجمع سيول الأمطار وتخزن فيه ليستفيد منها الناس بعد ذلك.
وأما جهة الجنوب من عالي فهي التلال الأثرية المترامية التي تصل لأطراف بوري الجديدة والجزء المتاخم لقرية عالي يعرف بالبر ويقال أن أول عائلة سكنت هذه المنطقة هي عائلة البر المعروفة في عالي ومنه أخذت التسمية وهي ليست بقديمة بل تعود لزمن الشي. إبراهيم المبارك، بعدها عرفت المنطقة بحي السادة حيث سكنته عائلة الغريفي وفيه منزل سماحة العلامة السيد أحمد الغريفي قدس سره حيث قطنت هذه العائلة قرية عالي منذ مئات السنين.
وتقع في غرب عالي قرية صغيرة تسمى عالي حويص يدعي أهل بوري أنها تابعة لبوري والتسمية التاريخية تدحض هذا الادعاء فاسمها عالي حويص، كما نقله أكثر من مصدر ولا حاجة للتدليل على هذا الأمر.
ثانياً: وصف لموقع بربغي ومعالمها:
تقع بربغي _ وهي جزء من عالي _ في غرب عالي وتمتد من غرب عالي إلى جهة الشمال بينها وبين قرية سلماباد بل وحتى غرب سلماباد وهي تتصل بعالي حويص من جهة الغرب. وأهم معالمها:
1. عين كبيرة تسمى عين الخضراء في الطرف الجنوبي.
2. عين بربغي وهي بالقرب من مسجد أمير محمد بربغي.
3. مجموعة من البساتين المترامية الأطراف تجري من تحتها الأنهار كانت عامرة بالنخيل.
4. مجموعة عيون دافقة.
5. مسجد بني في الثمانينات يعرف بأمير محمد بربغي وهو غير مسجد أمير محمد الموجود في غرب عالي.
ويظهر من بعض الوثائق أنها تمتد كمسمى حتى الأطراف المتاخمة لسار بل وجبلة حبشي وبو قوة حيث يعرفون البر المتاخمة لقراهم ببر بربغي أو بربغو.
أما الآن فهي خراب لا زرع ولا ماء سوى البراري التي يمر عليها من الجنوب شارع زايد. وبني في جهتها الجنوبية جامعة AMA ومحطة سلماباد.
ثالثاً: بحث حول التسمية:
في بحث أعددته عن قرى ومناطق البحرين سيطبع في القريب إن شاء الله كانت نتيجته أن أسماء مناطق البحرين تعود لثلاثة أصول: أسماء عربية بحتة، وأسماء فارسية بحتة، وأسماء لاتينية.
أما الأسماء الفارسية فتعود لحقب قديمة تعود للقرون الأولى من ولادة السيد المسيح حيث كانت البحرين مستعمرة فارسية للإمبراطورية الفارسية الكبيرة التي يخضع جزء كبير من المنطقة لنفوذها وسيطرتها وعلى هذا الأساس فالبحث اللغوي عن المسميات لا بد أن يخضع لمظلة اللغة الفارسية وتفكيك الكلمات يعود لهذه الأصول.
كلمة بربغي وهي مركبة من كلمتين: بر وبغي. فكلمة بر عربية وهي ضد البحر، ولو تجاوزنا أن كلمة بر غير عربية فيمكن أن تكون في الأصل بار وهي تأتي بمعان كثيرة في اللغة الفارسية: مثل المملوء والمشحون والزاخر، وبمعنى ثمر، وفاكهة وبمعنى الجنين في بطن أمه، وبمعنى رفعة وعظمة، وغيرها من المعاني إلا أن المعنى العربي والحمل عليه أقرب لكونه يتمشى مع النطق أكثر من كلمة بار.
وأما كلمة بغي فهي في الأصل باغ فلا وجه لها في الفارسية حين نقول بغي خصوصاً وأنها تكسر الغين فيها فيقوى الاحتمال أن أصلها باغ ثم استخدمت في باغي ثم تحولت إلى بغي على ما يقع في سليقة لغة العرب، وأما كلمة باغ فلها معان وهي: البستان، والروضة والحديقة، وأيضاً: وجه المحبوب. فيمكن أن يتركب المعنى هكذا: حديقة أو بستان البر ووجه الاختيار لهذا المعنى هو كون الحقيقة التي كانت عليها هذه المنطقة هي عيون وبساتين.
وبطبيعة الحال لا يعني هذا أن أهل هذه المنطقة هم من الفرس ولكن كان عمال الإمبراطورية الفارسية لهم مطلق العنان والتصرف في هذه الأرض ولذلك فأكثر تسميات مناطق البحرين فارسية وهي عربية وأهلها عرب ولكن هكذا يفعل الاستعمار. فبحسب ما نقله المؤر. التاج1 في حديثه عن معن يستقرب أنهم ينتسبون إلى معن بن زائدة والله تعالى أعلم.
رابعاً: بربغي في الأدب العربي:
وجدت في ديوان أبي البحر الخطي تناوله لهذه المنطقة المندثرة الآن في القرن الحادي عشر الهجري، يقول راوية ديوانه وصديقه وكاتب ديوانه الغنوي حسن بن محمد بن ناصر بن علي بن غنية وكان من سكنة قرية سار، ما نصه: [ وقال يصف بعض الجواد _ الجواد بتشديد الدال جمع جادة: الطرق _ بين بربغي وسلماباد للسنة 1041هـ ] .
وطرقٌ سلكناها فما زال ضيقُها يجور بنا حتى ضللنا بها القصدا
فلو أن ذا القرنين أدرك بعضها لصيّره من دون يأجوجه سدّا
والشاعر عاش في القرن العاشر الهجري وأدرك القرن الحادي عشر حيث كانت وفاته في العام 1028 أي حوالي 1619م، وقد ذكر هذه الأبيات السيد محسن الأمين في الأعيان عند كلامه عن الشاعر أبي البحر الخطي.
كان هذا الشاعر يتجول حتى ضاقت به الطرقات في هذه المزارع العامرة بالنخيل والتي أدركنا منها بقايا «ثار النخيل وترى في الأرض »ثار مجاري المياه القديمة التي تعود لما يقارب الأربعمائة عام تقريباً من الآن ولا شك فإن المنطقة هي أقدم من زمن مرور أبي البحر الخطي عليها. فكان يقطع الطريق إذ مر على بربغي ومن شدة زحام النخيل والزرع ضل طريقه وكان هذا الداعي لأن يقول هذين البيتين.
وأعجب من محقق ديوان أبي البحر أنه لم يسأل أهل هذه المنطقة عن بربغي حيث كان يظن أنها منطقة تقع بالقرب من سلماباد بل هي منطقة مندثرة قديمة.
خامساً: المصادر التي وثقت هذه المنطقة:
1. وثائق تاريخية لبيع عقارات ترجع للقرن العاشر والحادي عشر الهجري وما بعد ذلك، محفوظة عندي لعدة مالكين من عالي وخارجها.
2. ديوان أبي البحر الخطي جز: 11 وهما البيتان السابقان.
3. ذكرها الناصري في موسوعته المخطوطة عن قرى ومناطق البحرين القديمة والمندثرة وهي موسوعة مخطوطة حتى الآن لم تطبع.
4. وذكرها الشي. إبراهيم المبارك في كتابه ماضي البحرين وحاضرها فقال عنها: بربغي وموقعها بين سار وعالي وهي الآن خراب ليس فيها إلا النخل.
5. وقد وثقت لهذه المنطقة شخصياً في كتاب النسائم العطرة وهو كتاب عن قرى البحرين ومناطقها. سيطبع قريباً إن شاء الله تعالى.
سادساً: وهل كانت مأهولة بالسكان؟
من خلال البحث والتقصي لم أستطع أن أثبت أن منطقة بربغي التي هي جزء من عالي كانت مأهولة بالسكان بل كانت مجموعة مزارع ولا يستبعد كونها مأهولة أيضاً ولكن لا دليل، سوى ما ذكره الشي. إبراهيم وقال وهي ال«ن خراب مما يدلل على كونها مأهولة سابقاً. ولم ينقل أحد أنه رأى بها بيوتًا أو »ثارًا تدل على السكنى والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. وينقل بعض ممن سمعت منهم أن بعض العوائل كانت تقطن بربغي وهي الآن في عالي، نعم كان أهالي عالي يظعنون في هذه المنطقة لا سيما من لهم مزارع في منطقة بربغي فيقطنونها في فصل الصيف كعادة أهالي قرى البحرين.
سابعاً: ما هو سبب اندثارها؟
لقد كانت هذه المنطقة والمناطق التي في جوارها تزخر بموارد المياه من العيون الطبيعية التي تملأ هذه المنطقة ومن أبرزها كانت عين حويص الشهيرة وهي موجودة إلى يومنا هذا. عين رستان وهي إحدى عيون عالي الشهيرة وقد اندثرت وهي بالقرب من مسجد عين رستان الحالي الواقع على شارع زايد. عين الخضراء وهي في نواحي غرب سلماباد وغيرها من العيون التي منها عين في بربغي نفسها تعرف بعين بربغي ذكرها بعض كبار السن لم أستطع أن أوثقها بغير النقل. وبما أن المنطقة زراعية ففقدان العيون وجفافها أدى إلى موت الزراعة وهذا سبب من الأسباب.
ومن ضمن الأسباب أيضاً هو تقاسم هذه الأراضي بعدة ورثة وهو ما أدى إلى بيع بعضها وإهماله وموت الورثة وضياع أوراق ووثائق كل هذه الأمور أدت إلى اندثار بربغي ولعل هناك أسباب أخرى.
ثامناً: من هو أمير محمد بربغي؟
هناك قراءتان لاسم هذا المسجد وصاحب هذا القبر: أمير محمد ومير محمد. وهو شخصية مجهولة لم يستطع مصدر أن يوثقها كما بينت بعض المصادر أنه أحد أمراء العيونيين وهو بعيد ولا دليل عليه، وإذا كان كذلك فهو أمير ورئيس وليس من عباد الله الصالحين أو العلماء الأعلام، أما المسجد فهو ليس بالقديم بل الموجود في عالي أقدم منه وأكثر شهرة بل الأقرب أن هذا القبر لا أساس له من الصحة وهناك أدلة ليس هنا محل الحديث عنها ويظهر أنه بني في الثمانينات قام على تشييده أحد الأشخاص من قرية بوري لا أدري بحقيقة تتبعه للشخصية والقبر وليس من المتثبتين في ذلك والله أعلم بحقيقة الحال ولكن المتعارف عليه عند كل من سبر أغوار كتب التاري. أن صاحب هذا القبر مجهول الهوية على فرض وجوده. فأما لقب بربغي فقد أُلصق إليه لكونه وقع في منطقة تعرف بهذا الاسم كما حصل في مسجد الشيخ محمد سبسب فقد غلب اسم المنطقة على اسم صاحب القبر ولعله من المنطقة نفسها وما عهدنا أن لهذه المنطقة أمراء. وذهب بعضهم لكون صاحب هذا القبر هو والد الشي. الدمستاني وهو بعيد جداً فوالد الدمستاني مدفون في عالي حويص وقبره بقرب العين بحسب نقل الشيخ عبد الله العرب في حاشية أنوار البدرين. ونقل الشي. إبراهيم المبارك في كتابه حاضر البحرين وماضيها ما نصه [ أمير محمد في طرف عالي من الغرب، وعليه قبة بنيت في قريب العهد، ولم نعرف عنه شيئًا، ولعل إمارته تلك قيادة جيش كأمير زيد ] ويظهر من عبارته هذه أنه يقصد مسجد أمير محمد الموجود في عالي ولو كان مسجد وقبر أمير محمد بربغي موجوداً في زمن الشي. إبراهيم لذكره خصوصاً وأن الشيخ توفي في العام 1979م _ 1399هـ ومعلوم أن مسجد أمير محمد الموجود في عالي بني في السبعينات وربما بني قبل ذلك أيضاً فما بال أن الشي. إبراهيم المبارك لم يذكره في كتابه ضمن مزارات البحرين. وأما أمير محمد بربغي فقد بني في الثمانينات ولكن بني على أي مستند أو دليل الله أعلم. وسألت الحاج سلمان نفسه الذي حاول أن يميز بين أمير محمد وهو الموجود في بربغي ومير محمد وهو الموجود في عالي، فلم أجد جواباً يُطمأن له حول التثبت من صحة وجود قبر هنا وكيف كانت معالمه وكيف عرف أن صاحب هذا القبر يحمل هذه التسمية ولماذا خفيت على الشي. إبراهيم رغم أنه عاش حياته في هذه المنطقة واطلع على خفاياها، كل هذه القرائن تجعلنا نؤكد أنه لا صحة لهذا القبر ونسبته ولا يفهمني بعضهم أنني أدعو لإزالته وحجب الناس عن زيارته بل هو مسجد وله أحكام المسجدية وحرمة المسجد إنما الكلام عن القبر وصاحبه فقط، أما مسألة الكرامات التي يقولها بعضهم فليست بدليل ولا أمنع الناس من عقيدتهم في هذا المسجد والمزار بل أتكلم بصفة التحقيق لا غير وعلى الناس الحكم بعد كل هذه الأدلة والقرائن.
تاسعاً: وقفة على نواحي بربغي
ومما سنح بالخاطر من الأبيات الشعرية على أنقاض هذه المنطقة القديمة والمندثرة من تاري. البحرين هذه الأبيات القليلة وهي في إحدى وقفاتي على أطراف بربغي فقلت:
وقفت ببربغي فرأيت أمساً يموت النخل منه على التوالي
وفي الأطلال أشباح تراءت كأن حقيقةً تبعت خيالي
فأين الماء قد ضمئت حياةٌ إليه فهل يفيق من الزوال
وهل عدمٌ جذوع النخل كانت وقد ملأت بذكراها أوالي
فسائل أينها جنات أرضي تجب عن أنة التاريخ عالي
وكتب بشار عبد الهادي العالي البحراني
في 21 ذي القعدة 1430 هـ
مصادر البحث:
1. مقابلات شخصية مع كبار السن وبعض مؤسسي المساجد.
2. ديوان أبي البحر: تحقيق عدنان العوامي، مؤسسة الانتشار العربي.
3. الأطلس العربي المصور جيوبراجكتس دولة البحرين.
4. عقد اللآل في تاري. أوال.
5. ماضي البحرين وحاضرها.
6. مجموعة وثائق مصورة عند الباحث.
7. المعجم الذهبي، فارسي عربي الدكتور محمد التونجي.